من مواطن مصري إلى الرئيس مبارك

 

 

 

اعتراف .. وتقديم..

(نشر هذا الكتاب في مصر عام 1993 أما هذه المقدمة:- اعتراف وتقديم -  فقد كتبت عام 2003 ماعدا الحاشية الأخيرة)

 

أعترف للقارئ، أنني لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما كتبت هذا الكتاب..!!

والكتاب هو: "رسالة من مواطن مصري إلى الرئيس مبارك" والذي نشر كمقالات في صحيفة الشعب عام 1992 ثم ككتاب عام 1993م.

إلا أن ذلك لا يعنى أي نوع من الندم، أو التراجع عما قلت، بل على العكس.

  فقط أريد أن أقول  أن بصيص الأمل الذي كان يحدوني أيامها لمخاطبة السيد الرئيس قد خبا، ولم يعد له وجود.

 أما الكوارث والخطايا فكلها ما تزال.. بل ربما ربت ونمت، وربما لم ترب ولم تنم، ولكننا فقط اكتشفنا ما كان موجودا منذ البداية لكنه كان  خفيا علينا.. ولهذا فإن هذه الرسائل التي كتبت منذ عشرة أعوام يمكن أن تكتب اليوم كما كتبت أول مرة.. بلا تغيير.. على الإطلاق..

ربما فقط يكون واجبا إسقاط سهم ائتلاف القلب..

لأن سهم المؤلفة قلوبهم كان يقصد به من يراد جذبهم نحو مزيد من الإيمان  أو دفعهم بعيدا عن الردة..

أما المؤمنون حقا فلم يكن لهم نصيب في سهم المؤلفة قلوبهم..

ولا الكفار أيضا كان لهم ذلك السهم.

***

إلا أنني في نفس الوقت أستدرك أن الدافع خلف كتابة الكتاب لم يكن كله أملا في استجابة الرئيس لما أكتبه له، ، نعم.. لم يكن كله ولا حتى بعضه، بل ربما كان الجزء الغالب فيه- وعلى سبيل الاحتياط لا أقول الوحيد-  هو إبراء  لذمتي أمام الله يوم القيامة، و إلزام الرئيس بالحجة يوم الحساب، حتى لا يدعى أحد أنه لم يكن يعرف.

*** 

والحقيقة أنني بدأت كتابة المقالات دون أن أعرف إن كنت سأتمكن من نشرها بأية وسيلة، كان قد صودر لي كتاب : " مباحث أمن الوطن"، وعطل آخر لمدة عامين: " الحاكم لصا"، وتجاهل المجوس المسيطرون على أجهزة الإعلام ذلك، فقد كان الكتابان يهاجمان نظام الحكم، وهم لا يعتبرون المصادرة اعتداء على  الحرية إلا إذا كانت حرية الشيطان، حرية التطاول على الذات الإلهية والمقدسات.

 ثم كان أن التقيت بالأستاذ عادل حسين، و أملت أن ينشر حلقة أو حلقتين من هذه الرسائل في صحيفة الشعب، على أن ينشر الباقي في كتاب.  لكنني فوجئت بنيتهم نشر الرسائل كاملة.

***

مع الحلقة الأولى كان رد الفعل هائلا، كان أكبر بكثير مما توقعت من أمة ظننت أن تزييف وعيها قد اكتمل، وكان ممن قابلتهم أيامها بالمصادفة الدكتور سعد الدين إبراهيم، الذي وصف الأثر الذي أحدثته المقالات بأنه زلزال في الصحافة المصرية لم يحدث من عشرينيات القرن العشرين، وكان هو الشخص الذي أسندت إليه – دون أن أذكر اسمه – وصف حاشية الرئيس ووزرائه في الحلقة الثانية من هذه المقالات.

***

مع نشر المقالات فاق توزيع الصحيفة كل تصور، وبلغ الأمر أن إدارة الصحيفة  لم تستطع الاحتفاظ بنسخ من الصحيفة للأرشيف فلجئوا إلى التصوير.

الأستاذ الدكتور حلمي مراد – عليه رحمة الله ورضوانه- أخبرني أن الدكتور عاطف صدقي رئيس الوزراء آنذاك اتصل به في لهفة راجيا أن يوفر له نسخة من "الشعب" حيث كان مسافرا للخارج، ففاتته الحلقة الرابعة من الرسائل، ولم يتمكن من الحصول عليها حين عاد.

***

في الجانب الآخر نشط جهاز مباحث أمن الدولة، وأخذ يوجه إلىّ رسائل نارية، بطريقة مباشرة وغير مباشرة ، ما بين الترغيب والتهديد، والتلويح بما يمكن أن يفعلوه، ومنذ المقالة الأولى بذلوا ضغوطا شديدة لإرغامي على التوقف. ومع كل مقال كان الإلحاح يزداد، وكذلك التهديد، وكوني أكتب ذلك بعد عشرة أعوام من حدوثه، يستبعد العنصر الذاتي من الحدث، وما أردت بالحديث الآن إلا أن أكشف كيف يواجه هذا الجهاز الرأي الآخر.

وقد شملت التهديدات كل الممكنات، ابتداء من تلفيق القضايا، إلى حادث سيارة غامض، إلى التهديد بالأبناء!..

***

بعد المقالة الثالثة جاءني مسئول من جهاز أمنى آخر، يعرض علىّ التوقف عن كتابة المقالات مقابل تدبير لقاء لي مع الرئيس على الفور، و أجبته أنه يسعدني لقاء الرئيس، لكن هذا اللقاء سيكون موضوع حلقة سادسة من هذه الرسائل الذي يبلغ عددها خمسة!!. سأعتبر نفسي سفير الشعب المصري إليه.. قال لي الرجل أنني أحظى باحترام واسع و أنهم يدركون إخلاصي وصدق نواياي، ويدركون أيضا أن السبب في انتقاداتي العنيفة يكمن في أنني لا أعرف الكثير من الخبايا والظروف المعقدة المتشابكة، و أنني إذا استجبت له وأوقفت سلسلة المقالات فسوف يتكفل الرئيس بنفسه بشرح ما غمض علىّ، وهنا قلت له: لا أملك إلا التحذير.. فكل ما يقوله الرئيس لي سيجد طريقه إلى النشر على الفور. وقلت لنفسي: المديح بداية الغواية والأسرار بداية الانحراف.

***

في نفس الأسبوع فوجئت بإنذارين حكوميين، الإنذار الأول يخبرني بضرورة أن أقوم بهدم منزلي، فإن لم أفعل في خلال أسبوعين فإن الأجهزة الحكومية سوف تقوم بالهدم بنفسها، وسوف تحملني تكاليف الهدم. أما الإنذار الثاني فكان بضرورة إغلاق عيادتي لمخالفة شروط الترخيص.

الإنذار الأول كان سببه أنني وسعت بعض غرف المنزل، والإنذار الثاني كان بسبب تجديد دواة المياه!!..

***

في الجامعات والمساجد عقدت حلقات لقراءة الرسائل، بل واستعملت بعض عبارات الرسائل في المظاهرات، وبدأت أدرك أن الأمر أخطر مما قدرت، وأن احتمالات الاستشهاد قوية،  و بدأ الهجوم علىّ في الصحف الحكومية، واتصل بي بعض الصحافيين في مؤسسة الجمهورية كي يخبروني أن سمير رجب كلف طاقما كاملا من الصحافيين باختلاق الأكاذيب عنى، وجاء بعض هذا الطاقم ليلتقط صورا لمنزلي، وفى نفس الوقت، كانت قوات من الأمن تراقب المنزل، والتقطت قوات الأمن صورا للمصور الصحفي وهو يلتقط الصور لمنزلي، و ألقت القبض عليهم، ولم يفرج عنهم إلا بعد تدخل رئيس التحرير، والصورة التي التقطها جهاز الأمن للمصور الصحافي وهو يصور كانت طرفة لدى أعلى مستويات السلطة، وكانت من ناحية أخرى دليلا على يقظة الأمن، وكان هذا هو السر في القبض على الصحافيين، فقد أريد للواقعة أن تتردد أصداؤها في أعلى مستويات السلطة، وهو ما حدث.

***

ذهبت إلى الجهة المختصة التي أنذرتني بهدم منزلي، من خبرات سابقة كنت قد اكتشفت قانون التناسب الطردى بين الدرجة الوظيفية من ناحية وبين الفساد والخسة من ناحية أخرى، قلت لنفسي أنني لو ذهبت إلى رئيس الجهاز فربما يجدها فرصة لمنافقة الحكام فيختصر مهلة الخمسة عشر يوما، سألت الله العون، على أحد المكاتب وجدت موظفا عجوزا فسألته، وبدا الرجل لا يصدق ما أقوله له، بل إنه سخر منى ضاحكا: التنظيم الداخلي في المنزل شأنك أنت ما دمت لم تعتد على خط التنظيم الخارجي( الشارع) ..  فأعطيته الإنذار الذي وصلني، فحملق فيه بذهول وهو يتمتم: هذه أول مرة في حياتي أرى إنذارا بهذا المعنى، لو كان ذلك صحيحا لهدمنا منازل مصر كلها، وفجأة سألني : من أنت؟ الأمر غريب ولا يتعلق بالإسكان.. وراجع الإنذار كي يعرف اسمي  ثم حملق فىّ قائلا: هل أنت الذي تكتب الرسائل إلى الرئيس مبارك؟ وأجبته بالإيجاب، فإذا به ينتفض ليعانقني والدموع تملأ عينيه، ويندفع ليسب السلطة سبابا عنيفا، ويقول في تأثر بالغ: إن الله يدافع عن الذين آمنوا، اذهب يا دكتور، إن الله يدافع عن الذين آمنوا. سألت الرجل ماذا يعنى فأجاب ولما يزايله الانفعال.. اذهب.. لا تشغل نفسك بهذا الأمر.. واصل رسائلك.. والله في عونك.. وربما بدا علىّ التردد أو الشك.. فاندفع الرجل يقول: أنت تقول لنفسك كيف يستطيع هذا الموظف البسيط أن ينقذني مما لا يستطيع وزير الإسكان نفسه إنقاذي منه.. الأمر بسيط.. منذ أيام جاءتنا أوامر مشددة بالبحث عن ملف منزلك.. بعد مجهود مضن عثرنا عليه.. تناولته الأيدي وطلبه كبار المسئولين للاطلاع عليه.. لم نكن نعرف السبب.. ولقد أعادوه بالأمس كي تقوم الشئون القانونية بإعداد مذكرة الهدم.. في تجوال الملف بين المكاتب المختلفة لم يعد عهدة أحد.. وجدته اليوم بالصدفة على أحد المكاتب.. لم أكن أعرف أن الأمر يتعلق بمن يكتب تلك الرسائل إلى الرئيس..  دفعني الفضول لأخذ الملف للاطلاع عليه.. لأعرف سبب الاهتمام به وسبب هدم منزل هذا الرجل الذي هو أنت.. هذا هو الملف..

وسألت الرجل في حيرة: وماذا ستفعل لوقف قرار الهدم.. ؟  وببساطة أخرج الرجل صحيفة الأهرام، فتحها، كان يخفى صحيفة الشعب داخلها، كان بها إحدى رسائلي للرئيس مبارك، وببساطة وضع الملف بين طيات الصحيفتين، ونظر إلىّ هامسا: عند انصرافي سآخذ الملف كله معي، سألقيه في الترعة المجاورة، بدون ملف لا يستطيعون فعل أي شئ، لا الهدم ولا رفع قضية ولا حتى تحرير مخالفة، وكل هؤلاء الذين يتنافسون اليوم على سرعة الهدم سيتنافسون غدا على التكتم على الأمر كله بسبب فضيحة اختفاء الملف.

كان انفعال الرجل قد انتقل إلىّ.. ولم يكن سوى الصمت يمكن أن يعبر عن مشاعري، صافحت الرجل، وانصرفت فعلا، لكنني سرعان ما عدت.. قلت للرجل: أنا لم أعرف حتى اسمك.. أريد أن أعرفك .. على الأقل لأذكرك أمام الله في دعائي.. و إذا بالرجل يقول: أرجوك يا دكتور.. دع عملي خالصا لوجه الله.. لن أخبرك باسمي.. أنا في أرذل العمر.. سأحال للمعاش بعد عام.. فدعني أتقرب إلى الله بهذا العمل..

حتى الآن – بعد عشرة أعوام وبضعة شهور -  لم يفتح الموضوع مرة أخرى..!!.. ولم ألق الرجل قط..

***

قيل أن سمير رجب بعد أن أعد صفحتين كاملتين للهجوم علىّ جاءته تعليمات من جهات عليا بعدم زيادة الاهتمام بالرسائل لأن ذلك سيزيد من شعبيتي وانتشارى، فاستعاض عن الرد في الجمهورية بأن كلف أحد غلمانه بنشره في صحيفة حزبية: صحيفة مصر الفتاة، وكان سمير رجب قد تآمر على الحزب والصحيفة، وتم لأعوانه الاستيلاء عليها، وعين أحد غلمانه رئيسا لتحريرها، وكان تعيين رئيس التحرير هذا فضيحة، فتم استبداله بعد صدور عددين فقط،  كان متهما في عدة قضايا جنائية، ليس أخطرها قضية تسهيل دعارة!! وصدر ضده  - في قضية تسهيل الدعارة- حكم نهائي بالسجن ثلاثة أعوام، فلاذ بماهر الجندي حين كان محافظا لمحافظة الغربية، فمنع تنفيذ الحكم عليه، بل واصطحبه معه عند نقله إلى الجيزة، وكان هذا الغلام أحد الأعوان الرئيسيين للصديقين الحميمين:  سمير رجب وماهر الجندي.

في الصفحة الأولى من الصحيفة نشر الموضوع الضخم تتصدره صورة لمنزلي، أما الموضوع نفسه فقد بلغت البذاءة والافتراء فيه درجة لا تصدق، الكذب في الصحافة فن!.. نعرف ذلك منذ زمان طويل.. ولأنه فن فلابد أن يعتمد ولو على جزء ولو صغير من الحقيقة.. لكن  الموضوع الذي نشر كان كله أكاذيب مذهلة لا تشوبها شائبة صدق.

وربما لا يتسع كل هذا الجد الذي نحن فيه لأي هزل، ولكنني أريد أن أكشف أمام القراء المدى الذي بلغه الإسفاف والكذب، وهم يصفون منزلي ضاعفوا مساحته خمسين ضعفا، أما عنى، فقد وصفوني أن لحيتي تمتد أشبارا عديدة ( لم أتشرف بعد باتباع السنة و إطلاق لحيتي و إن كنت أنوي ذلك قريبا إن شاء الله) .. و أنني أطلقتها كجزء من عملية نصب واحتيال، و أنني زورت شهاداتي العلمية، و أنني بدأت في تكوين ثروتي باختراع مزيج مقو للشيوخ(!!)- تخصصي: استشاري في الأشعة التشخيصية، وهو تخصص ليس له أي علاقة بالعقاقير- و أنني روجت لهذا المزيج السحري في الدول العربية بين الأمراء وشيوخ البترول، لكنني لم أكتف بهذا، فقد واصلت استغلال نجاح المزيج الذي اخترعته، فافتتحت مكتبا اقتصر نشاطه على تزويج القاصرات المصريات لشيوخ العرب، ورغم ما حصلت عليه من ثروة، إلا أن ذلك كله لم يرو جشعي، فانتهزت قيام الثورة الإسلامية في إيران، وعرضت نفسي على الإمام الخميني، الذي بادر باستدعائي، فذهبت إليه، فكلفني بإشعال الثورة الإسلامية في مصر، وأعطاني مقابل ذلك ملايين لا يمكن حصرها!!.

***

سوف يتكرر الأمر بعد ذلك في قضية الوليمة، ليثبت أن بعض كتاب السلطة أكثر شرا وبذاءة من أعتى جلادي الشرطة والسلطة.

***

إنني أكتب هذه التفاصيل لأكشف الوسائل المجرمة التي تلجأ إليها الأجهزة لتحطيم من يقول  الحق، أكتبها لأوضح أن الكفر ملة واحدة، و أن ما تمارسه أمريكا و إسرائيل ضد شعوبنا قد سبقت حكوماتنا إليه، بطريقة همجية ووحشية، بل إن إسرائيل و أمريكا كان لديهما قدر من الحصافة بحيث يحاولان  دائما إخفاء وسائلها الحية البشعة، وظل الأمر هكذا حتى غزوتي  نيويورك، جزا لله الشيخ أسامة بن لادن كل خير، فقد هتك أستار الحضارة عن وجوهه لتبدو وحشيتهم بدون قناع.

و أكتبها لأحمد الله أن ثبت قلبى على الحق، لكنني في نفس  الوقت آسى لعشرات ومئات و ألوف، حولتهم أجهزة الأمن من مشاريع مواطنين شرفاء، إلى عملاء، أو إلى حطام بشرى.

و أكتب هذه التفاصيل، لأن قلبى يتمزق كل صباح، مع رسائل البريد الإليكتروني، التي تصلني من طلبة الجامعة، الطلبة الذين تخطفهم عصابات الأمن، فتبدأ بتعذيبهم عذابا همجيا وحشيا مجنونا، يستمر أياما طويل، ثم تبدأ المساومة على إنهاء العذاب، مقابل أن يتعهد الطالب بالتجسس على زملائه.

و أكتب هذه التفاصيل، وهى قطرة في بحر مما حدث لي وما يزال يحدث، وآخره أن مكافحة التهرب من الضرائب تتعقبني، لا بالمواجهة، لأنهم يعرفون أكثر من أي أحد آخر سلامة موقفي، بل ويعرفون ما هو أكثر، من تدخل السلطة المباشر لمحاربتي بالضرائب، وتلك قصة أخرى أود كتابتها ذات يوم.

أكتب هذا لأقول أن أجهزة بعيدة عن أمن الحاكم، قد شوهت امتهنت لتقوم  بدور الخادم الغبي للأمن السياسي، ولم يكن ذلك بأي هدف، إلا التنكيل، ولقد ترتب عليه في إيجاز مذهل الوضع الاقتصادي المتردي، والذي يتلخص في أنه في خلال ربع القرن الأخير، بدأ النظام السياسي الحالي في مصر، وبدأ معه نظام سياسي في سنغافورة، كان متوسط الدخل للفرد متقاربا، مع زيادة طفيفة للمصري، بعد خمسة وعشرين عاما، ارتفعت صادرات سنغافورة ( ثلاثة ملايين مواطن) إلى تسعين مليار دولار، أما في مصر فقد ثبتت الصادرات عند رقم ثلاث مليارات ونصف المليار لسبعين مليون مواطن.. لم تزد مليارا واحدا طيلة حكم الطوارئ الأبدي.. لأنهم في سنغافورة ليس لديهم أمن سياسي، و لا إدارة مكافحة تهرب تطارد من ينتقد النظام وتفلت تحت بصرها من أوسع الأبواب مئات المليارات المهربة، كما لا يحول جهاز الأمن بها الطلبة إلى جواسيس.. ثم أن الأمور هناك تتم طبقا للعقل والعلم والخبرة.. وليس طبقا لتوجيهات سيادته..__________________________________________________________________________________________________________________________________________________

***

بعد أعوام من نشر المقالات لقيني أحد كبار رجال الأمن قائلا:

- لن نغفر لك أبدا ما فعلته في هذه المقالات، لقد كنت ككاسحة الألغام التي تمهد الطريق للجحافل بعدها، ولقد اقتحمت أبوابا لم يجرؤ  أحد على اقتحامها منذ عام 52.

***

لم يكن سرطان الدولة قد انتشر في النقابات المهنية بعد، وعندما علم الزملاء بنقابة الأطباء بسحب ترخيص عيادتي ( وكان سبب سحب الترخيص كما أسلفت مهزلة: تجديد دورات المياه، بينما الترخيص يتعلق بغرف الفحص الإشعاعي فقط) ، و يستغرق استخرج ترخيص جديد أكثر من عامين، لذلك  فقد بادر الزملاء إلى بند مهجور من بنود القانون، تم بمقتضاه إصدار ترخيص مؤقت، تم النص فيه على أنه يحل تماما محل الترخيص النهائي.

و أسقط في يد الأجهزة التي جاءت بعد أسبوعين لإغلاق عيادتي.

***  

اكتمل نشر المقالات فى آخر شهر مايو عام 92،  فى المقالة الخامسة والأخيرة ناشدت الرئيس ألا يرشح نفسه مرة أخرى، وكان الاستفتاء على الرئاسة مقررا فى نهاية عام 93، وردا على مناشدتى انفجرت المبايعات فى الصحف الحكومية والعميلة والمنافقة ، انفجرت، وظلت تبايع عاما ونصف عام!!.. رغم أن النتيجة معروفة قبلها بأعوام..

***  

وصلتني آلاف الخطابات والاتصالات، وكانت الضغوط الأمنية في ازدياد مستمر، وكنت تحوطا لاعتقالي قد أرسلت الحلقات كلها إلى الأستاذ عادل حسين، وقبل نشر الحلقة الأخيرة بيوم جاءني اتصال تليفوني ممن عرفني بنفسه  كضابط كبير في مباحث أمن الدولة في لاظوغلى, طلب منى الذهاب إليهم على الفور، وسألت عن السبب، أجاب في لهجة قاطعة: لاستجوابك في أمر رسائلك إلى سيادة الرئيس،  فرفضت ما لم يكن ذلك باستدعاء رسمي, وجاءني صوته عبر الهاتف:

-  مجيئك لنا خير من مجيئنا لك و "بهدلة" أسرتك وبيتك!.

وطال الحوار بيننا، قلت للرجل أنهم جهة للتحرى فقط، ومن حقهم بعد موافقتي أن يسألوني عما بدا لهم، لكن القانون يشترط موافقتي، و أنا لا أوافق. وراح الرجل يهدد ويتوعد، فقلت له أنه يمكنه التزام الطريق القانوني فيستصدر أمرا من نيابة أمن الدولة بالقبض علىّ.. وساعتها سأكون بين أيديهم بالقانون، وقال الرجل أنهم تعودوا أن يأمروا فيطاعوا، و أنني أعرض نفسي لخطر جسيم برفض المثول، وقلت له أنني لن أذهب إليهم، لأن مجرد ذهابي إقرار بحقهم فيما يفعلون، و أنا لا أقر به، وأن المجال مفتوح أمامهم ليختطفوني كرجال العصابات، وقال الرجل أنهم لن يختطفوني بل سيأخذونني عنوة واقتدارا من منزلي بعد أن يحطموا أثاثه وبعد أن يوجهوا ما شاءوا من الإهانات لي ولأسرتي. وقلت له أنهم يستطيعون فعل ذلك و أكثر منه، كعصابة وليس كجهاز أمن،  وراح الرجل يطلب منى مرة أخرى أن أذهب بنفسي إليهم كي أوفر على نفسي كل هذه المشقة. وكررت رفضي.. فتوعدني قائلا:

- إذن.. ذنبك على جنبك.. انتظرنا الليلة..

أدركت أنها النهاية، كنت قد وطنت نفسي منذ زمان طويل أنه حين يحين ذلك فلن أسمح لهم بالنيل من كرامتي، و أن ذلك سوف  يسفر في الأغلب عن  قتلى،  وأيقنت أنني سألقى الله خلال ساعات قليلة.. فاحتسبت عند الله نفسي و أهلي.. وقلت لنفسي أنه وقد بلغ الأمر هذا المدى فإن هناك ما أود إضافته إلى رسائلي ما أبرئ به ذمتي أمام الله..

كنت كطالب فوجئ بأن امتحان أعمال السنة هو الامتحان النهائي ولم يكن أمامه إلا أن يراجع إجاباته طمعا في درجات أعلى..!!..

 اتصلت بإدارة الشعب، وطلبت منهم انتظار نسخة مزيدة ومنقحة من الحلقة الخامسة والأخيرة.

وقضيت الليل ليس في انتظار التتار الجدد  بل في الإضافة إلى  المقالة الخامسة والأخيرة من سلسلة المقالات. ولقد فعلت ذلك  بوجدان من يقوم بآخر عمل في حياته فيود بكل ما يملك أن يتقنه حتى يكون حجة له أمام الله ووجاء من النار.

عكفت في غرفة مكتبي، أترقب الطرقات الشيطانية، كنت أنقح المقال على جهاز الكمبيوتر مباشرة، وقد أعددت عدتي عندما أسمع الطرقات أن أبدأ إرسال المقال بالفاكس عن طريق الكمبيوتر على الفور، ثم أطفئ شاشة الجهاز و أدعه يعمل، سوف يستغرق الإرسال  دقائق قليلة، و لأن الشاشة ستكون مطفأة فلن يلاحظوا عندما يدخلون لتفتيش المكان أنني أرسل المقال في وجودهم.

ظللت أنتظرهم حتى الفجر، لم يأتوا، قمت للصلاة.. و أرسلت المقال..

أغمضت عيني في إجهاد ورضا..

كنت أدعو الله أن يتقبل منى..

وبعد فترة فتحت عيني على لوحة المفاتيح الخاصة بجهاز الكمبيوتر غارقة في الدم!!.. كان نزيفا من الأنف.. ربما بسبب ارتفاع في ضغط الدم بسبب الانفعال.. وربما تضافر الوعي مع اللاوعي.. والرمز مع الواقع لينطق أن هذه الرسائل قد كتبت فعلا بالدم..

 

***

 

لا يبقى إلا أن أترككم مع الرسائل..

 

لكنني قبل ذلك أريد أن أوجه رسائل عاجلة:

 

الرسالة الأولى إلى الشهيدين الكويتيين العظيمين أنس الكندري وجاسم الهاجري  اللذين أنقذا شرف الكويت بعمليتهما الاستشهادية ضد الأمريكيين.. كان وضع الكويت أمام الأمة والتاريخ قد تحول إلى رمز لخيانة قضية الأمة والتحالف مع أعدائها..

البطلان الكويتيان أظهرا أن الداء الوبيل ليس في الشعب الكويتي نفسه، بل إن الداء – كبقية العالم العربي- في الحكام وليس في الشعب..

أيها الشهيدان العظيمان.. جزاكما الله عن الأمة خيرا.

 

الرسالة الثانية إلى الدكتور أيمن الظواهرى.. حمدا لله على سلامتك يا بطل مصر الغالي ومجاهدها العظيم، الله والأمة يعرفون أن من ينعتونك بالإجرام  هم المجرمون.

 

الرسالة الثالثة: إلى العميد محمد دحلان – وليس مهما وظيفته التي يشغلها الآن في السلطة الفلسطينية، لأننا نختزل هذه الوظيفة في كلمة واحدة: الخائن- أقول للعميد محمد دحلان الذي وجه في الأسبوع الماضي نفس الاتهامات التي يوجهها سيده ومولاه شارون إلى أعظم ظاهرة في العالم العربي: حماس.. أقول للعميد  أن أي صهيوني وكل صهيوني أشرف منه.. لأنه – بالفجر والجبروت والسرقة والقتل يبنى وطنا مسروقا، بينما دحلان ينفس الأدوات يبيع وطنا سليبا.

 

الرسالة الأخيرة لأجهزة الأمن في العالم العربي: كلما رأيت مظاهرة لنصرة العراق أو فلسطين في أي بلد من بلدان العالم هتفت في لوعة : أخزاكم الله في الدنيا والآخرة..

نعم أخزاكم الله..

قتلتم أمتكم..

كنتم أشد عليها من الموساد والسى آى إي..

بل لم تكونوا من البداية سوى فروع لها.

فأخزاكم الله..

***

والآن إلى المقالات الخمس: 

 


 

الدكتور محمد عباس

 

 

 

 

رسالة من …

مواطن مصري

إلى …

الرئيس مبارك

 


 

 

(سلسلة أفاق وتحديات عربية) – إصدار الشركة العربية للطباعة والنشر – أكتوبر1993

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

بدلا من المقدمة

   

طرحت – والأصدقاء – أسماء معظم كبار المفكرين المتهمين بهموم الوطن لتدبيج  مقدمة هذا  الكتاب، بيد أن فكرة غلابة ما برحت تلح على، ألا وهى أن الأولى بالسعي إليهم لتشريفي بتقديم هذا الكتاب هم قراؤه، فكبار المفكرين آرائهم معلنة بصورة أو بأخرى .

ولقد يسر على الأمر أن مادة هذا الكتاب قد نشرت في صحيفة " الشعب " التي يجمع معظم المفكرين أنه لولاها ما كانت في مصر صحافة معارضة . وقد ترتب على ذلك توافر نماذج شتى من الآراء والردود والتعليقات، إلا أنني وجدت لزاما على ألا أكتفي – كالسلطة – بإيراد كل رأى مؤيد وحجب كل رأى معارض . ولقد علمنا القرآن أنه لا يهمل – في الجدل  - حتى حجج الشيطان .

لذلك طرحت كل الآراء المعارضة التي لم تمثل سوى نزر يسير من مجمل الآراء الأخرى، ومن هذا المنطلق كان طبيعيا أن ينشر حتى تعليق فرج فودة، جنبا إلى جنب مع بطاقة من صفوت عبد الغنى .

يشتمل الكتاب على جزأين : الجزء الأول سلسلة المقالات الخمس : " من مواطن مصري إلى الرئيس مبارك " ويحتوى الجزء الثاني على مجموعة مقالات أخرى تشكل امتدادا وثيق الصلة بالجزء الأول. ولقد كان طبيعيا على سبيل المثال أن تكتمل الرسالة الثالثة للرئيس مبارك وموضوعها التعذيب برسالة أخرى للأستاذ خالد محمد خالد عن نفس الموضوع، كما ترتب على ذلك – استكمالا للموضوع – أن نورد رد اللواء حسن أبو باشا فتلك كلها حلقات شديدة الاتصال بموضوع هذا الكتاب.

كان طبيعيا أيضا أن نورد مقال الكاتب الكبير فهمي هويدى :" تقرير عربي عن الفتنة الأمريكية" بعد أن أشير إليه في أكثر من مقال .

بقى شكر احسبني عاجزا عن الوفاء به لرجل : نسيج وحده، أمه في رجل، رجل مثلت نشاطاته الفكرية توهجا يضئ الحقيقة، إلا كتاباته شكلت في نفس الوقت عائقا أمام الكثيرين – وأنا منهم – حين كنا نفاجأ به كأنه يغترف من أعمق أعماقنا، من أرواحنا ونفوسنا وقلوبنا وعقولنا جميعا ليصوغها في مقال ممهور بتوقيعه، نفس المقال الذي انتوينا كتابته !!..

 رجل ما كان يمكن لموضوع هذا الكتاب أن ينشر في مصر على صفحات صحيفة – كما صارحني رئيس تحرير إحدى الصحف – إلا إذا كانت هذه الصحيفة هي "الشعب" وكان رئيس تحريرها هو هذا الرجل : عادل حسين . أم أنه ينبغي علينا أن ننتظر حتى يموت – كجمال حمدان – كي نقول فيه كلمة حق ؟!!.

 

 

 


الجزء الأول


 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

د/ محمد عباس

 

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

إلى من أسعدني وأبكاني في آن واحد على مدى ثلاثة أسابيع حتى الآن إلى

والله لقد فاضت عيناي بالدمع وأنا أقرأ مقالاتك.

تدمع حزنا لوجود أناس لا يخشون الله .. وتدمع فرحا لوجود أمثالك، حفظك الله من بطش الجلادين وسدد خطاك .

 

 

منصور إبراهيم عبد اللطيف

   ديرب نجم – شرقية

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

مــــــن مواطـن مصري

إلى الرئيس مبارك  "1"

 

 

السيد رئيس الجمهورية : محمد حسنى مبارك

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

 

عيد ميلاد سعيد، أدعو لك الله فيه بمجامع القلب وأعماق الروح أم يجعل في استخلافك على بضعة من أمة محمد "صلى الله عليه وسلم" خيرا لها وخيرا لك .

عيد ميلاد سعيد يا سيدي .

عيد ميلاد سعيد أقولها لك حقا وصدقا رغم أنني أعرف أنك لا تصدقني، لا تثق في، لا تسمع إلى، ولا تقرأ أبدا صحيفة من تلك الصحف التي أكتب فيها، وتلك أحد أوجه مأساة العلاقة بيني وبينك، ذلك أ حاشية السوء دأبت على أن تصور لك أن كل كلمة منى هي هجوم عليك، وأن كل رأى لي هو انتقاد لك، وكل إرادة لي انتقاض من إرادتك، وكل حرية أنالها انتقاص لهيبتك، بل بلغ بهم الأمر – قاتلهم الله – أن صوروا لك أن تلمس نبضي والاستماع لرأيي وتنفيذه هو ضعف للإرادة لا يليق، وأن الحزم والحسم في احتقاري وعنادي، رغم أنهم يعرفون أن العناد يورث الكفر، ويعرفون أيضا أنه لا يدخل الجنة من في قلبه ذره كبر يغمط بها الحق ويحتقر الناس .

لكنني بالرغم من ذلك كله يا سيادة الرئيس أحبك، والله أحبك لكن حبي لك ليس حب منافق يهوى بك إلى النار، ولا حب أحمق يوردك موارد التهلكة، إنما هو حب أخ لك في الله يرى أن أعظم ما يهديه إليك عيوبك، وقد تتعجب يا سيدي من إقراري بحبك، وقد تتندر حاشية السوء حولك، لكن كيف لا أحبك وقد حذرني سيدك وسيدي أنني لا أومن حتى أحب لك ما أحب لنفسي، وكيف لا أحبك وأنت رئيسي، رمزي، وجهي الذي يراه العالم، أهلي، ودمى مهما اختلفنا فإن ما يصيبك يصيبني، وما  يؤلمك – في حدود مصالح الوطن وكرامته – يذبحني، كما ذبحت حادثة 4 فبراير وعملية القرصنة الجوية الأمريكية مشاعر المواطنين جميعا بغض النظر عن موقفهم من الحاكم.

وكيف لا أحبك وليس ثمة شئ في حياتي كلها تفوق أهميته قيمة كلمة أنتظر أن تقولها، وفعل أود أن تقدم عليه، وتوبة أرجو أن تتوبها، ليس ثمة شئ في حياتي يعدل ذلك، حتى الوالدان اللذان أوصاني الله بهما، حتى الزوجة والأبناء والإخوة والخلان، ما اهتمامي بأحد منهم يعدل اهتمامي بك، ولا أفكر في أحد منهم قدر تفكيري فيك، ذلك أن ازورار أي أحد منهم عن الحق لا  يعدو في تأثيره محيطه الصغير، أما أنت فزلتك تزل بها الأمة، لا قيمة لشيء إن لم تكن أنت على صواب، حتى الثروة والمجد ما قيمتها إذا كانت الأمة مستباحة ؟

من أجل هذا لا يهمني أمر أحد كما يهمني أمرك،  فكيف تشك بعد هذا كله أنني أحبك، بيد أن حبي لك هو حب في الله، لا من أجل جاه تسبغه علىّ ولا سيادة تسيدنيها، أحبك على الخير لا على الشر، على الحق لا على الباطل، على الإصلاح لا على الإفساد، على إعلاء كلمة الله لا النظام العالمي الجديد .

وحين تقدم على ذبحي يا سيادة الرئيس  فوالله لا أكرهك إنما أكره ما تفعل وما تقول.

أظن أنني واضح وصريح معك بدرجة قد تقنعك أن هناك ما يجمعنا وأن ما يجمعنا جدير بأن يدفعنا للبحث عن لغة يكون مدلول الكلمات فيها بيننا واحدا، فهل نستطيع أن نجعل من الألفاظ وسيلة للفهم لا لسوء الفهم، للاقتراب لا للابتعاد ؟؟.

إن الصمت بيننا موحش، انعدام الهدف المشترك بيننا يخنقني، الشرخ في جدار الثقة يزلزل كياني، هل أستطيع أن أحدثك، لا باللسان لكن بأعمق ما في القلب من شجن ورغبة في التوصل والفهم، بحزن الثاكل والأرمل واليتيم واللطيم أموت شوقا حتى ولو ليثبت أنني مخطئ وأنك كما تقول لا كما أظن . هل يمكن أن تسمعني كما كان عمر بن الخطاب رضى الله عنه  يسمع امرأة من عامة المسلمات، وهل يمكن أن يكون التعامل بيننا كما كان التعامل بين عمر وأبى بكر رضى الله عنهما مع من أنكروا عليهما حقهما في الخلافة ؟ مع إمام المتقين على أو مع الصحابة سعد بن عبادة الذي رفض أن يبايع الصديق والفاروق وظل حياته يغلظ القول لهما ويرفض أداء المناسك خلفهما . فهل تسمح لي يا سيادة الرئيس أن أحادثك بصدق، أن أخالفك وأهاجمك، أن أكشف لك عن خبيئة نفسي، أن أجردك في خيالي من هالات السلطة وجبروت القوة وبهرج الدنيا الزائف، أن أحاسبك، كما لا بد سأحاسبك يوما أمام الله حين تكون ضعيفا مثلى، مرعوبا مثلى، بلا حول وبلا قوة مثلى، حين تتلمس رضاي ورضا الأمة، فينا وضع الله الشفاعة لك.

فهل تسمح لي، لن تكون منة منك أنك الرئيس العربي الوحيد الذي يستطيع أحد مواطنيه أن يخاطبه، لن تكون منة منك بل فخرا لك، ووجاء من النار يوم القيامة .

وأنا يا سيدي واحد من عامة المسلمين أخاف كما يخافون، وأتجنب موارد التهلكة، لكن إن كانت التهلكة في حديث صادق لك فبطن الأرض خير، أجل، أخافك لكن خوفي من الله أشد، كما أخشى يا سيدي والله جلاديك، ,أخشى أبا لهب وأبا جهل، قتلة سمية وسيد قطب وسليمان خاطر لكنني أعلم أن عذاب الله اشد، فإن خيرت بين عذابه وعذابك فأهلا بعذابك ..

 فهل تسمح لي يا سيادة الرئيس أن أكتب لك .

سيدي:

شائك أن أكتب إليك وصعب .. أن أحاول بموضوعية حوار رئيس جمهورية ما زال يحكم .. فقد درجت العادة في بلادنا أن يكون الحاكم نبيا طالما حكم، ثم شيطانا رجيما عندما يترك الحكم . ولست أخشى على نفسي شبهة نفاق لك .. بل على العكس أخشى أن أغمطك بعض حقك استجلابا لتقريظ شجاعة مزعومة . أخشى يا سيدي أن تخدعني نفسي ويغرني الشيطان فيقال لي يوم القيامة : قد كتبت كي يقال إنك شجاع وقد قيل، أذهبوا به إلى النار، يصيبني الرعب من نفسي على نفسي فأتساءل والرعب موج كالجبال في ليل أليل : ماذا لو كان مبارك والسادات على حق، وماذا لو لم يكن معاوية ويزيد كظني بهما ؟ ماذا أفعل وماذا يفعل بي إذا جئتم يوم القيامة آخذين بخناقي هاتفين : ظلمنا يا رب ؟؟ .

تلك مشكلة يا سيدي لا أملك لها – كما لا تملك أنت أيضا – حلا حتى يكشف عنا غطاؤنا فيصبح بصرنا يومها حديدا .

لكنني أقحمت نفسي فيما هو أشد من حوارك وأعظم، وزعمت لنفسي الحق في استرجاع تاريخنا كله ومواجهة أحد صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم – وأحد كتاب رسائله – لا وحيه – حين رجعت بأسباب تدهور العالم الإسلامي إلى معاوية بن أبى سفيان الذي ثلم الإسلام بجرحين لم يرتقا بعده : ألا وهما : شرعية الحكم ووظيفة المال في الأمة، حتى لقد كدت أوقن أن كل حاكم بعده ليس سوى غاصب،  وكل مال ليس إلا مغصوبا، وإن الإسلام المطروح منذ ذاك ليس هو الإسلام الذي أنزل على محمد – صلى الله عليه وسلم – بل هو بالضبط ليس إلا الانقلاب عليه، انقلابا ما زال يكوينا بناره ويبهظنا بنيرة . أفأنكص أمامك أنت عن كلمة الحق وقد أدنت معاوية ؟؟!! فلا خير في إن لم أقلها ولا خير فيك إن  لم تسمعها..

أنا يا سيدي من ذلك الجيل الآفل الذي يطرق الآن أبواب العقد السادس من عمره، جيل الحلم الذي هوى بالمجد الذي انطوى، جيل السقوط والنكسات والهزائم والنكبات، جيل عهر الكلمات والزنا بالمحارم تحت عباءة الشرعية وانعدام التطرف والتشدد . جيل رآهم بأم أعينه يغيرون وضع اللافتات فيضعون على الجنون لافتة قد كتبوا عليها العقل، وعلى الخيانة أمانة، وعلى التزوير نزاهة، وعلى العمالة تحضرا، وعلى الكفر – الكفر وضعوا لافتة تحمل حروف كلمة الإيمان .

وهذا يا سيدي ما يدفعني للكتابة إليك، لكن غير مقتصر عليك، فلست يا سيدي ظاهرة فريدة لا تمثل إلا نفسك فالسمات الموجودة فيك هي هي ذاتها الموجودة في أقرانك وزملائك وكل من يسبق أسمه جلالة أو فخامة أو معالي أو سمو وكل من نودي " يا مولاي " ليس في هذا العصر فقط يا سيدي، بل ارتجاعا في التاريخ إلى معاوية ويزيد والسفاح . ولعلى أعترف بأنني وجدتك في البداية تفوق معظم أقرانك لكنني ما لبثت أن أدركت أن الفارق بينك وبينهم لا يعدو كثيرا الفوارق الطبيعية لتاريخ الحضارة وعمرها وطبيعة الشعوب واختلاف الممارسات تبعا لذلك، فهو كالاختلاف بين الإعدام على الخازوق أو الصليب والإعدام رميا بالرصاص أو على الكرسي الكهربائي . ولقد احتارت فيك مشاعري كما احتار عقلي، لم أفقد الأمل فيك لكنني لم أعلقه أيضا عليك، لكن أشد الأمور قسوة علىّ، هو افتقاد لغة الحوار بيني وبينك، فما أقوله أنا  لا تفهمه أنت – شد ما يحزنني ما يتكرر كثيرا في خطبك عندما تقول في عصبية : أنا موش فاهم – إن ما تقوله أنت أيضا يطرق آذاننا لكنه يخاصم عقولنا وقلوبنا، لا عن عدم فهم بل عن اختلاف لغة وتباين مسميات، ليس بيننا وبينك فقط، بل بيننا وبين كتابك وسدنتك، احترنا، حتى امحت الفروق بين الكاتب والمهرج، وبين المفكر والبهلوان، بين الحكومة والعصابة وبين العصابة والحكومة، بين عدو الله وبين عدو الشيطان، بين رجل الدين الذي يعبد الله والآخر الذي يعبدك من دون الله   .

قل لي يا سيدي الرئيس : ماذا تريد الآن، أستخرج لك به فتوى، وأجرى استفتاء، وأغطيك بفلسفة، وأجد لك ألف كاتب يدافعون عما تريد، قله، وسوف يوافق مجلس الشعب بالإجماع، وسوف يشيد مجلس الوزراء بحكمتك . قل غيره يا سيادة الرئيس، لا، ليس غيرة فقط، بل عكسه تماما وأنا كفيل – والله – بعكس الفتوى وعين المستفتين وذات الفلسفة وجميع الكتاب . فهم يا سيدي من قوم ذلك الشاعر الذي قال لك أو لأحد أسلافك …… لا يهم فالكل واحد:

ما شئت لا ما شاءت الأقدار        فاحكم فأنت الواحد القهار .

ولعلك يا سيدي لا تنسى فضيحة شيوخنا أثناء كارثة الخليج حين لم يحدث ولو مرة، لم يحدث ولو ذرا للرماد في العيون، أن اختلف شيخ منهم مع حاكم بلده، وذلك يا سيدي لم يفقدنا الثقة فيكم جميعا فقط، بل أفقدنا الثقة في شرعية الحكم، وفي النخبة الحاكمة كلها، النخبة الحاكمة بما تضم من مال وعسكر وشيوخ، وأفقدنا الثقة أيضا بشرعية الجغرافيا، شرعية تلك الحدود التي وضعها أعداؤنا بين شعوبنا، فرحتم تدافعون عنها بكل شراسة مهدرين أمن الأمة نفسها.

 من أجل هذا كله يا سيادة الرئيس لا بد أن أحادثك، أن أكشف لك خبيئة نفسي فبالصدق – والصدق فقط – يمكن أن ننسج معا حروف لغة مشتركة، فهم مشترك، نستعين بهما على الابتلاء  العظيم بالدنيا، وهو – كما لا ريب تعلم – ابتلاء نكصت عنه السماوات والجبال والأرض فقبلناه بظلم وجهل، كل منا ابتلاء للآخر فتحمل إذن صدقي، ودعني أسرد عليك بعضا من علاقتي بك، لعلنا نجد بين الأشلاء وشيجة انقطعت يمكن أن تتصل!!

عندما جئت أنت لم يكن في قلوبنا مزيد من محبة أو كراهية، كان صمتك يغرينا بالأمل فيك، وكان مجدك – مجدنا – في أكتوبر 73 مرتسما على ملامح وجه طيب يغرينا بذكريات دالت عن مجد لا ينبغي أن يدول، ولم نكن ننتظر الكثير منك، لقد تعرضت مصر وتعرضنا لخطر ساحق ما حق انتهى بمجيئك . كنا منهكين متعبين سعداء . كان ما نريده أيامئذ أن نرتاح قليلا، فلشد ما كان الطريق وعرا والآلام هائلة، أعطيتنا في البداية هدوءا كنا نحتاج إليه، ثم فاجأتنا بعض قراراتك الصائبة، فقل نزيف المرارة الذي ننزفه، وأفرجت عن المعتقلين من عيون الوطن وعقوله وفلذات كبده وسويداء قلبه وقابلتهم في اعتذار صريح للأمة وللوطن وللتاريخ عن جريمة اعتقالهم، وبدأت تنمو براعم أمل فيك، أصارحك أننا حاولنا قدر جهدنا أن نئدها، كنا قد وصلنا إلى حال أمسى فيه ألم الموت أهون من موت الأمل، فحاولنا ألا ينمو داخلنا أمل فيك، وعندما بدأت محاكمة خالد الإسلامبولى كان قلبنا يوجس خيفة خاصة عندما قررت المحكمة أن تكون الجلسات سرية، كان واضحا أنكم تخفون عار كامب ديفيد والمبادرة عنا، وأنكم تتجنبون إلهاب مشاعر الجماهير الصامتة المترقبة، وكانت إسرائيل أيضا تترقب، وأميركا والعالم كله ينتظر، وحاولت الأمة وحاولت أحزاب المعارضة وحاول المحامون، لكن ماذا يفعل المنطق في قلوب كالحجارة أو هي أشد قسوة، وترامت أخبار من هنا وهناك أن إسرائيل تشترط إعدام خالد الإسلامبولى ورفاقه قبل إتمام انسحابها من سيناء . وصدر الحكم بالإعدام . وساورنا أمل حزين بائس أن الطيار القديم والمحارب البطل محمد حسنى مبارك سوف يفاجئ الدنيا كما فاجأها في أكتوبر 1973 فيخفف الحكم . لكن حكم الإعدام نفذ فعلا قبل  انسحاب إسرائيل من سيناء، وكان الرصاص الذي أطلق على خالد الإسلامبولى ورفاقه يصل إلينا فيشوى جلودنا ويمزق لحمنا ويهشم عظامنا . 

وأدرك الناس أن الفجر لم يلح وأن الخلاص بعيد ووجدتني أردد مع أمل دنقل

لا تحلموا بعالم سعيد ………

فخلف كل قيصر يموت .. قيصر جديد …

وخلف كل ثائر أحزان بلا جدوى ودمعة سدي …

أخذنا نلعق جروحنا، نجتر آلامنا، نلملم أشلاءنا الممزقة، لا نحتمل ولا نتصور أن تكون امتدادا لما مضى وأن نواصل المعاناة كما عانينا، فطفقنا نبحث لك عن أعذار تقلل من وطأة ما حدث، وبرغم أن تصديقك على إعدام خالد الإسلامبولى مزق قلوبنا بجرح ما يزال ينزف إلا أننا تجاوزنا الأزمة … كان شرفنا القومي والديني قد بيعا بثمن بخس لكننا لم نكن قد حصلنا عليه بعد … وبدا أن العدو الفاجر يساوم بحياة خالد الإسلامبولى مقابل سيناء مثلومة الشرف … ولو كان لي الخيار لما اخترت التضحية بخالد، ولكنني كنت على استعداد لأن أتفهم لا أن أقبل باختيارك . كانت الهواجس تستبد بنا كوابيس ليل بهيم، كيف تم اختيارك نائبا للرئيس ولماذا، ونحن نعلم – كما تعلم سيدي – أن منصبا كذلك تتداخل فيه مئات العوامل الداخلية والخارجية، لكننا كنا نبعد تلك الأحلام الكابوسية فلم نكن نحتمل مزيدا من الألم ومع بوادر حرب الفساد في الداخل وسحب السفير المصري من إسرائيل وتجميد التطبيع أحسسنا أنك تسير في الطريق الصحيح لكن ببطيء شديد، وشبهك محمد حسنين هيكل بالطيار الذي يفحص أجهزة طائرته وممرات مطاره قبل أن يقلع، لكن الأيام تلو الأيام تمر والطائرة جاثمة والطيار لا يقلع . ثم جاءت انتخابات سنة 84 بما حدث فيها فكانت كحمض حارق ينسكب على جلد مشوي . قطعت رأسا للفساد فنبتت رؤوس ثم رؤوس، كان ضمير الأمة يناشدك في صمت مأساوي مشحون : واصل، كن كأملنا فيك، نحن نعلم أننا في الخارج مقيدون عاجزون محكومون، ولا نطلب منك إلا ما في وسعك، واجه الفساد، في إصلاح الداخل النفاذ من الحصار الخارجي . وظننا أنك سمعت صوتنا، نداء قلوبنا وهتاف أرواحنا إليك .

وبدا في البداية كأنك حريص ألا تستمع إلى أقوال مرسلة قد تكون مجرد إشاعات كاذبة وبدا حرصك على عدم اتخاذ إجراء ضد شخص إلا بحكم قضائي حرصا له وجاهته رغم بطئ إجراءات التقاضي من ناحية، وعدم إمكانية الإحاطة بكل الجرائم التي تتستر عليها مراكز قوة تحتمي بالسلطة من ناحية أخرى .. ومن ناحية ثالثة فليست كل الأخطاء الموجبة للإبعاد عن العمل العام تخضع لقانون العقوبات . وبرغم كل هذه الاعتراضات فقد كنت ألتمس شيئا من العذر لك .. كنا مختلفين وكان لكل منا منطقة .. لكنني لم أستطع أن أجد عذرا على الإطلاق لك عندما بدأت السلطة التنفيذية تتحدى أحكام القضاء .. لم يكن الأمر انتظارا لعدالة القضاء إذن، بل استغلالا لبطئ إجراءاته .

لكن الأمر لم يستمر كذلك، فذلك انتهى، فلكل أول آخر ولكل مبتدأ نهاية، إذ ما لبثت أحكام القضاء أن توالت فراحت حكوماتك يا سيادة الرئيس تتحايل عليها، حتى صرخ الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين – قبل انفجار الدم في رأسه – مناشدا الحكومة أن تكون خصما شريفا، وفهمنا معنى صرخته المهذبة المعذبة أن الحكومة تصرفت كخصم بلا شرف . وانفجر الدم في عروقنا نحن الآخرين يا سيادة الرئيس. بل وأنفجر في حيثيات حكم شهير ناشد السلطة أن تتحرى الدقة والطهارة في اختيار رجالها، وانفجر السؤال نزيفا في قلبي : هل يرضى الرئيس حسنى مبارك أن يكون عهده موصوما بهذه الوصمة .

بعد ذلك فوجئنا بوضع غريب يحدث يا سيادة الرئيس، غريب مريب، دعني أقله لك قبل أن يقال عنك، قبل أن يكتبها أبو جهل في الصفحة الأولى كما فعل مع سلف سلفك ومع زوجة سلفك، هذا الوضع يا سيادة الرئيس هو موقف الدولة من الفساد، إن شعوري كمواطن هو أن الدولة بقوتها الأسطورية لم تكف عن محاربته فقط، ولم تغمض أعينها عنه فقط، ولم تتستر عليه فقط، وإنما راحت تربية وتنمية، حتى لقد أصبح الفساد ليس سلوك أفراد تحاربه الدولة وتتربص به، بل سلوك دولة يحاربه أفراد فتتربص الدولة بهم . تغلغل الفساد حتى إلى جهات كانت مهمتها محاربة الفساد، ولم يعد نبتا شيطانيا بل شجرة زقوم هائلة تتشابك جذورها مع جذور السلطة وتتساقط ثمارها عليها، دعك يا سيدي من تقارير الصحف بالطهارة فأنت تعرفها، ودعك من أحكام القضاء بالبراءة، أنا لا أهاجم القضاء لكن عندما تتناقض أحكامه مع ضمير الأمة ووجدانها الجماعي فليس لذلك معنى إلا أن شيئا خطيرا خطيرا خطيرا حدث، شيئا لا يشرخ شرعية نظام الحكم فقط بل يهدم أساس المجتمع كله، من المفروض أن القضاء ينفذ بحيدة قانونا موضوعا فإذا خالفت الأحكام ضمير الأمة فالقضاء مخطئ أو القانون باطل، وإذا شاب القانون بطلان فأساس تماسك الدولة كلها في خطر، وأنا معكم يا سيدي الرئيس أمجد القضاء وأنزهه، ولكن ليس بطريقتكم، لأن الإصرار اللحوح على إثبات شئ إنما يواجه دائما نفيا خفيا بضده، وأنا أمجد القضاء وأنزهه لكنني لا أنسى أبدا أن قاضيا في الجنة وقاضيين في النار، ولا أنسى أيضا من عبرة التاريخ أن أشد السلاطين دفاعا عن نزاهة القضاء كانوا هم لا غيرهم أكثر السلاطين دأبا على إلقاء تبعة جرائمهم على القضاة، ولكم قتلوا وسجنوا وعذبوا وسلخوا وأحرقوا وسحلوا وارتكبوا كل كبيرة وكل منكر، لا لأن الشيطان داخلهم أراد ذلك بل لأن القضاء النزيه العادل حكم به، أما هم، الأبرياء الأتقياء الأطهار الأبرار فكيف لا ينزلون على أحكام القضاء وكيف لا يرضخون  لأمره .

أيامها يا سيادة الرئيس كانت مشاعرنا تصرخ توسلا إليك .. أنت منا..  أنت نحن لا هم، كنا نخشى عليك منهم، من أبى جهل وأبى لهب وابن أبىّ الذين لا مكان لهم في ظل حاكم عادل، كانوا يدافعون عن وجودهم وكنا ندافع عن أنفسنا وعنك، ولشد ما وددنا يا سيدي والله أن تكون معنا، نحميك وتحمينا، وحلم الناس أن تكون أبا زيد الهلالي، عنترة بن شداد، صلاح الدين الأيوبي، وكل بطل شعبي هب لينقذ أهله من جلاديهم،  وابتدع الوجدان الشعبي العبقري شائعة انتشرت في أربعة أركان مصر انتشار النار في الهشيم .. وكانت تعبر عن لهفة الشعب المقهور للبطل الذي يخلصه من ذله، وممن كان واجبهم حماية أمنه فاغتالوه .. قالت الشائعة إن أحد كبار ضباط الشرطة اصطدم بابن حسنى مبارك في محطة بنزين عندما لم يحترم دورة ( هكذا يراهم الشعب ) فاعترضه أبن الرئيس في هدوء (هكذا يتمناه الشعب ) ولما كان الضابط لا يعرفه فقد انهال عليه بسباب قذر ( هكذا عرفهم الشعب ) لكن ابن الرئيس تمالك أعصابه تماما ( هكذا يتمناه الشعب ) إلا إنه أصر على موقفه بعزم من حديد (هكذا يريده الشعب ) وازداد تطاول الضابط ( هكذا خبرهم الشعب ) وإزاء ذلك طلب ابن الرئيس التوجه إلى قسم الشرطة للتحقيق .. واعتبر الضابط أن هذه فرصته الكبرى للتنكيل به في قسم الشرطة حيث يمكن هناك - فيما يفترض أنه قلعة الأمان – أن يعذبه عذابا لا يدركه أحد ولا ينقذه من بين يديه منقذ .. وتوجها إلى قسم الشرطة وهناك قابلوا الضابط الكبير بآيات التبجيل والتوقير واستقبلوا ابن الرئيس  باستهانة ولم يسمحوا حتى بالجلوس .. وبدأ التحقيق الذي كان ينتوى به تلفيق قضية للمواطن  … وأدلى الضابط الكبير ببياناته شفهيا لكنهم طلبوا بوقاحة من المواطن بطاقته، وكاد المحقق أن يسقط مغشيا عليه عندما أدرك أن من شارك في الاستهانة به هو ابن رئيس الجمهورية .. وفى لمح البصر انقلب الوضع تماما فإذا بالضابط الكبير يتهاوى ويتذلل إلى ابن الرئيس أن يصفح عنه، لكن ابن الرئيس يرفض .. ويحضر مدير الأمن والمحافظ بل ووزير الداخلية لكن ابن الرئيس يظل واقفا، فليس من حقه أن يجلس كابن رئيس  وقد منعوه من الجلوس كمواطن.. وتنقلب الدنيا ويشتت الظالمون وينتصر الحق ..

كانت الشائعة رسالة أمل يائس منسحق إليك يا سيادة الرئيس من شعب أمل فيك أن تكون مخلصه ومنقذه من جلاديه .. لكن صحافتك القومية نفت الشائعة بمنتهى القسوة …

إذن … ليس هو أنت ..

ريفي أنا مثلك يا سيادة الرئيس .. وكان ليل القرية الطويل يمنحني الوقت كي أفكر وأتأمل وأحلم وأحاسب نفسي . فهل مارست هذا أنت . أتملك الوقت كي تحاسب نفسك إن كنت قد أخطأت أم لم تخطئ .. أم أن ثمة لعنة في كرسي الحكم تشي لشاغله أنه منزه عن الخطأ ..

مندهش أنا يا سيادة الرئيس ولا أفهم .. لماذا تكون أنت طاهرا .. وهذا هو اعتقاد أغلبية صامتة -  رغم بعض ما قيل ولم يحقق – ويكون بعض من حولك غير ذلك ..

ألم تقرأ قولة سيدي وسيدك عمر بن الخطاب إن من ولى أمر المسلمين فاجرا فهو فاجر مثله .. عليه وزر ما فعل ..

يا سيادة الرئيس .. إنك إن تجاوزت عن فاسد واحد في بطانتك فسوف يفرخ مئات الألوف ..

يا سيادة الرئيس إن الأحمق من باع أخرته بدنياه . لكن الأحمق منه من باع آخرته بدنا غيره.

سيدي الرئيس

لماذا يتغير الناس عندما تتغير مناصبهم وأوضاعهم

يا سيادة الرئيس .. إن حياة كل إنسان منا حلقات متصلة قد يختلف فيها الشكل لكن المضمون واحد … لا يتغير المضمون إلا لدى العباقرة والمجانين والخونة .. وعلى هذا فإن مبادئ الإنسان وقيمة الأخلاقية لا تتغير .. وقد تتغير الوسيلة لكن الهدف لا يتغير .. وقد يقع ما ليس في الحسبان فيتأخر الوصول للهدف لكنه لا يتغير .. فماذا كان هدفك يا سيادة الرئيس وأنت في العشرين من عمرك .. في براءة الشباب التي لم تخدشها أنياب الزمن .. وماذا كان هدفك وأنت في الأربعين .. وماذا أنت عليه الآن …

ما رأيك في صدام حسين الآن وماذا كان رأيك فيه منذ أعوام قليلة وأي الرأيين صحيح ؟ ..

ما رأيك في القذافى الآن وماذا كان رأيك فيه منذ أعوام قليلة وأي الرأيين صحيح ؟ ..

ما رأيك  في إسرائيل الآن وماذا كان رأيك فيها عام 73 وأي الرأيين صحيح؟..

سيدي :

ما رأيك فيما يقال عن ثروات بعض حكام العالم الثالث الذين ينهبون شعوبهم عبر سلاسل شيطانية بغيضة من الفساد الاقتصادي وتجارة  السلاح ؟.

لقد دفعتني هذه النقطة للتفكير طويلا في كيفية إحساس الحاكم وهو يخون الأمانة . في عالمنا الثالث لا يكاد يوجد حاكم غير ثرى، بل فاحش الثراء، ثرى حتى انه ليكفل لأجيال من ذريته أن يكون طعامهم إن شاءوا ذهبا، الدافع المادي إذن غير كاف لكي يكون السبب الوحيد .

أم يا ترى هو الابتلاء الصعب وليس المال الحرام إلا كماء البحر للعطشان، كلما عب منه ازداد عطشا له وسعارا إليه . وهل تتشكل الخيانة بأسلوب سهل مباشر كأن يقنع الحاكم نفسه بأن شعبه ليس إلا مجموعة من الرعاع أقصى ما يمكن أن يطمحوا فيه حد الكفاف، بعد هذا الحد كل مطلب طمع وإسراف سفيه لا يقدم عليه إلا أحمق لا يقدر المخاطر التي تهدد الوطن . بيد أن حد الكفاف هذا لا يخضع لأية مقاييس ثابتة، إذ قد يكون سفيها من يشرب الشاي، أو يأكل الخبز أو حتى يغرق همه وقهره في تصريف الغريزة  التي خلقها الله فيه .

وثمة نقطة أخرى فكرت إنها قد تكون تبريرا للحاكم فيما يفعل : إن الثروة محدودة، ولو وزعت بالعدل فسوف يكون عدل الفقر، سيكون الجميع فقراء، لن يضر الفقراء إذن أن يزدادوا فقرا في سبيل توفير الثروة للحكام الذين يتشكلون في كل وطن من طبقة لا من فرد أو أفراد - هل تأتى المبررات بعد ذلك لإثبات أحقيتهم في تلك الثروة، إنهم هم الساهرون على مصالح البلاد ( حتى لو ضاعت المصالح)، الحريصون على أمنها ( حتى لو أفتقد الأمن) الأمناء على رفع رايات النصر (حتى لو انهزموا ) ..

وهل يدخل في إطار هذه المبررات أنهم لكي يستقروا في الحكم مهددون بالموت كل يوم، وأن أي ثروة يحصلون عليها إزاء هذا التهديد المستمر ثمن بخس، وأنهم يستحقون أضعاف الأضعاف لولا رأفتهم بأحوال شعوبهم .

 أتساءل : بماذا يشعر ملك يفرض على كل برميل بترول دولارا له، وعلى كل طلقة رصاص سنتا . بماذا يشعر ذلك الحاكم وهو يهمل ألزم الأساسيات لوطنه ويهدر المليارات في مشاريع أقل ما يقال فيها أنها غير ضرورية لمجرد أن ينال نصيبه من العمولة عليها . وبم يشعر ذلك الحاكم وهو يضيع ثروة أمته على أسلحة فاسدة كما حدث في مصر في القضية الشهيرة على الأقل وكما يحدث كل يوم ولدى حكام إخوتنا الذين أنفقوا مئات المليارات – أو آلافها والله لا أدرى – على أسلحة لم تستعمل قط، لم تحم أمنا ولم تهدد عدوا ولم تؤازر صديقا، حتى إذا وقعت المصيبة هرعوا إلى من يحميهم . فيم ضاع ما ضاع إذن، لو أنه ضاع لخطأ في الحساب أو تجاوز في التقدير لغفرنا، لكنهم واصلوا خطاياهم  مع سبق الإصرار والترصد والتكرار والاستمرار دون أن يتعلموا أبدا . وليس جديدا علينا أن نعرف العمولات الهائلة التي تدفع في تجارة السلاح. ولو أنهم استعملوا هذا السلاح في الدفاع عما ادعوا أنهم اشتروه لأجله لما استمرت نيران الغضب والكراهية سعيرا  في حشايانا، بيد أن من خالف القاعدة منهم فاستعمل هذا السلاح  لم يستعمله  ضد عدو وإنما ضد شعبه أو ضد شعب شقيق . وذلك الله يا سيدي الرئيس ما زاد من مراجل الغضب في صدري . لقد خدعونا كثيرا من أجل القضية والوطن، من أجل الاستقلال، ثم التنمية في وطن مستقل،  وضاعت القضايا والأوطان والاستقلال وهاهم أولئك يحاولون إقناعنا بشيء غريب وهو التنمية  عن طريق التبعية .

ولطالما ألقيتم باللائمة علينا، زاعمين أننا كسالى متخلفون حمقى لكن الإحصائيات العالمية تقول غير ذلك .

لقد استورد الشرق الأوسط خمسين بالمائة من جملة ما استورده العالم الثالث من سلاح في الفترة ما بين 1971 و 1989،  حتى ليتساءل د. سامي منصور عن تكديس السلاح، هل كان هو السلاح المناسب أم كان استنزافا للقدرات ؟، هل كان السلاح الذي نملك مهارات استعماله أم كان مجرد زينة، كأدوات زينة النساء وأفخر أنواع  العطور و أحدث السيارات.

لقد اعترف أحد أعضاء منظمة ثورة مصر بإرغامه على الموافقة على شراء أسلحة فاسدة  وذلك أثناء خدمته في القوات المسلحة.

وتجمع المصادر على أن العالم العربي هو أكثر مناطق العالم الثالث إنفاقا حربيا وشراء للسلاح . ومعنى ذلك أننا كأمة قد أدينا دورنا و لم نبخل بشيء .

لقد أنفق العالم العربي – عالمنا – على السلاح في عام 1986 فقط 62 مليار دولار لكل فرد في السعودية و 1300 لإسرائيل

لقد استوردت إسرائيل أسلحة في الفترة ما بين 1951 و 1985 قيمتها 21 مليار دولار، في نفس الفترة استوردت مصر بـ 20 مليارا سوريا بـ 22 مليارا والسعودية بـ 23 مليارا والعراق 25 مليارا وليبيا 21 مليار دولار.

أما مجموع ما استورده العالم العربي فيقارب 220 مليار دولار .. أي عشرة أضعاف إسرائيل .

عشرة أضعاف إسرائيل يا سيادة الرئيس ثم ننهزم .

200 مليار دولار في أقل التقديرات، فهناك تقديرات أخرى تصل بهذا الرقم إلى ألف مليار دولار لشبه الجزيرة العربية فقط .

وعلى الرغم من هذا فذلك جزء من الحقيقة فقط يا سيدي، لأن استيراد السلاح يمثل فقط ثلث الإنفاق الحربي . أمتنا أنفقت 600 مليار دولار على السلاح ثم ننهزم، 600 مليار تجمعت من حلال الجياع لا من حرام الضباع، لم تتقاعس الأمة ولم تبخل ولم  تسرق ولم تجن من الفساد إلا الخراب، أما السلاح الذي استوردته الأمة بدم قلبها فقد استعمل أكثر ما استعمل في سفك المزيد من دمائها .

يطلق على فضائح الفساد والرشوة في تجارة السلاح اسم : فضيحة القرن العشرين .

وقد ثبت أن عمولات ورشاوى تجارة السلاح في بعض دول العالم الثالث تصل إلى 10% من قيمة السلاح المستورد .

في اليابان قبض على رئيس وزراء بتهمة تقاضى عمولات عن شراء السلاح، وفى ألمانيا تم توجيه الاتهام إلى رئيس وزراء . أما في العالم العربي فالكل أطهار أخيار أبرار، لم يتهم أحد، ولم يدن أحد، نحن الذين اتهمنا وأُدنا .

آه يا سيادة الرئيس .

حجم الإنفاق الحربي العربي يزيد مرة وثلثا عما تصرفه فرنسا وألمانيا وأكثر من مرة ونصف عن بريطانيا والصين .

يالها من مأساة  ..

ليست جيوشا إذن وإنما شركات لتوظيف الجيوش.

شركات للنصب علينا .

تعداد الجيش الإسرائيلي : 786000

والجيوش العربية 687000 2

لدى العالم العربي 17864 دبابة مقابل 3900 لإسرائيل .

إن الحرب القادمة مع إسرائيل هي حرب صواريخ وفيها تحقق إسرائيل تفوقا ساحقا .

ألهذا يدمرون صواريخ العراق، ويوافق العرب في مجلس الأمن .

إنني أعرف أن مصر هي آخر دولة عربية ينبغي أن تسأل عن السلاح، لكنها يجب أن تسأل .

وأعرف أيضا أن حجم الفساد في مصر رغم ضخامته قد يكون أقل من حجم الفساد لدى معظم إخوتنا ..

وبالرغم من ذلك فإننا لا ننسى ما حدث عندنا، في فضيحة قضية البوينج الشهيرة رفض الوزيران أحمد نوح  ومحمد مرزيان التلاعب حتى وصلهما أمر رسمي من رئيس الجمهورية أنور السادات بتوقيع الصفقة على الفور، لينشر جيم هوجلاند بصحيفة الواشنطن بوست أن هناك مبالغ أودعت في حسابين سريين في سويسرا أحدهما بـ 8 ملايين دولار والآخر بـ 650000 دولار .

لا ننسى صفقة الأتوبيسات وصفقة حديد التسليح الأسباني، وصفقة الأسمنت، وقضية البترول ومترو الأنفاق ونفق أحمد حمدي، وفضيحة صفقة التليفونات التي زادت قيمتها عن مليارى دولار، بينما كان هناك عرض بنصف المبلغ لكننا رفضناه لنقبل العرض الأغلى الذي قدمه اليهودي كارل كاهان، ولتقبض السلطات النمساوية نفسها على بعض أعضاء العصابة الداخلة في الصفقة ولكننا نصر هنا على أن الجميع أطهار أخيار أبرار.

هذا ما حدث عندنا ولعله مجرد فتات بالنسبة لما يحدث عند جيراننا، فما هو الضمان أنه لم يعد يحدث .

هذا ما حدث في صفقات تتابعها الصحف ويوافق عليها مجالس الشيوخ والشورى والأمة، فماذا يحدث إذن في صفقات لا تتابع ولا تعرض، ماذا يحدث في صفقات السلاح ؟ .

قل لي يا سيادة الرئيس محمد حسنى مبارك :

لماذا تقبل تفويض مجلس الشعب في استيراد السلاح ؟؟؟؟

عيد ميلاد سعيد يا سيدي .

عيد ميلاد سعيد حقا وصدقا .

وأرجو أن تسمح لي بمواصلة حديثي معك في العدد القادم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله على نعمة الإسلام وكفى بها نعمة … والصلاة والسلام على القدوة والأسوة.

الأستاذ الفاضل / د. محمد عباس

تحية من عند الله مباركة طيبة .. وسلاما أرق من نسيم الصباح وأعطر من شذي الريحان ..تحية من قلوبنا نرسلها من خلف الأسوار .. نرسلها بعبير دمائنا وشذي محنتنا.. نرسلها من قلوبنا يحملها إصرارنا يطير بها فوق المحن والآهات لتصل إليكم  متمنية لكم كل الخير والتوفيق.. داعية لكم من أعماق القلب أن تكونوا على خير حال يحبه الله ويرضاه .. وأن يصرف عنكم السوء وأهله وأن يحفظكم من كيد الظالمين وألا يجعل لهم عليكم سبيلا .

أستاذنا الفاضل

نتابع بكل لهفة وبمنتهى الشوق كتاباتكم المباركة .. وحقيقة في هذه العجالة نود أن نقدم لكم شكرنا .. ونسأل الله تعالى أن يجازيكم خير الجزاء وأن ينصركم في الدنيا والآخرة لما تكتبونه بمنتهى الشجاعة والقوة والوضوح نصرة للمستضعفين . المقهورين في بلادهم وأوطانهم .. وحربا على المفسدين الظالمين الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا..

أستاذنا الفاضل ..

رغم محنتنا ورغم الأسوار إلا أننا نرى إشراقة الفجر تشق دياجير الظلمات .. سوف يأتي الفجر – أستاذنا – قريبا وسيمسح بطيب نسماته آلام الظلام .. سوف يأتي الفجر – أستاذنا – قريبا وتحقق الآمال

نعم .. نراه يرنو من قريب .

تتوق الأنفس إليه .. ولكنها حكمة لا بد أن تتحقق

"… ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله .. "

وختاما ..

تقبلوا سلام إخواننا من هاهنا جميعا ودعواتهم وتحياتهم .

وفقكم الله إلى كل خير ..

ونصر بكم الإسلام والمسلمين  ..

                                                        إخوانك

                                                  ممدوح على يوسف

                                                   صفوت عبد الغنى

 


 

 

مــــــن مواطـن مصري

إلى الرئيس مبارك  "2"

 

 

فخامة الرئيس :

 

عام سعيد يا سيدي .

عام سعيد عليك وعلى أمتك..

عام سعيد يخفف عنا وطأة أعوام الحزن .

عام سعيد ترفض فيه تفويض مجلس الشعب لاستيراد السلاح، وليس هذا فقط ما نرجوه من بطل 10 رمضان، بل ونرجو أن تكون مصر تحت قيادتك سباقة لتشكيل لجنة على أعلى مستوى لمراجعة كل مشتريات السلاح في مصر لتعلن نتيجة مراجعتها على العالم، لجنة تكون وسام فخر لعهدك ووصمة عار لأشقاء لم تكن الجيوش عنهم إلا جيوش المحمل والمهرجانات  وإرهاب الشعب، وجيوش جعلتهم رحماء بالأعداء أشداء بينهم، جبارون علينا خوارون أمامهم .

لقد هزمنا وتعدادنا كعرب أربعون ضعف تعداد إسرائيل، ناتجنا القومي عشرون ضعفا، تعداد جيوشنا أربعة أضعاف، وحجم أسلحتنا أربعة أضعاف، وإذا ما أدخلنا العالم الإسلامي في الحسبان – كما يجب – لتضاعف الفارق أضعافا مضاعفة أخرى .

وقد يتبادر إلى الذهن أن أسلحتنا كانت متخلفة، وهذا ما تنفيه تماما مؤسسات الغرب العسكرية ومجلاتهم المتخصصة .

وقد يزعم حاكم أن شعوبنا متخلفة عن شعوبهم، لكن الإحصائيات عن حملة الماجستير والدكتوراه في بلادنا، وعن نماذج المواطنين الفذة التي تستطيع عبقريتها في الخارج، كل ذلك دليل قاطع هو أن الفرق بيننا وبينهم هو الفرق بين حكامنا وحكامهم .

لم نهزم إذن عن قلة .

ولم نهزم عن ضعف في الإمكانيات أو نقص في المال والعتاد.

هزمنا بعد ما قدّمنا، لم نقصر كأمة، أما ما ضرب علينا من الذلة والمسكنة فلم نكن نحن سببه، نحن قدمنا أكثر مما قدم أي شعب في العالم، هل استثمرتم أنتم كقادة ما قدمنا ؟ هل كنتم في مستواه ؟ هل أضفتم عليه أم أهدرتموه، ضيعتموه، سفحتموه؟..

لا تغضب يا سيادة الرئيس وخذ من التاريخ عبرة .. فإن العبيد والجوارى الذين كادوا يؤلهون جمال عبد الناصر هم الذين يجلدون اليوم بالسياط ذكراه .. وأولئك الذين كادوا يعبدون السادات من دون الله هم – لا من أبغضوا السادات في الله – الذين امتهنوا كل شئ في ذكراه حتى عرضه، وبرغم أنني من قوم يرون في جيهان السادات ملامح هند بنت عتبة فقد نزف قلبي دما عندما لاك إبراهيم سعدة في فمه ما هو أعز على المرأة من كبد الحمزة علينا وعليه.

نسى أنه يكتب في عهد الفلاح حسنى مبارك فهجر النصيحة وفجر الفضيحة.

ذلك يا سيدي أن قانون الله في ماله وسلطانه أنكم ما منحتموه غير أهله إلا حرمكم الله ودهم وشكرهم .

أفتأمن يا سيدي على نفسك منهم ؟؟ !!

أتشك أنك ميت وأننا ميتون ؟؟ !!

ماذا تتوقع أن يكتب عنك إبراهيم سعدة بعد موتك، أي إبراهيم سعدة وكل إبراهيم سعدة، ماذا تتوقع أن يكتب أنيس منصور وسمير رجب، وكثيرون وكثيرون وأنت تسمعهم وتقربهم، ولست طامعا والله في شئ من ذلك فأنا غنى عن قربك غناك عن قربى، لكنني أخشى على وطن ائتمنت عليه، وأمة أسلمت لك قيادها، لا شورى ولا طوعا .. وإنما انتخابات واستفتاءات .. إن كنت تعرف ما يحدث فيها فما أشد غضبى وإن كنت لا تعرف فما أشد يأسى .

أجل يا سيدي، أنا غنى عنك غناك عنى، غنى عنك يا سيدي، غنىُّ  عنك غِنى  ذلك الزاهد الذي دعاه هارون الرشيد إلى طعامه فأبى الزاهد أن يقربه مبديا اشمئزازا وتأففا من أصناف الطعام الفاخر حتى دهش الخليفة وظن أن الرجل لجهله  لا يدرك قيمة ما أمامه، لكن الزاهد لم يلبث حتى مد يده إلى أصناف الطعام وملأ قبضته منها ثم أخذ يعتصرها ليتساقط منها دم وأشلاء بشرية فيصرخ قائلا : هذا هو طعامك الذي تدعوني إليه يا أمير المؤمنين . وعيف الطعام فرفع..  ثم نودي بالشراب فمد الخليفة يده إلى كوب ماء فحال الزاهد بينه وبين الماء متسائلا : كم تدفع فيه يا أمير المؤمنين إن مُنِعته ؟ فأجابه : أدفع فيه نصف ملكي، وخلا الزاهد ما بينه وبين الماء حتى ارتوى فسأله : فكم تدفع لو حصرت فيه؟.. فأجابه الخليفة : أدفع فيه نصف ملكي الآخر..  وهنا قام الزاهد مغادرا مجلس الخليفة وهو يقول في ازدراء :

- ما أهون ملكا لا يساوى شربة وبولة !!

لطالما ساءلت نفسي يا سيادة الرئيس : كيف وأنت الدمث المهذب الرقيق تترك مسوخا تعبر عنك، تنقل لنا فكرك، تحمل أوزارهم ولا تنال منهم نصحا وأنت حي ولا إنصافا بعد أن تموت .

كيف ولماذا وحتى متى ؟؟!!

لماذا تتركهم يشوهون مواقفنا ؟ لماذا يكذبون فيدّعون علينا ما لم نقله ؟ ينشرونه في صحفهم الواسعة الانتشار ؟ بل في صحفنا نحن التي استولوا – بإذنكم – عليها ليعاملوها كما تعامل السبي، ثم  يأخذون في الرد علينا، يفندون ما يدعوه ولم نقله..  كانت أرواحهم ونفوسهم وجذورهم تمتد دائما خارج الوطن رغم أنهم غالبا كانوا يعيشون بأجسادهم فيه يستنزفونه، كما يعيشون في الوطن بينما كان الوطن يعيش فينا، في قلوبنا وبين حشايانا، نرويه بدمنا فيستنزفون دم الوطن ودمنا .

عيرونا بهزيمة 67، ويومها هزمنا نحن لا هم وهزمت أنت أيضا معنا يا محمد حسنى مبارك، الغرب واليهود وهم انتصروا، وفى إعجاز مذهل لخص نجيب محفوظ الأمر كله بأن مصر لم تهزم في حرب 67، بل انتصر نصف العرب على نصفهم الأخر، انتصر نصفنا على نصفنا، وكانوا هم النصف المنتصر، مع أعدائنا انتصروا علينا . نحن لم نؤيد الظلم والبطش والجبروت والظلم والطغيان والمعتقلات . بل كنا ضحاياها، أيدها هؤلاء الذين يعيروننا اليوم . فلماذا تسمع لهم يا سيادة الرئيس ولا تسمع لنا، ولماذا تسخّر لهم وسائل إعلام -المفروض أنها ملك الأمة- كي تكون مطاياهم التي يسحقون بها هامات الأمة ؟

أجل، لم نكن مع الفساد والظلم لكننا كنا مع بناء السد العالي وتأميم قناة السويس وحرب الاستنزاف وأدنا بكل ما نملك من قوة السجون والمعتقلات وغيبة الديمقراطية، وكنا مع سعودية فيصل عندما وقف بكل الشموخ مهددا : نحن قريبي عهد بحياة البداوة فإذا ما قررت أمريكا   الاستيلاء على أبار بترولنا، سنشعلها ونعود بدوا كما كنا، وكنا مع السادات حين أشعل نار أكتوبر وكنا ضده حين أطفأ نوره، كنا معك أنت أيضا يا سيادة الرئيس بكل ما في القلب  من حب وبكل ما في الروح من عزم وقوة وأنت تحارب أعداءنا وأعداءك، كنا معك، كنا نتلمس الأعذار والتبريرات لأخطائك، لم يفعل اليوم لكنه غدا سيفعل، لم يكتشف بعد لكنه حتما سيكتشف، حتى كانت الغاشية في حرب الخليج .

الغاشية …

إن كل أحزان زولا وأعماق دستويفسكى وبحور تولستوى وعوالم فوكنر وجيشان إبسن، وحوارى نجيب محفوظ، وصدمات الحلاج وآلام صلاح عبد الصبور، كل ذلك غير كاف للتعبير عن مشاعري، كمواطن، كوطن، كتاريخ، كأمة .

ذبحتني فنخعتنى .

أكان كل ما مضى وهما، سرابا، إسقاطا لأحلام ضائعة عليك ؟ ..

قل لي بربك لماذا اشتركت في عاصفة الصحراء ؟ أهذا هو أنت، وذلك الوجه الطيب الذي هو وجهك، الوجه الذي طالما أراحني في بداية حكمك، حين كنت أرى فيه وجه أبى وآخي وصديقي وابني، كوجه مصري في بلد غريب يشدني بالحب والانتماء إليه ؟ أكنت من البداية هكذا أم أنك تغيرت، أم أنني أنا الذي لم افهم ولا أفهم ولن أفهم ؟ لو أن أحدا قال إنك يمكن أن تفعل ذلك لشاجرته . الفلاح المصري ابن كفر المصيلحة مركز شبين الكوم منوفية لا يمكن أن يفعل هذا، الضابط المصري العظيم الذي تجرع معنا ذل الهزيمة ومهانتها ثم رشف معنا رحيق حلاوة النصر لا يمكن أن يفعل هذا، لا يمكن، المنطق يرفض، والدين يرفض، والعرف يرفض وحتى قانون العيب يرفض .

ولم يكن التخلي عن علاقتي بك سهلا، كان مؤلما كالسلخ، رحت أحاور نفسي.. إن كان هو يتغير فنحن أيضا نتغير..

إن كان قد غير موقفه من العراق فانقلب عليها فنحن أيضا غيرنا موقفنا من الهجوم عليها إلى مساندتها .

لماذا أحمل عليه إذن وقد غيرت موقفي مثله ؟

أفقدتني الثقة بنفسي..

إما أن أكون على صواب وأنت خاطئ أو تكون المصيب وأنا مخطئ .

وضعتني في موقف البين بين، موقف الشك وانعدام اليقين، أقسى المواقف وأكثرها عتوا .

أراجع نفسي، أؤنبها، أوبخها وأبخعها، أتساءل : لماذا لا أفترض أنك مصيب، بل لماذا لا أفترض أن السادات كان على حق، العالم كله يركع ثم يسجد أمام العلج الأمريكي، فهل كان السادات محقا حين سبق العالم بالركوع والسجود – والتعبير ليس لي إنما المسئول سعودي قال : " لقد طلبنا من السادات أن ينحني أمام أمريكا ففوجئنا به يسجد أمامها " – فهل كان السادات أبعدنا نظرا أم أكثرنا خيبة، أم كان فأر التجارب الذي أجرت عليه المخابرات الأمريكية والمحافل الصهيونية بروفتها الأخيرة، كي تضرب بعد ذلك ضربتها الكبرى مع جورباتشوف وصدام فيسجد العالم أمام أصنامها وطواغيتها وعلوجها ؟..

أهذا هو الابتلاء الأخير لنا، حيث يحاط بنا فمنا من يثبت ومنا من يظن بالله الظنونا ؟ والله يا سيدي إن ظني بصدام لأسوأ من ظنك فيه ذلك أنك تدينه كرئيس شطح عن نمط الرؤساء والملوك، بينما أنا أدينه – وأدينك-  لأن القاعدة عندي والمقياس ليس نمطكم وإنما نمط السلف الصالح والخلفاء الراشدين وتراث أمة محمد صلى الله عليه وسلم .

لكن الأمر لم يكن أمر صدام ولا غزو الكويت، وإنما كان صدام حضارتنا بوحشيتهم وإيماننا بكفرهم، خير أمه أخرجت للناس بأممهم، وهو صراع كتب علينا فيه القتال وهو كره لنا .

لكن موقفك يومها كان فارقا ..

من لحظتها، - لحظتها فقط – عمقت الفجوة واتسعت الهوة وابتعد القرار .

لم نكن ضدك، ظنناك في البداية تناور كي تنقذ، كي تحمى، كي تصون .

ظنناك تناور، كما ظننا ذات يوم إنك ستناور كي تنقذ خالد الإسلامبولى وسليمان خاطر .

لكن كتبتك رغم انذباحنا لم يرحمونا . وكما ادعوا علينا زورا أننا قلبنا قارعة 67 نصرا وحولنا مجد 73 هزيمة، كما ادعوا  ذلك .. في أقذر حرب في التاريخ ادعوا أننا كنا مع صدام، بينما معه كانوا وضده كنا، ومنه تلقوا الهدايا والرشاوى، وهاجمناهم فاتهمونا بأننا لا نفهم وأننا نتلقى الرشاوى من إيران، ثم انقلبوا عليه ليدعوا أننا خونة وحمقى لأننا ندافع عن صدام وما عنه دفاعنا ولكننا دافعنا عن شعبنا، عن أنفسنا وثروتنا وأسلحتنا وجيشنا فصدام زائل وأنتم زائلون ونحن زائلون لكن كل ذلك كان يجب أن يبقى للأمة، لأجيال تأتى بعدنا.

آه يا سيادة الرئيس

ما أوسع الفجوة وما أشد الألم .

لقد ظل بيني وبينك خيط لم ينقطع وفتق لم يتسع إلا بموقفك ذاك .

طيلة الوقت ،رغم كل جرح وكل نزف وكل صدمة ظللت أتخيل نوعا من التفاهم السرى بيني وبينك، نوعا من التفاهم السرى لم نتفق عليه لكننا بأعمق ما في الروح ظننا أننا ندركه .

ثم حدث ما حدث .

إن كنت يا سيدي قد نسيت فأنا لم أنس.

أم تراك قد نسيت ما قاله لنا كتبتك عبر صحفك وإذاعتك وتليفزيونك، ما قلتموه عن الخطر الفارسي على العرب فأحييتم فتنة كانت قد انطفأت منذ ألف عام، ولم يأبه أحد ولم يحاذر من أن إشعال نار فتنة لن يقتصر عليها . أخذتم تمجدون صدام البطل الذي يدافع عن بوابة العرب الشرقية ضد المجوس، لنفتح الباب في ذات الوقت أمام من يريد إخراجنا من زمرة العرب، أمام من يقول إننا فراعنة، والسودان والصومال أفارقة ودول المغرب العربي بربر، لكن الانفعال استبد بهم فقال قائلهم إن خطر إسرائيل لا يساوى شيئا إزاء خطر الفرس المجوس، لكننا يا سيدي رغم تكريس كل أجهزة إعلامك نقمنا عليك وهاجمناك حين ناصرت صدام في ظلمه، لا برده عنه بل بمساعدته عليه، وأخذتم استجداء لتأييد الأمة، تقسمون الأمة إلى سنة وشيعة وهى أسماء سميتموها لم يقل بها قرآن ولم يرد حديث نبوي شريف، لكنه كان استمرارا فاجعا لشق اجتماع الأمة وفض إجماعها وتشتيت شملها وبلبلة فكرها وتمزيق وحدتها .

تتعدد المسميات لكن الهدف واحد، كان خطأ فاجعا منك يا سيادة الرئيس أن تقف هذا الموقف حينذاك مع صدام ضد إيران، لكننا كنا نلتمس لك عذرا واهيا في أنك بعيدا عن الدين تتبع المثل العامي المصري، فتقف مع أخيك ضد ابن عمك، لكن ها هو ذا الغريب يسفك دم أخيك، فإذا بك تعاونه، وابن عمك – إيران – يصرخ بكم ألا تضيعوا أخاكم، كيف فعلتها يا مبارك، كيف فعلتها ولماذا ؟ غيرك فعلها قلبي يوطد أركان عرش متهاو فقد شرعيته بين أهله وداخل أرضه فراح يتسولها ببيع أرضه وأهله .. غيرك فعلها لأنه لا يستحق ما يملك، لكن .. أنت النزيه الشريف ذو الكفن الذي لا جيوب له لم فعلتها ؟ لم رضيت من الوفاء باللفاء ؟ لماذا لم تكن الوسط، لماذا اخترت الغلو ؟ بينما خير هذه الأمة النمط الأوسط يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي، نحن يا سيدي كنا مع العراق وهو ينسلخ عن أعداء الأمة وخونتها، لكننا كنا ضده عندما راح يأكل أهله، وكنا ضد إيران الشاه عبدة أمريكا وصديقة إسرائيل – وبالمناسبة لم يكفر كتبتكم أيامها الشاه رغم أنه شيعي – وأيدناها بمنتهى القوة عندما أصبحت ضد أعداء العرب المسلمين، والذين أخذوا يشعلون نار الفتنة ليندفع الحمقى في حرب وقودها أمة محمد، وصرخنا فيكم :

 -  صدام ظالم فانصروه برده عن ظلمه .

لكنكم رحتم تكدسون السلاح عنده، والأسياد في الغرب يحرضون وينصحون، وأنتم تستجيبون، وهم يعلمون أن تكديس السلاح لدى العراق يشكل عامل ضغط عليه قلبي يمارس العدوان، كان عدوانا ظالما على إيران كذبت أجهزة إعلامكم علينا فيه، وقلتم لنا أن انكسار العراق   هو انهيار لأمن الأمة وشرخ لباب البيت..

 يا إلهي.. لقد حطمتم أنت الباب وخربتم البيت، لتعود أجهزة إعلامنا دون حياء تتباكى بكاء التماسيح على ظلم صدام لإيران  .

أناشدك الله يا سيادة الرئيس، هل اتخذتم قرار تدعيم العراق أيامها بناء عن اقتناع حقيقي أم أن الصديق الأمريكي هو الذي أوحى إليكم بذلك ؟ كان يعرف منذ البداية أنكم ستدفعون دم قلوبنا في سلاح يذهب للعراق يتكفل هو بتدميره في النهاية..

ثم كانت الغاشية .

واعترف كتابكم أخيرا بظلم صدام، لكن صدام لم يكن وحده .

ولم نحول موقفنا من إيران إلى العراق بل ثبتنا على موقفنا من الأمة .

وكانت الفضيحة لكتبة لا يعرفون الفضيحة، أن إيران نفسها وقفت مع العراق ضد أعداء الدين والأمة .

وبالرغم من ذلك أخذ كتبتكم يعيروننا بموقفنا من العراق، فوالله لا نملك إلا تذكر ذلك الأحمق الذي قابل عمار بن ياسر – وهو أمير – ليسبه قائلا : يا أجدع الأذن، ( وكانت أذنه قد قطعت بسيوف المرتدين في حرب اليمامة ) فلا يقول الأمير له إلا:  خير أدنى سببت، لقد أصيب في سبيل الله . وها أنتم أولاء تعيروننا بخير مواقفنا مع العراق ووالله ما كانت إلا في سبيل الله .

ولأستعر قولة سيدي وسيدك عمار بن ياسر لبنى أمية، ولأنح نحوه :

" أما أنتم فوالله ما قصدتم الحق لكنكم ذقتم الدنيا واستمرأتموها وعلمتم أن الحق يحول بينكم وبين ما تتمرغون فيه من شهواتكم ودنياكم، وإنكم خدعتم الناس بزعمكم أنكم تسعون لتحرير الكويت، وما أردتم إلا استمرار أنظمتكم لتكونوا جبابرة وملوكا ."

هل تظن يا سيدي أنك انتصرت عندما انضممت إلى قوات التحالف ؟

أم انتصرت الأمة ؟

الذي انتصر يا سيدي شخص له نفس ملامحك، نفس رسمك، يلبس ذات الملابس ويقطن نفس الأماكن ويتحدث بنفس الصوت لكنه ليس أنت، الذي انتصر عدو الله وعدو لنا وعدو لك .

نحن لم نكن معك ولا ضدك .

لم نكن مع شخص ولا ضد شخص .

 كنا فقط مع من ينصر الأمة، مع من يوحد كلمتها ويرفع رايتها ويواجه أعداءها، فإذا انحرف لم ننحرف خلفه بل هرعنا إلى خالقنا ندعوه أن يحفظنا على الصراط المستقيم لنقف ضد الضالين المغضوب عليهم من الله فمنا .

لقد تابعت بإعجاب حزين مجهوداتك يا سيدي الرئيس لإنقاذ ليبيا

إعجاب حزين، لأننا كنا نتسول الصفح منهم، وهم لا يكفون عن إذلالنا، لم أستطع منع موقفي من التساؤل : لماذا لم يكن مثل هذا الجهد مع العراق، ولو أننا استنقذنا قوة العراق من براثن الوحوش هل كنا سنضطر لكل هذا التوسل المذل المهين لإنقاذ ليبيا، وهو توسل سنلجأ إليه دائما، مرة لليبيا ومرة لسوريا وأخيرا لمصر .

لقد دهشت لسذاجة مفكر مشاعري اقترح – في قصر نظر ليس منقطع النظير – أن تسلم ليبيا المتهمين وينتهي الأمر، لا يدرك الأحمق السلسلة الجهنمية التي ستعقب ذلك بخلخلة نظام الحكم هناك خلخلة تنتهي بطلب تسليم القذافى لمحاكمته، وقد يحدث انقلاب مبرمج يسفر عن تسليم القذافى فعلا، وقد لا يحدث الانقلاب فتضرب أمريكا وبريطانيا ليبيا،  لن تضربا السلاح فقط بل المصانع ومشروع المياه العظيم وكل بادرة تقدم، ولن يحدث ذلك كله إلا لكي تكون ليبيا رأس الذئب الطائر بالنسبة لكل حاكم عربي، أن يضعوا كل حكم في الاختيار الرهيب بينه وبين الوطن .. إما أن يستمر ليحقق لهم أغراضهم أو يؤسر ليحاكم .

هل تذكر  يا سيادة الرئيس خطة إسرائيل لاختطاف جمال عبد الناصر ذات يوم؟

إن أمريكا ترفض استقبال ياسر عرفات لدخول الأمم رغم مخالفة ذلك للقانون الدولي، وتقابل مانديلا استقبال الرؤساء …

أصبح القانون أهواءها والشرعية مزاجها .

إنها يمكن أن تضرب أي دوله و تبرر عدوانها بأنه ضرب للإرهاب .

ولقد اختطفت نورويجا لمحاكمته، وأصدرت حكما بالإعدام على صدام، وقامت بمئات العمليات القذرة لاغتيال زعماء وتدمير الأمم .

هل يسيطر على الحكام العرب خوف من ذلك أو من شئ مثله ؟

هل يتحكم ذلك الرعب في قراراتهم ؟ إن لطفى الخولى يصرح في الأهرام 18/3/1992 :

" ثمة فكرة محورية خطيرة تدور في الوجدان الغربي، وهى أن الحضارة الغربية – اليهودية المسيحية – المتقدمة باتت مطالبة تاريخيا بالتصدى العنيف للحضارة العربية الإسلامية المتخلفة والعدوانية "

فما هيخطتنا للصدى .. للمقاومة .. للدفاع عن الدين والوجدان والهوية والحضارة بل للدفاع عن الوجدان .

 يا سيدي :

أجدنى مضطرا إزاء غلواء كتابك وشططهم، إزاء شهادتهم الزور أن أعترف لك بشيء وأن أقسم له بالله الواحد الأحد أنه حق وصدق، عندي فجر ذلك اليوم الكئيب الذي دهمتنى  فيه أنباء غزو الكويت استشطت غضبا، استيقظت كراهيتي القديمة لصدام حسين، وتجسد في وجداني ذلك الذنب الهائل الذي لن أغفره له قط في إهدار قوى الأمة واستنزاف طاقاتها لصالح أعدائها، وفى حماقة الغضب تمنيت أي  تدخل حاسم يردعه " يخلعه من الكويت " وفى حماقة الانفعال لم استبشع أي نوع من التدخل .

مالي أخجل من موقفي، مالي أخجل من مصارحتك، كي وعدتك أن يكون حديثي لك كله حديث صدق .

في جحيم غضب الساعات الأولى تمنيت أن يقف العالم كله ضده، حتى الشيطان الأكبر، كي ما لبثت أن استرددت وعيي وعقلي في نفس اليوم .

والله يا سيادة الرئيس ما زلت حتى الآن كلما تذكرت ذلك أخجل من موقفي .

فكيف لم أدرك من اللحظة الأولى أن الأحمق قد استدرج لا لمصرعه بل لمصارع قومه، لمصرعي أنا.

وكيف لم أدرك من اللحظة الأولى أن قيام الغرب بحماية دول البترول سوف ينهى لمائة عام انتماءها إلينا، وسوف تنشق الأمة كما لم تنشق قط .

وجرت الحوادث فصدق ظني.

وعاد جيش مصر لكن جيش أمريكا بقى .

وتحررت الكويت لكنها لم تعد إلينا .

ولم يعد إلينا الخليج ولا حتى السعودية .

ورجع جيشنا في غضب من لم يقدر صنيعه .

وكنا كالنعامة حين راحت تبحث عن قرنين فعادت بلا أذنين.

وانسحقت العراق لكن صدام بقى .

وبالرغم من ذلك كله استمر إذلال العراق لا صدام .

استمر إذلالي كوطن ودين وأمة .

استمر سحقي وتحطيم كبريائي وإذلالي وإهانة ديني، وقد نصحنا جنودهم أن ننادى المسيح ما دام إلهنا لا يستجيب لنا .

ولا نملك إلا أن  نقول قوله الحسين : كل ما حم نازل، عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أئمتنا.

سيدي الرئيس :

لقد تحررت الكويت .

إذن : ما هذا الذي يحدث لشعب العراق الآن ؟

ألم تشعر بأن كل هذا الإذلال الذي يوجه إلى العراق ينال منك ؟ إنك أنت المقصود به ونحن معك .

هل هذا هو عنوان لنظامكم الجديد ؟ هل تفوق جرائم صدام حقا جرائم شامير ؟ وإلا فلماذا لم تطله الداهية الدهياء؟ أم سلمتم لهم بأننا أبناء الجارية، وأننا عبيد ؟

مهما بلغت جرائم أي حاكم عربي فهل تبلغ جرائم حكام إسرائيل الذين وصفهم بعض المفكرين بأنهم مجموعة المرضى النفسيين العاشقين لسفك الدماء ؟

أجل … ما يحدث الآن يا سيادة الرئيس ليس إذلالا لشعب العراق بل هو إذلال لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

ولقد شاغلونا بليبيا حتى ننسى العراق وحتى ننسى ما يفعلوه بنا في مدريد وموسكو وواشنطن " وغدا يشاغلونا حتى ننسى أنفسنا .

ويذبحني ذات يوم يا سيدي تصريح رسمي لك أننا على الحياد بين الفلسطينيين وإسرائيل .

يخيل إلى أنني حين أموت ذات يوم سيكون حيني وأنا أقرأ ما نشيت صحيفة أمام شاشة التلفاز وهو يذيع خبرا من أخباركم يا سيادة الرئيس، والله أقولها جدا لا هزلا، ومطالعة لا مبالغة، حين يغلى الدم في عروقي وتحترق موقفي وتتعذب روحي فتتسارع دقات في وألهث كحيوان عاجز حبيس في قفص يرى الإهانة ويحس المهانة وهو عاجز حتى عن الصراخ،  حتى لو تركوا له فما غير مكمم، لأن ما بقى به من العقل بعد ما جرى له يجعله يفهم أنه مهما صرخ فلن يسمعه أحد ولن يدركه أحد ولن يتأثر بصراخه أحد .

غير كاف .

غير كاف .

غير كاف .

سأموت وأنا اسمعها ذات مرة من عتل زنيم يرأس الولايات المتحدة الأمريكية يذل بها قوما هم قومي، وملكا أو رئيسا – مهما جار على، مهما قتلني – فهو منى وأنا منه، هو النازل منزلتي فكأننا شخص واحد لا يختلف إلا في البدن

غير كاف.

غير كاف .

غير كاف .

والملك الرئيس الأمير الخليفة ملك العبيد وعبد الملوك في شبكة الصياد مذعور يحاول أن يتملص، يخلع رداء القوة، غير كاف، يخلع رداء الكرامة، غير كاف، يصرخ أنا مجروح، غير مهم، يخلع رداء الشرف، غير كاف، يدفع الإتاوة، غير كاف.

غير كاف.

ألم يدرك أحد بعد ما هو كاف .

إن كان ذلك كله غير كاف فما هو كاف.

أنا أقول لك يا سيادة الرئيس .

الدين والملة والجغرافيا والتاريخ والحضارة .

أعطهم ما شئت يا سيادة الرئيس.

وافقهم على كل شروطهم، مجد نظامهم العالمي الجديد، نفذ تعليمات صندوق النقد الدولي، طور العلاقات مع إسرائيل وعمقها، أقنع سوريا بالتفاوض حول الماء والتجارة والأرض المحتلة، إحمد لهم غض الطرف عن حقوق الإنسان حين يكون أحد مواطنيك ؟، شاركهم في أكل لحم أخيك حيا أو ميتا كما حدث لشعبنا في العراق، إضرب لهم ليبيا أو شاركهم، حاصر السودان، وأيد الدُّمى التي تحكم باسمهم بعض شعوبنا، جارهم في  استنزاف اقتصادنا ومحو هويتنا ووأد آمالنا، افعل ذلك – وما أظنك بفاعله كله – لكنك حتى ولو فعلته كله فلن ترضى إسرائيل وبريطانيا وأمريكا عنك، لن يرضوا عنك حتى تتبع ملتهم، فإن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم، فكيف تطلب منا وليا وكيف ترجو من الله نصرا .

يا سيدي، استحلفك بتراثك أنت يا بطل أكتوبر العظيم ألا تتخذهم أولياء فبعضهم أولياء بعض فإن توليتهم فإنك منهم والله لا يهدى القوم الظالمين .

إنهم يحسبون يدك وأيدينا ويد الله مغلولة، غلت أيديهم،  لكن الخيارات أمامنا واسعة ومتاحة وسوف – بمشيئة الله – تحدث، فنل أنت شرف البداية .

أجل ……

مهما فعلت لهم لن يرضوا عنك إلا أن تترك ملة محمد صلى الله عليه وسلم، وقد أخبرك القرآن بذلك منذ ألف وأربعمائة عام .

هل تظن يا سيادة الرئيس بعقلي الظنون، هل تتساءل أهي شجاعة أم تهور، أحب ظهور ؟ ولو كان لكان مديحك أولى وأجزى، ولكنه ليس ذلك كله وإنما تذكرت الموقف الرهيب في اليوم العظيم يوم تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد، أخشى ذلك اليوم، يوم لا يغنى عنى – ولا عنك – ماليه، يوم يهلك عنى – وعنك – سلطانيه يوم يقال خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه، من أجل هذا اليوم يا سيدي الرئيس أقسم بما تبصرون وبما لا تبصرون، أنني تخيلت موقفي يومها والله يحاسبني كيف يستخلفني في الأرض فأنكص عن كلمة حق أمام سلطان جائر، وساعتها سيدي قارنت جبروتك في الأرض بجبروته في السماوات والأرض فخشيت منه وانحزت إليه داعيا أن يكلأني وإياك برحمته .

 سيادة الرئيس محمد حسنى مبارك ....

 يا محمد حسنى مبارك..

 إنها لا تساوى عند الله جناح بعوضة، لا تساوى جيفة، وهى ابتلاء وفتنة، أم حسبت أن تقول أمنت ولا تفتن..

 ستفتن يا سيادة الرئيس كما فتن الذين من قبلك وليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين .

من أجل ذلك كله يا سيادة الرئيس أكتب إليك مدركا أننا نحتاج إلى الصدق في علاقتنا أكثر من حاجتنا له في أي يوم مضى، نحتاج إليه، فبدونه لن نخرج أبدا من هذا الكابوس الذي نعيشه .

نحتاج إليه لأن سيدي وسيدك رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أخبرنا أن المسلم قد يسرق وقد يزنى وقد يسرق لكنه لا يكذب .

لكننا بالرغم من ذلك نكذب عليك يا سيادة الرئيس، أجل نكذب عليك، ونكذب على بعضنا، أجهزة إعلامك أيضا تكذب علينا، وأنت تعرف أننا نكذب وأن أجهزة إعلامك تكذب، وأننا نعرف، وأنهم يعرفون، الصحافة كذب والمجلات كذب والمذياع كذب وتصريحات المسئولين كذب والانتخابات كذب والاستفتاءات كذب والاستقصاءات كذب وتحليل الرأي العام كذب والمعاهد الاستراتيجية كذب  والشعارات كذب والأهداف كذب والنتائج كذب فكيف يتمخض كل هذا الكذب عن صواب . تسلل الكذب إلينا، تسرب إلى أعمق خلايانا، كل مرؤوس يكذب على رئيسة وكل رئيس يكذب على مرءوسه، في أعلى المستويات وفى أدناها، حتى حين لا يكون للكذب ضرورة ولا للصدق خطر، لكننا تعودنا عليه حتى لم نعد نجيد سواه، أصبحنا نكذب حتى على أبنائنا وهم يكذبون علينا، لا في السياسة فقط، وإن كانت هيالأصل، عندما يسألني ابني عن آيات القرآن التي تتحدث عن بنى إسرائيل – الآيات التي حذفها منشور وزاري – فإنني أعجز عن الإجابة، إن كان القرآن يدعونا للسلام معهم حقا، فلماذا نؤمن ببعض آياته ونحذف بعضها الآخر، أم كفرنا بها،  كي أكذب على ابني كيلا أبلبل فكرة، فربما يعيش في زمان آخر غير زمني يعطيه الإجابة على سؤاله .

هل يختلف ما يفعله إعلامك اليوم بي سيادة الرئيس عن صراخ أبى جهل في أحد المسلمين السابقين : نحن خير منك، لنسفهن حلمك، ولنضعن شرفك، ولنكسدن تجارتك ولنهلكن مالك .

وأنت يا سيدي الرئيس : أتعلم أم لا تعلم :

لقد خفّت إدانتي لك حين جمعتني الصدفة بمن أوتى علما فسألته : ألا يصدق المحيطون بالرئيس له النصيحة ؟ وضحك من أوتى حظا من العلم في مرارة وهو يقول أنه يعرف الكثيرين ممن كانوا حول الرؤساء وممن حولك، وقرر أنهم لا يصدقون النصح، لا عن خيانة، وإنما لأنهم ببساطة لا يجرؤون، هم يعرفون كيف تم اختيارهم، فثمة بضع جهات يتكفل كل منا بإعداد  ملفات للمرشحين للمناصب الوزارية والعامة، ويعرفون أيضا أن هذه الملفات لا تغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصتها . وإن هذه الملفات خاضعة للتغير المستمر نتيجة مقالة في صحيفة أو حديث للإذاعة أو التليفزيون أو معلومة جديدة، يتحرك القلم الأحمر ليشطب كل ذي رأى وكل صاحب اتجاه، كل من يمكن أن يسبب صداعا ذات يوم، وبسبب هذا لا يصل إلى هذه المناصب في النهاية إلا شخصيات باهتة، لا تتحرك إلا بتوجيه، لا تعارض ولا تنصح بل تتلمس اتجاه الرئيس قلبي تتفانى في تأييده حتى لو اضطرت إلى الكذب، إلى إخفاء الحقيقة عنه، وثمة تغيير آخر محزن يصيب هذه الشخصيات بعد اختيارها فعلا، إذ قد تؤدى نظرة غير مقصودة من الرئيس إلى أن يجفو النوم عين المسئول الكبير أسبوعا يقضيه متسائلا لماذا نظر إلىّ هذه النظرة . بهذه الطريقة، لماذا لم يلتفت إلى التفاتته المعهودة، لماذا لم يجاملني مجاملته الرقيقة بالسؤال عن أبنائي، ماذا حدث وفيم أخطأت ولأي وشاية تعرضت، هل كتب أحد الأجهزة تقريرا عنى، ويظل الموظف الكبير يدور حول نفسه حتى يلقى الرئيس مرة أخرى، لا ليطمئن، بل ليدور في نفس الحلقة المفرغة عن كلمة قالها الرئيس قد تكون عفو الخاطر، لكن المسئول يحملها بما يجعله يدور حول نفسه مرة أخرى حتى لقاء أخر مع الرئيس لتتكرر نفس الحكاية بصورة أخرى، ورعب الإقالة يطارد المسئول .

قلت لمحدثي إن الرئيس معذور إذن، وهو إذن لا يعلم الحقيقة من أناس كل همهم أن يخفوها عنه .

ثم استدركت سريعا لأقول في أسى وثورة وغضب : لكنه هو الذي اختارهم .

وأردف محدثي محايدا : بعد أن يتركوا مناصبهم يظل معظمهم يغازل السلطة على أمل أن تعود إليه ذات يوم، وأما أقل القليل فبعد أن يصيبه اليأس الكامل يتحول إلى ناقم شرس وناقد أشد شراسة .

لكن لا أحد منهم تستطيع أن تحصل منه على تقييم صادق للوضع الذي مارسه وتخصص فيه.

يا للجهود المهدرة يا سيدي :

ألهذا إذن ؟!

أتخيل أحيانا وضعك، أتخيلنى مكانك، علّى أفهم سر نظرة الاحتقار التي تنظر بها إلىّ، سر الأسلوب الصارم الذي تخاطب به الوزراء أو كبار المسئولين أحيانا وكأنهم أطفال، أتساءل : أهي نتيجة لحياة عسكرية طويلة عشتها لها طقوسها ومراسيمها، أم أن المزيد من تذللهم إليك وخوفهم منك يدفعك للمزيد من احتقارهم أنت تعرفهم عن قرب، ولعل هذا يفسر نصف سبب نظرة الاحتقار التي أراها موجهة إليهم وإلىّ، أنت لا تعرفني يا سيدي فلماذا تحتقرني إذن ولماذا تنظر إلىّ بكل هذه الاستهانة، أأستحقها، أم أنك سألت نفسك إن كان خاصتهم كذلك فكيف يكون عامتهم، أم أنك لا تعرفني إلا من خلال تقاريرهم التي لا يمكن أن تنصفني . أنت تقول لنا أن خيوط اللعبة كلها في يدك، لذلك فأنت وحدك الذي تستطيع إدراك الصورة الكاملة واتخاذ القرار .

وذلك يدفعنا يا سيادة الرئيس للحديث عن جانب أخر مما يحدث في بلادنا .

تبدو الساحة في بلادنا كما وصفها "ديفيد هيريست" – مراسل الجارديان البريطانية – في وضع عبثي يفوق أعظم أعمال " كافكا" عبثا، وتبدو الساحة كمحكمة بلا قاض، يتقاتل الخصوم ويتبارى الإدعاء والدفاع في التراشق بالكلمات لكن مقعد القاضي خال، وتدلهم الدنيا حولنا فكأنما أصدرت حكمك علينا بأن يبقى الحال على ما هو عليه، لا أحد يحكم في نهاية القضية ما هو الصحيح وما هو الخطأ؟ من هو الصادق ومن هو الكذاب؟ من الجلاد ومن الضحية؟  وأنت مسئول يا سيدي الرئيس عن هذا الوضع. أنت مسئول عن أداء العمل الذي  أوكله الدستور إليك بأن تكون حكما بين السلطات وأن تسهر على حماية الدستور، الدستور الذي نطالب بتعديله الآن بعد أن غيره السادات قلبي يتمكن من الحكم أبدا فباء بإثمه ولم يذق ثمرته . ثمرته سقطت عليك أنت يا سيادة الرئيس ابتلاء لا اصطفاء.

وهنا أريد أن أحدثك في كثير من الأمور يا سيادة الرئيس.

وأريد أيضا أن أعاتبك .

ليس إبراهيم  شكري من تسقط أجهزتك حزبه في الانتخابات فيصرخ أحمد بهاء الدين – ضمير العصر – إن مصر كلها بالاعتذار إليه .

وليس عادل حسين – ذلك العقل الفذ والقلب الجياش – هو من تطارده المحاكم ما بين عسكرية وجنائية .

وليس الفريق سعد الدين الشاذلي الذي لا يقل مجده في حرب أكتوبر من مجدك فيها – إن لم يزد – هو الذي يحبس في وطنه .

سيادة الرئيس :

أهدى إليك عيوبك فتقبل .

تقبلها من مواطن عادى، يصدقك نصحا، أنت والله تفتقده .

تقبلها فإن أعظم الخيانة خيانة الأمة وأفظع الغش غش الأئمة .

أنا يا سيدي أريد لك الجنة، فماذا يريد لك من يغشك ؟

إن ما تتولاه الآن أمانة لكنه في الآخرة خزي وندامة .

أم تدخلون الجنة ولم نأمن بوائقكم.

عيد ميلاد سعيد يا سيدي

وأرجو أن تسمح لكنني بمواصلة حديثي إليك في العدد القادم من الشعب إن شاء الله.

وكل عام و أنت طيب..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

السيد / المواطن المصري الذي يكتب إلى الرئيس مبارك

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

هذه أول رسالة أبعث بها إلى صحيفة من صحائف البلد وعندما فكرت في كتابة هذه الرسالة تراجعت أكثر من مرة لأنني لست من هواة مراسلة أي صحيفة لأنني أعلم أن الصحفيين هو أشد الناس نفاقا وكذبا، وبعد تفكير تراجعت عن هذا المفهوم وأمسكت بالقلم وبدأت أكتب إلى هذا المواطن المصري الذي اشعر نحوه باحترام كبير رغم أنني لم أره ولم أعرف عنه أي شئ غير أنه صادق فيما يكتب ولقد قرأت رسائلك إلى من يهمه الأمر، ولقد سعدت كثيرا بما كتبت وشعرت بأنه لا تزال هناك قلوب وضمائر تخاف الله، ولقد حزنت كثيرا لأنني أعلم أنك ستكون في يوم من الأيام متطرفا وخائنا للوطن خائنا للمهنة ويكون مصيرك أي معتقل

آخي المواطن المصري انطلق إلى ما ،ت سائر عليه ولا تهاب أي سلطان مادام سلطان الله باقيا  

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

التوقيع / واحد مشاعري لا يتمنى أن يكون مصريا

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

من مواطن مشاعري إلى الرئيس مبارك "3"

 

 

عيد ميلاد سعيد يا سيدي .

عيد ميلاد سعيد .

كم عمرك الآن يا سيادة الرئيس .

وكم يتبقى لك من العمر … عام .. عشرة أعوام … خمسون عاما ..

سوف تمر كلمح البصر كما مضى ..

ثم ووجدتني يوم الحساب ..

لقد بدأت الخامسة والستين ..

فأسمع قولي قبل ألا تسمع .

أسمعه قبل لات ساعة ندم .

الآن تحفل صحفك بتعداد مناقبك، وسوف تحفل في غد غريب بعكسه، فاسمع قولي لعل الحق فيه . أسمعه، أسمعه لأنني لن أغيره إذا كتب لكنني أن أعيش بعد أن تموت .

ورغم علمي بأنك لم تطلب رأيي ولم تسأل شهادتي، فإنني أدلى بها، لأن نبيي وشفيعي يوم القيامة خبرني أن خير الشهداء الذي ووجدتني بشهادته قبل أن يسألها .

اسمعني فقد لا يكون بينك وبين الجنة إلا أن تسمعني فتتوب فتدخل الجنة .

اسمعني فسوف نحشر معك يوم القيامة إلى الله حفاة عراة غرلا . ويصك النداء آذاننا، يسمعه القريب كما يسمعه البعيد :

 أنا الملك أنا الديان..

حين يقبض الله الأرض ويطوى السماوات بيمينه ثم يقول :

أنا الملك أين ملوك الأرض، أين الجبارون أين المتكبرون .

بم تجيب ساعتها يا سيادة الرئيس .

ألم يجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا، وسخر لك الدنيا، فبم تجيب

لقد استرعاك الله علينا ومن استرعاه الله أمة محمد فمات وهو غاش لها حرم الله عليه الجنة .

اسمعني ففرق بين أن تكون الممارسة السياسية عمليه دءوبة لقيادة المجتمع، وبين أن تكون أداه في خدمة الحاكم لترويض المجتمع  واستئناسه، يتكيف مع واقع زائف .

اسمعني، فبحق جلال الله ما أعرض عليك شيئا لن تُسأل عنه يوم الفزع الأكبر..

اسمع منى – لأني لا أخفى عنك شيئا-  – ما رواه الدكتور هارون طلحة طبيب الصحة المدرسية بالجمالية، والذي أفرجت عنه النيابة لبراءته . اسمعني فقد قبض عليه في عهدك، اسمع اعترافات البريء وتخيل ما حدث مع من لم يبرأ  :

بدءوا معي في مباحث أمن الدولة بتكبيل يدي بالحديد، وعصب عيني برباط مشدود جدا، وتوجيه  الشتائم لكنني ولأبى ولأمي، وبعد أن جردوني من ملابسي كلها ألقونى على الأرض وبدءوا في صعقي بالكهرباء، في مختلف أجزاء جسمي وبالذات أعضائي التناسلية، واضعين فوق جسدي العاري ثلاث كراسي واحد على الصدر والثاني على البطن والثالث على الساقين، واليدان مكبلتان من خلفي وأنام عليهما في صعق متواصل بالكهرباء، وأنا بدون شعور أتنطط على القيد الحديدي المكبلة به يدي من خلف ظهري حتى فقدت الوعي، وبعد أن أفقت وجدت حلقي قد جف تماما، ولساني ملتصق به، ولا أستطيع الكلام، وأخذت أفتح فمي وأغلقه فوضعوا فيه قليلا من الماء، وطلبت المزيد فرفضوا ثم أوقفوني عاريا معصوب العينين ومكبلا من الخلف لينقلوني بعد ذلك من غرفة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر والضرب مستمر على ظهري بجنزير من الحديد، وعلى وجهي بأيد غلظة، وعلى القفا، ثم أخذوا ينتفون شعر لحيتي ليضعوه في فمي، ويأمرونى بأن أمضغه ثم يعودون إلى الجولة الكهربائية، مطروحا على الأرض، ثم الوقوف عاريا تماما أمام شباك مفتوح طول الليل في برد يناير القارس دون طعام ولا شراب، وفى هذا الوضع تكون الكهرباء في الأذن والشفتين، كما هددوني بالقتل خمس مرات، وهددونى بإحضار زوجتي لكي تراني على هذا الوضع، ولكي يعتدوا عليها .

يا شيخ محمد الغزالي، يا شيخ شعراوى، يا شيخ الأزهر، يا مفتى الديار، يا قاضى القضاة، نريد الفتوى منكم، لا من عمر عبد الرحمن، ولا من شكري مصطفى، ولا حتى من سيد قطب، نريد فتواكم فيمن يفعل هذا، أمؤمن، أمسلم، نريد فتواكم فيمن أمر به أمؤمن أمسلم ؟ نريد فتواكم في ولى الأمر الذي علم بهذا كله فلم يمنعه .

أجل يجب أن تفتونا في هؤلاء الجلادين .

لو أن أحدا منكم مثلما فعل شيخ المسجد الأقصى الأسير، فأفتى بعدم جواز صلاة الجنازة على حمزة البسيونى، وصفوت الروبى، والوزير البذيء، لما استمر الأمر .

أفتونا أنتم قبل أن نبحث عن الفتوى عند غيركم .

يجب أن تعلم الأمة موقف دين محمد صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الجلادين أفتونا، لو خرج مثل هذا الرجل من المعتقل بعد ما تعرض له من تعذيب ليغتال ضابط مباحث أمن الدولة في الفيوم، أو ليغتصب فتاه العتبة، أو أن يكون شاهدا ديوثا يرى انتهاك الأعراض والحرمات فلا يتحرك، لو حدث أي من ذلك فمن هو المجرم ؟

أفتونا، فأنتم بفتواكم لنا لا تفيدونا فقط، ولا تؤدون شرع الله فقط وإنما تفيدون أيضا من يقوم بذلك، ربما لا يعلمون أن ما يقومون به من كبائر الكبائر، إنه لا يمكن أن تكون عقيدة التوحيد سليمة لضابط يخاف الحاكم أو وزير الداخلية أكثر من خوفه من الله، ويحرص على تنفيذ أوامرهم حتى ولو كانت منكرا يأباه الله  ورسوله والمؤمنون . أفتوهم في حقيقة إيمانهم، أنا لا أكفرهم، فليس من حقي أن أفتى،  لكنكم يا مسئولون عن الفتيا من واجبكم ومن حقهم عليكم أن تفقهوهم في أمور دينهم،  دعكم من إنكار المنكر وجحود الجاحد، أسألكم عمن يفعل ما ذكرت، من يعذب بالنار التي لا يشدني أن يعذب بها إلا الله، من يجلد بالسياط ويصلب، من يلعن الآباء والأمهات، وينتهك الأعراض، أو من يتستر على ذلك، من يأمر بحبس وهو ظالم، من يلفق تهمة، نريد فتواكم اليوم، لا يدعى منكم أحد أن ذلك لا يحدث، وحتى لو ادعاه فليفترض أن ذلك يحدث وليفت فيه، إن فقهاء المسلمين العظام  قد أفتوا في كثير من الافتراضات، فإن كنتم لا تصدقون ما نقول، فافترضوا أنه لا يحدث في عهد محمد حسنى مبارك، افترضوا أنه سيحدث في زمن قادم، في عهد رئيس آت، أو مات من ألف عام، قلبي لا يكون هناك عليكم حرج ولا خوف ولا تقيه . أناشدكم جميعا، وأخص بالمناشدة الشيخ محمد الغالي، ذلك العظيم الذي لم يفر في عصرنا أحد فريه، وليس عليك أن تقول فقط، بل أن تناشد الآخرين أيضا أن يحددوا موقف الدين ممن يفعله، أتقبل صلاته وصومه، أتقبل منه عبادة، أيتعامل معه المسلمون كما يتعامل المسلمون مع المسلمين، أتقبل  شهادته، أتقبل مصاهرته، أتجوز مجالسته ومصاحبته،  ثم ما موقف أهله منه، تلك كلها تساؤلات يجب أن نعرف حقيقة الإجابة عنها، قلبي لا يفرِط أحد ولا يفرّط أحد، ولكي يعلموا هم أنفسكم، فلقد جمعتني الصدفة ببعضهم، فأصبت بالرعب والذهول حين وجدتهم لا ينكرون ما يفعلون، إنما هم على يقين بصوابه، ذهلت حين وجدت أن عمليات غسيل المخ قد نجحت معهم بالكامل وأنهم يقدمون على ما يقدمون عليه بيقين كامل أنهم على صواب، وليس ذلك فقط، بل إنهم يظنون أنهم سيثابون عليه أيضا، لا من الحكام كما قد يتبادر للذهن بل من الله، أليسوا يطيعون ولى الأمر ؟

ولقد جمعتني صدفة يا سيدي الرئيس بلواء في جهاز سياسي هام، فرحت أطرح عليه بعضا مما أطرحه الآن عليك، كان ذلك منذ سنوات، وحتى قبل انهيار الكتلة الشرقية ولم يخف الرجل ضيقة وعذابه فانفجر قائلا : أنت تفكر بصورة نظرية ومثالية لا توجد لها في الواقع أرض، هل تصدق دعاوى الحرية والديمقراطية والحق والعدل والخير والجمال؟ على مستوى العالم كله لا يوجد ذلك، لا توجد إلا المخابرات الأمريكية تحرك كل شئ وتوجه كل شئ وعلينا أن نرضخ لذلك ونتصرف في حدوده، فهذا خير من الفناء . وصرخت فيه : لقد وضعتها مكان الله . وخيم علينا صمت حزين ذاهل، وكل منا يحاول ألا يصدق الأخر، وإلا فقد مبرر وجوده .

سيدي الرئيس :

لقد اكتفيت حتى الآن بضرب مثل واحد فقط، ومع أن هذا المثل وحده كاف لإدانة عهدك كله، ومع ذلك فلم يكن من البحر إلا قطرة، أم لم تسمع يا سيدي باقتحام المساجد واعتقال المصلين، وفتح النار عليهم، بل وإطلاق القنابل المسيلة للدموع فيها؟  وتطور الأمر في عهدك يا سيادة الرئيس كما لم يحدث في عهد قبلك، فابتدع نظامك القبض على رهائن من آباء وأمهات وأبناء المطلوبين حتى يسلموا أنفسهم، وابتدع أيضا حملات التأديب على قرى وأحياء ومراكز بالكامل، لعلك يا سيدي نسيت لكننا –نحن- لم ننس، كل واقعة منها طعنه في القلب، طعنة لا تزال تنزف، سنورس وبهوت وفوة والمنصورية وميت عنتر وأبو قرقاص وكفر الدوار والمحلة وعين شمس والمنصورة وبنى سويف، وطلبة الجامعات والعمال والزقازيق وأسيوط والمنيا ونجع أبو شجرة وسوهاج وقنا وميت فارس وأخميم وبلجاى وكفر سليمان وتيرة وبنى غالب والعنانية والمطرية وأبو زعبل ومراغة ونزلة شادى والكوم الأحمر .

هل تعرف ماذا يحدث في عمليات التأديب تلك ؟ أم لم يأتك نبأ ما حدث في قرية الكوم الأحمر – على سبيل المثال والاستدلال لا على سبيل الحصر للأفعال، إحراق المنازل وهدمها وتدمير أثاثها، إذلال المواطنين وهتك أعراضهم، ترويع النساء والأطفال، اعتقال القرية بأكملها في معسكر للأمن المركزي وتعذيبهم جميعا فيه،  ضرب الآباء أمام أبنائهم والأبناء أما آبائهم والأمهات أمام الجميع، سفح الكرامة والشرف، ذبح النخوة والشهامة، وكل قيمة نبيلة، إعدام الرجولة والإنسانية.  ثم يتساءل  كتبتكم لماذا وقف المواطنون سلبيين وعرض فتاه العتبة ينتهك أمام أعينهم؟ .

وقفوا سلبيين يا سيادة الرئيس لأن عرضهم كان منتهكا بالفعل قبلها، من لم ير سمع، ومن لم يحضر اعتبر، أدركوا أن الدولة بقضها وقضيضها لا تحمى كرامة ولا تستر عرضا بل هيالتي تهدده وتنتهكه .

ويتساءل كتبتكم أيضا : لم هوجم ضابط مباحث أمن الدولة في دمياط واغتيل زميله في الفيوم ؟ .

سيدي : لو أن كل هذا الاستفزاز وجه إلى كلب لعقر، إلى حيوان لطاب له الموت، إلى حكيم لجن، إلى حليم لاحتار، إلى مواطن لفقد كل انتماء للوطن .

ولم يكن كل ذلك يا سيادة الرئيس لحماية هيبة الدولة، لم يكن لإحقاق حق ولا لإبطال باطل، لم يكن حتى للردع، بل كان فقط لمجرد إذلال الناس، في عصر أصبحت قيمة الشخص فيه تتحدد بقيمة الجرائم التي يمكنه ارتكابها دون عقاب، نفس ما تفعله أمريكا وإسرائيل بشعوبنا يفعله رجالكم بنا، نفس الطغيان والجبروت والسحق، ذلك أن أي طاغية وكل طاغية في حقيقته عبد خوار إذا واجهته القوة وعتل جبار إن واجهه ضعف، عدنا إلى عصر الغابة، حيث الإنسان وحش لا تحميه إلا مخالبه، لقد ضج القضاء نفسه من بطش الشرطة وحفلت حيثيات أحكامه بالاعتراض، بل إن الأمر لم يخل من ضباط شرطة شرفاء هالهم ما يحدث، فاعترضوا عليه، وهرب بعضهم إلى وظائف مدنية أو إلى أي قطاعات في الشرطة لا تعذب الناس، واكتفى بعضهم بعذابه، ونجح البعض الآخر في خداع نفسه، لكن العميد أسامة حلاوة صرخ مناديا بنبذ سياسة الشلل والطوائف في الشرطة، وألا يشغل المناصب الهامة إلا الأكفاء فلا تظل المناصب حكرا على أصحاب الوساطات وأقرباء القيادات والقادرين على إنشاء صلات، ولم يتمالك الضابط الشريف نفسه فهتف مطالبا بإلغاء مباحث أمن الدولة، معترفا أن هذا الجهاز قد بنى عضلاته في الظلام في غفلة من القوانين، وأنه فضلا عن ذلك أثبت عدم قدرته على ضبط الجريمة السياسية. كما أن الشائعات تنتشر بشكل مخيف عن طريقة الالتحاق بكلية الشرطة، عن أول درس يتلقاه الطالب قبل أن يخطو خطوته الأولى إليها، عن قصيدة أولها كفر، فعلينا أن نستنكر بدايتها قبل أن نرفض نهايتها .

سيدي الرئيس :

هل هالك ما سمعت، بيد أنه بالرغم من بشاعته، لا يقدم إلا جانبا واحدا لصورة متعددة الجوانب، إلا ذراعا واحدا لإخطبوط، لأن ما يحدث في أقسام الشرطة ليس أقل بشاعة ولا تدميرا للأمة مما يحدث من تعذيب وعقاب جماعي، والأمر ليس مقاومة إرهاب، ولا حتى محافظة على نظام الحكم، إنما هو إجرام لم يجد من يردعه، لا عن سهو ولا عن جهل، وإنما هيسلسلة واحدة تتعلق بالفساد والتزوير، وبالرغم من ذلك كله يسخر وزيرك من شعبك متهكما، فيتساءل هل نستقبلهم في فنادق ذوات نجوم خمس، رعاياك يا مولاي لا يعرفون ذوات النجوم، فكيف يطلبون ما لا يعرفون، وهو لا يطلبون ما لا يعرفون، وهم لا يطلبون إلا قليلا، قليلا فقط من الكرامة واحترام الآدمية.

نعم..  قليلا فقط من الكرامة واحترام الآدمية .

إن أحداثا كهذه يا سيدي تجعلني أكاد أسمع بأذني صرير تفسخ أوصال أمتك، انهيارها، اقتلاع جذورها، فنحن يا سيدي أبناء دين علمنا أن دماءنا وأموالنا وأعراضنا حرام عليكم وحرام علينا . إن من يعذب الناس دخل النار.

ديننا يعلمنا أن للكبائر كبائر ومن أكبرها شهادة الزور، أليس تزوير الانتخابات شهادة زور .

إن الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدى إلى النار .

وإن من أشار لأخيه بحديدة  فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه، وإن كان أخاه لأبيه وأمه،  فكيف يقرأ الحديث لا من يشير بحديدة بل يحطم بها العظام .

وإن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى عن لعن الدابة، فكيف يقرأ هذا من يلعن الإنسان الذي كرمه الله . وإن أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء فكيف تستقيم عقول أناس يدّعون الإيمان ويسفكون الدماء .

كيف لا تتحطم نفوسهم وتنسحق أرواحهم إذ يقرءون : أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم وصيفة إلى أمر، فأبطأت، فقال لها : والله لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السواك.

يا إلهى  بأبى أنت وأمي، ما أكرمك وما أرحمك وما أحلمك حين تخشى القصاص من السواك، فما بال أناس يدعون انتماءهم إليك، وجوههم وجوه إنس وقلوبهم قلوب شياطين، لا يخشون قصاصا من سفك دم وهتك عرض وإهانة من كرمه الله .

والله يا سيادة الرئيس إنني أرثى لهم .

ليس لضحاياكم بل لجلاديكم..

ذلك أن بطشهم ليس موجها لما تسمونهم بالجماعات الدينية المتطرفة فقط، بل للأمة كلها ولذواتهم أيضا .

أنت قرأت بالتأكيد يا سيادة الرئيس تلك القصة التي نشرها بريد الأهرام عن تلك المرأة التي اغتصبت في حديقة الأزبكية، ولم تكد تمر أسابيع قليلة حتى كانت الفاجعة المذهلة لفتاة العتبة، أقسم لك يا سيادة الرئيس أن الدموع تملأ عيني، وأنا أكتب لك، لا من أجل الفتاه فقط، لكن من أجل أربعمائة ديوث  مسختهم أنظمة حكم آخرها  نظامك، هل كنا من1 البداية هكذا، أتربينا على هذا، أنا لا أتحدث عن تاريخ موغل في القدم قد يبالغ ناقلوه، كي أتحدث عن تاريخ عشته أنت في شبابك، الأربعمائة رجل مجرد مثل لملايين الرجال، وهم أصدق تمثيلا للأمة من مجلس الشعب والشورى ومن المثقفين والسادة، ما الذي مسخ شعبك هكذا يا سيادة الرئيس، ما الذي فعل بنا هذا سوى سلاسل شيطانية من القهر والفساد والجبروت، من انعدام الثقة، من إدراك الجميع أن كل أجهزة الدولة مكرسة فقط للحفاظ على نظام الحكم، أما الباقي فلا يهم، دعوهم كحيوانات الغابة، أو كلاب الطريق الضالة، أربعمائة رجل، كل ديوث منهم – ومنا – وكل مسخ فكر ألف مرة فيها يمكن أن يحدث له لو ذهب إلى قسم الشرطة، قلاع الأمان التي تحولت إلى مجازر تعذيب، أم لم تسمع يا سيادة الرئيس عن ذلك الضابط في أحد أقسام الشرطة، الضابط الذي أرغم مواطنا أن يقبل قضيبه، أكنت ترجو بعد هذا من الأربعمائة ديوث أن يكونوا إيجابيين أو أن تمسهم الصحوة الكبرى عبر  تقبيل المواطن – أحد رعاياك الذين سيسألك الله عنهم – لقضيب الضابط .

إن هذه النوعية الخاصة من الجرائم ليست إلا نتاج نطفة حرام نمت وترعرعت في رحم السلطة .

إن اللواء حلمي الفقي مدير مصلحة الأمن العام، بعد أن يؤكد أن حادث اغتصاب فتاة العتبة حادث عادى، يتهم الفتاة الضحية بأنها هي التي شجعت الشاب على هتك عرضها، وأنها تركته يفعل ما يشاء حتى وصل بيده إلى منطقة حساسة دون أن تنهره أو تصرخ .

هكذا تتحول الضحية إلى جانية، وتصرخ الفتاة للصحفيين إن ضباط الشرطة يعاملونها كمتهمة .

وفى حادثة إمبابة حدث نفس الشيء، نفس النظرة إلى الناس كحيوانات قذرة، لا شعور لها ولا إحساس، ولكي يغطوا على التقصير المخجل، نشرت الصحف أن الزوجة عشيقة صديق الزوج، وأنكرت الزوجة وأنكر الزوج، وأنكر الصديق، فمن أين أتوا ببهتانهم، نفس المنهج، ونفس الفكر الذي يعاملون به المثقفين والمعارضين والوطنيين، أقصى درجات التشويه والكذب لتبرير الإجرام .

لكن ما دامت الجريمة قد وقعت فلا بد أن يكون هناك مجرم، وما دام المجرمون الحقيقيون فوق القانون وفوق المساءلة، فلا بد أن يبحثوا عن إلصاق الجريمة بالضحية .. بالشعب ، ولماذا تستغرب هذا على مدير أمن عام، إذا كان سيد سابق له قد اتهم رموز أمته، وخلاصة ضميرها، بأنهم خنازير وكلاب، ومصابون بالشذوذ الجنسى . ولماذا نستغربه من مدير أمن عام إذا كان سيد سابق له قد قال لشيخ جليل تحت قبة مجلس الشعب : " يا سافل يا مجرم يا وسخ ".

لماذا نستغرب إذن تصريحات اللواء حلمي الفقي ن ولماذا لا نكون واقعيين فننصح كل فتاه تغتصب -  وكل معتقل يعذب – أن تلعق كالحيوان جرحها بلسانها، وألا تلجأ إلى مسئولين قد لا تقل وحشية بعضهم عن وحشية من اغتصبوها .

هل تتخيل يا سيدي الرئيس أنني احترمت اللواء محمد عبد الحليم موسى، عندما صرح بأن حادث اغتصاب الفتاه حادث عادى، هذا الرجل مازال يستطيع أن يقول الصدق، هذا رجل الأسرار مكشوفة أمامه،  والملفات مفتوحة أمام عينية . هذا رجل يعرف باليقين ما يحدث في سجونه من تعذيب وإهدار للآدمية، هذا رجل يمارس رجاله الحرق والهدم وما هو أكثر، هذا رجل يعرف ما يحدث في أقسام البوليس وماذا يحدث خلفها، رجل يعرف ماذا يحدث في "لاظوغلى"، وفى معهد أمناء الشرطة وفى أماكن أخرى يعرفها ولا نعرفها. هذا رجل يعرف هذا كله ويعرف أكثر منه، فكيف لا يكون حادث اغتصاب فتاة العتبة مجرد حادث عادى بالنسبة له ؟ لقد صدق الرجل، وتلك خطيئته الوحيدة .

 لقد تولى  الوزارة، وليس له عدو وأخشى أن يغادرها وليس له صديق . إنه الابتلاء الأخير لرجل أحبه الناس فخذلهم، وثقوا فيه أنه لن يكون كالآخرين فأهدر ثقتهم . نفس المأساة تتكرر مع كل مسئول . يتسلل الشيطان عبر السلطة والجاه ليقايض الدنيا بالآخرة . آخر امتحان وأصعب امتحان وفيه – في زماننا – لا يكاد ينجح أحد.

 إن عبد الحليم موسى يتحمل أمام الله أوزاره، لكنك تحملها معه أيضا يا سيادة الرئيس، كما تتحملها مع كل مسئول آخر تأتون به ليتحمل في الدنيا أمام الناس أوزاركم، وبعد استنفاد أغراضكم منه، بعد أن يفيض بالناس الكيل، تتخلصون منه، ثم تأتون بغيره ليبدأ من جديد .

أين كل وزراء الداخلية السابقين ؟ ألا يعتبر بهم أحد، وقد قامر معظمهم بالآخرة من أجل الدنيا، فخسروا الآخرة والدنيا . لماذا لم يقف منهم أحد ليقول : لا.. لا.. لا..  الله عندي أكبر والآخرة أغلى والدين أعز.

ولعلى أتساءل : ما علاقة ذلك بأحداث شديدة الشذوذ والانحراف، كأولئك الأربعة من أمناء الشرطة  الذين اختطفوا في سيارة الشرطة سيدة ليحتجزوها في شقة أحدهم أياما يتناوبون فيها اغتصابها، عمل إجرامي قد يحكم عليهم الإعدام من أجله، لكن زملاء لهم قاموا بنفس الفعل البشع مع معتقلين وزوجاتهم دون عقاب.

 ألا يمكن أن تكون هذه الحيوانات البشرية قد تعلمت الإجرام في وكر كان يفترض أن يكون حصن أمان.

كذلك قصة الضابط الذي فعل نفس الشيء .

ما علاقة تهريب المخدرات بذلك المهرب الكبير الذي أدعى أنه عميد شرطة حين القبض عليه . ما علاقته بتفتيش سيارة محافظ – أصبح بعدها وزير للداخلية – بحثا عن المخدرات .

بل ما علاقته بأحداث فردية مروعة – كذلك الضابط الذي قتل مواطنا لمجرد أنه احتج عليه عندما صفعه – وذلك الآخر الذي أمر جنوده باختطاف مدرس – إلى بيته – بعد أن ضربوه حتى فقد الوعي، لكنهم اختطفوه قلبي يضربوه أيضا أمام التلميذ – ابن الضابط – الذي ضربه المدرس في الفصل .

إن الشيطان عندما يزين لنا السوء لا يدلف إلى غرضه الخبيث بأن يقول هذه معصية فاقترفوها، وهذه حسنة فاجتنبوها، بل إنه يلبس الحق ثوب الباطل والباطل ثوب الحق، بيد أنى لا أظن القضية بهذه السهولة، ذلك أن الله خلق في داخلنا رادارا أدق من أي رادار اخترعه بشر، يجعل جزءا في داخلنا يدرك – رغم تمويه الشيطان وتعميته – أن هذا الحق الذي نتشدق به على الناس، ليس إلا ستارا يخفى خلفه القبح واللصوصية، والانتهازية، وخيانة الله ورسوله والمؤمنين .

وهذا بالضبط يا سيدي الرئيس ما يحطم رجالك، ذلك أنهم مهما ادعوا صواب ما يفعلون، فليسوا على درجة من الحماقة قلبي يقتنعوا في أعماق أعماقهم بصدق ما يدعون، لكنهم لا يرتدعون .

كيف لا يرتدعون، كيف رغم أن العمر قصير، والحساب آت، ومتاع الدنيا قليل. حتى الحجاج ارتدع عندما هرب منه معارض فقبض على أخيه رهينة، وقال ابن الفجاءة – الرهينة – للحجاج : " إن معي كتابا من أمير المؤمنين ألا تأخذني بذنب غيري " وتساءل الحجاج في دهشة : أين هو هذا الكتاب ؟ فأجاب ابن الفجاءة: والله إن معي أرفع منه وأكرم، كتاب الله عز وجل الذي يقول فيه " ولا تزر وازرة وزر أخرى " .

السفاح ارتدع، الذي قتل خيرة التابعين، والذي قتل عبد الله بن الزبير، وأحرق الكعبة ارتدع . الذي فعل ذلك كله يا سيدي ارتدع لكن نظام الحكم عندنا لم يرتدع.

لم يرتدع رجالك ..

لكن الحجاج كان يجاهر بما يفعل، لم يكن يخفيه، لم يكذب على الآخرين وعلى نفسه، لذلك ارتدع .

أما رجالنا فما من أحد منهم إلا ويكذب، رجال أمنك، الذين لا يكفون عن اختلاق المؤامرات حولك، يعزلونك عن شعبك، فماذا تفعل إذا كنت مهددا في كل خطوة  ماذا تفعل إن كان عليك أن تتوجس من كل اتجاه شرا، و من كل تجمع مؤامرة، ومن كل حركة محاولة لقلب نظام الحكم، بيد أنهم لا يقومون بذلك فقط، فالأجهزة الأخرى، هيالأخرى تفعل ذلك، على كل جهاز منها إذن أن يتقرب إليك أكثر، وليس ثمة وسيلة لذلك إلا أن يشكك كل جهاز في الجهاز الآخر، فليس إلا هو الأكثر ولاء لك، أما الأجهزة الأخرى، فقد تسلل إليها أعداؤك، لا تثق بها، وثق بنا فقط، لكن الأجهزة الأخرى أيضا تقول لك نفس القول، فيالها من أخطبوطات هائلة، وعنكبوتات سامة تلتف حولك ليصبح الصراع جله صراع الباطل مع الباطل، الشر مع الشر، الكذب مع الكذب، ويصبح التسابق كله نحو نار جهنم .

ما من أحد يصدق يا سيادة الرئيس، ما من أحد يقول لك الحقيقة، ما يشعر به، وما يفكر فيه حتى ولو لم يكن صوابا . وعندما اغتيل ضابط مباحث أمن الدولة في الفيوم، تبارت الأقلام كلها باحثة عما يمكن أن تكتبه أنت لو كتبت، كأنهم صبوا في قوالب، أو قدوا من حديد، ما من أحد منهم له رأى أخر، ما من أحد قال : إن دماءهم  في عنق السلطة، هيالتي أمرت رجالها بالعنف، وجعلت وجودهم في مناصبهم مرتبطا بالمغالاة فيه، وعندما تقع الواقعة، تتنصل الدولة، لا تتنصل فقط بل وتسد عليهم الطريق عندما تختلق ثأرا لا وجود له، وتستنفر فيهم الحمية بالقول إن الضابط شجعان لن يجبنوا عن أداء واجباتهم بسبب استشهاد بعضهم، ولو أنهم استشهدوا في سبيل الله، أو في سبيل ما يرضى عنه الله فأجل، ولقد دمعت عيناي والله من أجل ضابط الفيوم، كي لو كنت أباه لظللت أبكيه حتى أموت، لا اعتراضا على قضاء الله، وإنما خوفا من كيفية تقبل الله له، وثمة أناس كانوا يحاربون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا النار لأنهم لم يخلصوا لله قلوبهم فكيف آمن على ابني إن مات هذه الميتة .

أنت تعرف يا سيدي أنهم في الغرب يتهمونا بضيق الأفق، بالحمق، أننا لحياتنا في الصحراء والوديان نبسط الأشياء، ونسطحها ولا نرى منها إلا جانبا واحدا،  أننا أحاديي النظر والبصيرة، وأن ذلك يجعلنا ندور دائما حول أنفسنا، لا نتقدم،  لو أن أحدا منهم طرح القضية بصدق  منذ عام 54 لربما ما وصلنا إلى ما وصلنا إليه، فإزاء التعذيب الهمجي الوحشي المجرم للمعتقلين أيامها ثار التساؤل الفقهي، في المعتقل … هل من حق من وقع عليه التعذيب أن يثأر لنفسه ممن عذبه، ما دامت الدولة تتستر عليه، وتدعمه وتؤيده وتنصره وتخفيه، ثار التساؤل أيامها عنيفا داميا، لكن الرأي استقر أخيرا أن يحتسبوا عند الله ما يحدث لهم، وتغيرت الدنا من حولنا واتسعت الرؤى، لكن التعذيب عندنا استمر في عهد السادات، كما كان عهد جمال عبد الناصر، ثم استمر في عهدك يا سيدي، كما كان في عهد السادات . في عهد جمال عبد الناصر كان جبروتا صريحا بشعا يعلن عن نفسه، وفى عهد السادات لم تقل البشاعة لكنهم غيروا الأسماء، عندما ذهب الرئيس المؤمن بمعول ليهدم سجنا بينما رجاله يبنون سجونا أخرى، وفى عهدك أيضا يا سيدي الرئيس لم تقل بشاعة التعذيب، بل اتسمت ببشاعات أخرى منها : عصب أعين المعتقلين، قلبي لا يروا جلاديهم، واستعمال أسماء حركية للضباط القائمين بالتعذيب والتحقيق تضليلا للقضاء إذا ما لجأ الضحية إليه، وتلك أفعال عصابات يجب أن تطاردها الدولة لا أفعال دولة، وتلك يا سيدي كانت أولى الخطوات في اغتيال رفعت المحجوب، وضابط مباحث أمن الدولة في الفيوم  .

الدنيا كلها تتحدث عن التعذيب في سجونكم وأنتم تنكرون، تقارير الطب الشرعي تثبت وأنتم تنكرون، ما من أحد منا إلا وقابل معتقلا سمع منه تفاصيل التعذيب لكنكم تنكرون، منظمات حقوق الإنسان تصرخ وأنتم تنكرون .

وثمة شواهد لا تدحض عن تعذيب للمتهمين أقرت المحاكم بها، فبدا أن النيابة لم تسمع صراخ المعذبين، ولم تثبته . وتلك علامات انهيار خطيرة ليس لنظام حكم ولا لهيبته بل للمجتمع كله.

كل هذه الدماء التي سألت، وكل هذه السياط التي هوت، وكل الأشلاء التي تمزقت، وكل هذه القضايا التي لفقت .

أما آن الأوان لكي تنتهي .

صباح الغد يا سيدي سوف تجد تقريرا على مكتبك، أو مقالا في صحيفة يشير إلىّ كمجرم يساند الإرهاب، مثلما حدث بعد مقالتى :" كأنهم يقولون : قل هو الرئيس أحد الرئيس الصمد "[1]، عندما أندفع بلهاء يقولون أنني حرفت القرآن وشبهتك بالله، وما ذلك قلت بل قلت ضده، فإلام يفهمون عكس ما نقول، وحتام يدعون علينا ما لم نقل . أم أنهم لا يستطيعون مواجهة ما نقول، فيدعون علينا ما يستطيعون مواجهته .

وأنا والله يا سيدي ضد الإرهاب بكل صوره، طبيعتي كمسلم ترفض الظلم وطبيعتي كمثقف تنبو عن العنف، ولأنني أدرك أن مأساة المسلمين الكبرى بدأت بعمل إرهابي قُتل فيه ذو النورين، كما أدرك أيضا أن اغتيال السادات – بغض النظر عن أشياء كثيرة – لم يغير من الأمور الكثير، ذلك أن الحاكم ليس فردا وإنما طبقة، ونظام الحكم ليس رأيا، وإنما منهج متكامل، والإنسان لا يستطيع أن يقتل طبقة ولا أن يطلق الرصاص على منهج، لذلك أدين الإرهاب، وأومن بالدعوة إلى سبيل الله بالحكمة، كي حين أدين الإرهاب، أدينه فيكم قبل أن أدينه في أعدائكم

الحقيقة التي لا أظننا سنختلف عليها كثيرا، أن الدولة العسكرية التي انهارت 67 قد أسلمت ميراثها للدولة البوليسية التي فاقت الأولى بشاعة، ولقد كانت لدولة العسكر كل عيوب العسكريين في شتى أنحاء العالم، وبرغم أخطائها الهائلة فإن مجد العسكرية المصرية التليد قد وضع في كفة الصواب  ما لا يستهان به، وما تدعم بصورة حاسمة في أكتوبر 73، أما بالنسبة للدولة البوليسية فإنني أخشى أن تكون عيوبها وتاريخها التليد في القهر والتزوير حاجبا لكل ميزة، وفى قلب القلب للدولة البوليسية يقع القلم المخصوص أو السياسي أو المباحث العامة، أو مباحث أمن الدولة وأي مسمى آخر . لقد كانوا هم أدوات السلطة للجبروت، وعندما يقعون الآن ضحايا فنما أسهل أن نسطح الأمر في بلاهة، لنقرر أنهم ضحايا خوارج يجب استئصال شأفتهم..  حسنا .. لن تستطيعوا استئصال شأفتهم بالكامل أبدا والتاريخ معي يشهد، قد تقمعونهم لعام، لعامين، ليعودوا مرة أخرى، وليتساقط من ضباط أمن الدولة آخرون .

عندما أتأمل جهاز مباحث أمن الدولة فإنني أشعر بالرثاء من أجل رجاله، بالإشفاق – لست أنفى المسئولية عنهم – كي أشعر بالرثاء من أجلهم، لأنهم مباحث أمن النظام لا أمن الوطن أو الدولة. 

ناشدتك الله يا سيدي الرئيس هل أما مخطئ ؟

لقد غير الجهاز توجهاته بالكامل إلى الضد مرات عديدة في كل عهد، تأتيهم الأوامر .. طاردوا الإخوان المسلمين، ويفتى الأزهر بأنهم خوارج،  خففوا القبضة قليلا عن الإخوان ، وطاردوا الشيوعيين فإنهم كفرة، أما من يتعامل مع إسرائيل فكافر على جميع المذاهب، أفرجوا عن الشيوعيين وطاردوا من مشى في جنازة النحاس، أفرجوا عن الإخوان المسلمين فهم صفوة الأمة، وما زعيمكم السابق الذي ظللتم ثمانية عشر عاما تعبدونه إلا وثن يجب هدمه، زعيمكم الجديد مؤمن رفع راية الإسلام وحقق النصر، أمسكوا من يهاجم إسرائيل فإنهم خونة يجب قطع دابرهم : اقبضوا على الجميع، أفرجوا عن الجميع، العراق صديقة فغضوا البصر عن كل أخطاء رعاياها، العراق عدوة ولا بد من دليل على ذلك بضبط تنظيمات تتبعها تهدد أمن الوطن .. ليبيا عدوة، ليبيا صديقة .. سوريا عدوة، سوريا شقيقة، ياسر عرفات زعيم  دولة، ياسر عرفات هباش بكاش ……!!

لو أن جهاز كمبيوتر غذى بهذه البيانات المتناقصة لاختنق، لاحترق.

من أجل ذلك أشفق عليهم. 

أشفق عليهم أيضا لأنه كانت لهم دائما المعلومات التي لا نعرفها عن تورط السلطة في الفساد، والأوامر بغض البصر، يأتيهم الأمر بتزوير الانتخابات مثلا، ثم يصرح المسئول الكبير مشيدا بنزاهة الانتخابات، وهم يعلمون علم اليقين – لا الظن مثلنا – أن المسئول كاذب . تأتيهم الأوامر الشفهية بالتعذيب أو حتى بالقتل، ويقسم المسئول في التليفزيون أن ذلك لا يحدث.

ماذا يمكن أن يفعل الشيطان في إنسان أكثر مما فعلته السلطة فيهم .

ولننظر إليهم بعد ذلك كله كبشر، كيف يستطيعون المحافظة على توازنهم النفسي وثمة رادار خلقه الله في أنفسهم يجعلهم يدركون – رغم كل محاولات السلطة لغسيل المخ – يدركون أنهم يخالفون شرع الله، وهم يعلمون أن قصاص الله آت، كيف يستطيعون وسط هذه المتناقضات كلها أن يحتفظوا بنفوس سوية، أن يكونوا أبناء بررة، وآباء صالحين، وأفراد أصحاء في المجتمع، لا يتوجسون كل لحظة وأخرى، لا من انتقام ضحاياهم، بل من انتقام الله منهم وابتلائه لهم في أنفسهم وفى ذويهم، وهم في موقفهم المأساوي هذا لا يملكون القدرة على التراجع، فذلك يفقدهم ميزات القوة والسلطة التي تتمتع بها مراكزهم، فإن تخلت عنهم واجهوا المجتمع الذي لم يتعودوا على مواجهته دون بطش .

هل تتخيل يا سيدي الرئيس نفسية واحد منهم يعرف أن التزوير من الكبائر وأن التعذيب من الكبائر، لكن الأوامر تأتيه بأن يعذب ويزور، وهو أن استجاب ضاع، وإن رفض جاع . 

ما هو شعور زوجة تكتشف أن زوجها جلاد، وابن يكتشف  عندما يميز الصواب والخطأ أن ما فعله أبوه مخجل، ولا يجعله يفخر بالانتماء إليه .

إنكم تحطمونهم .

والكارثة أننا نعالج الخطأ، لا بالرجوع عنه لكن بمزيد من الإيغال فيه، إن حماية ضباط مباحث أمن الدولة من الاغتيال، لا تأتى بمزيد من البطش والعسف والتعذيب، بل بالعودة إلى الحق، إلى الدين، والعقل، ودفع المواطنين إلى الإيجابية لا تأتى بتكثيف كابوس الشرطة، لكن بدفعهم لمعاملة المواطنين كآدميين لا كحيوانات .

يا شيخ محمد الغالي، يا شيخ الأزهر، يا مفتى الديار، يا البابا شنودة، يا حلمي مراد، يا أحمد بهاء الدين، يا عادل حسين، يا أسامة الباز، يا مصطفى الفقي، يا إبراهيم شكري، يا فؤاد سراج الدين يا خالد محيى الدين، يا على الدين صالح، يا زكى نجيب محمود، يا نجيب محفوظ ، يا نعمات أحمد فؤاد، يا يحيي حقي،، يا جمال حمدان ، يا نور الشريف، يا محمد السيد سعيد، يا أحمد بهجت، يا إبراهيم نافع، يا محفوظ الأنصاري، ويا كل مواطن يحترم الوديعة، التي أودعها الله فينا، أذهبوا إلى الرئيس لتقولوا له إن وصمة التعذيب لا تجلل عهده بالعار فقط، وإنما تجعل من كل منا ديوثا، أجل ديوثا ما دام يرى هذا العذاب يلحق بهذه النفوس البشرية بين أيدي السفاحين الجلادين، وهم بلا حول ولا قوة، ثم لا يتحرك من أجلهم .

ناشدتك الله يا سيدي الرئيس، الله الواحد الأحد، القوى القهار، المنتقم الجبار الذي يمهل ولا يهمل، الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ناشدتك بحقه  عليك، وعلينا أن تجيب على تساؤلي : ألم يمارس عهدك التعذيب ؟ ألم تعلم به ؟.

دعك من بيانات وزير الداخلية، وإنكار السلطة، دعك من أحكام القضاء على من مارسوا التعذيب بالبراءة، دعك من كتاب تعرفهم خيرا منا، دعك من هذا كله، أنا وأنت والله ثالثنا، ألم يحدث تعذيب في عهدك، ألم تعلم به، ألم يطلق رجالك الرصاص على رجال مهما تكن تهمهم، فالقضاء لا رجال الشرطة هو الكفيل بهم .

أم أنكم يا سيادة الرئيس تعاملوننا كأننا عبيد، وأنتم سادة، فلا حقوق لنا عليكم إلا ما كان من حقوق العبيد . في أعناقنا سلاسلكم .. ظهورنا موطئ سياطكم .. حريتنا في يمينكم .. وحتى أعراضنا حلال عليكم .. وليس من حقنا بعد ذلك إلا أن نسبح بحمد نعمتك علينا … أتقبل يا سيادة الرئيس أن يصل الأمر أن كاتبا شهيرا أعتقل أخوه في قضيه برأته منها المحكمة – بعد ذلك – يضطر لمناشدتك على صفحات الصحف في إعلانات مدفوعة الأجر قلبي تنقذ أخاه من التعذيب في سجون الزبانية  حيث ينفردون بضحاياهم .. يعصب المجرمون أعينهم .. وهم إذا اشتكوا يطالبهم القضاء بألف دليل ويقين على نوع التعذيب ، وشخصية المعذبين، فكيف يتمكنون من ذلك وقد كان الشيطان منفردا بهم، ألم يحك لك مكرم محمد أحمد عما حدث للدكتور محمد السيد سعيد الكاتب الكبير بأكبر صحيفة عربية، بواحدة من أشهر عشر صحف في العالم، في الأهرام، ألم يحك لك عما حدث له عندما أراد أن ينقل عبر الأمة إليك كلمة صدق عن إرهاب الدولة، معمل التفريخ الشيطاني لكل إرهاب في المجتمع، ألم يقل لك كيف لفقوا له التهم، كيف عذبوه، كيف رآه مكرم محمد أحمد بأم عينيه ممزق الروح والجسد، هذا ما يحدث لصحفي من أكبر الصحفيين في صحيفة من أكبر الصحف في العالم  فماذا يحدث إذن للمواطن العادى، ماذا يحدث لرعاياك يا سيدي الرئيس ؟.

هل تعرف وطأة ذلك على بناء شخصية الأمة .. إن الجميع يودون من أعماقهم أن يبادروا لنجدة المعذب المستغيث .. ولكن الخوف واليأس يقتلان نخوة الرجال وشهامتهم فيصمتون … وفى الصمت تسقط رجولتنا وإنسانيتنا وشرفنا، وكرامتنا فنتحول إلى قطيع من الخراف ينتظر الذبح … الدور يمكن أن يصيب أي واحد منا لأي سبب وبلا سبب .

ذات يوم ضرب شيخ من شيوخنا المثل لواحد من خلفاء بنى العباس حين رآه يسرف في تجنيد الترك – الذين قتلوا الخليفة والتهموا الخلافة بعد ذلك – فقال له:

مولاي : كان هناك راع، ساءه أن تفترس الذئاب بعض غنمه فأسرف في تربية الكلاب قلبي تذود الذئاب، لكن الكلاب احتاجت إلى طعام، فأخذ يذبح كل يوم  من غنمه حتى يطعمها، حتى انتهت غنمه، فيا مولاي، ماذا يفعل الراعي إذا أكلت كلابه غنمه ؟

نعم يا سيادة الرئيس.. أكلت الكلاب الغنم، لم تأكلها الذئاب، ولا وحوش الفلاة، ولم يسرقها اللصوص، وإنما أكلتها الكلاب.

لشد ما وددت أن يأتيك نجيب محفوظ حاملا إليك جائزة نوبل هاتفا بك يا سيدي، أعدها إليهم فأنا لا أستحقها، لا أستحقها بالتأكيد، ما دامت كتاباتي في خمسين عاما لم تجعلكم توقفون التعذيب، وإهدار كرامة الإنسان .

ووددت أيضا أن يأتيك بطرس غالى – في صحوة ضمير – قائلا : أنه لا يستحق شرف منصبه العالمي، وقد كان عضوا  في حكومة تم في عهدها تزوير الانتخابات والتستر على الفساد، ونهب الاقتصاد، وتهريب أكثر من مائة مليار دولار للخارج .

سيدي الرئيس :

ناشدتك الله، هل ترضى أن يكون أحد أبنائك واحدا من الجلادين . بل ألم تفكر للحظة أن علاء ابنك هو ضحية الجلادين، هو الذي يصلب ويعلق ويحرق، و .. و.. لا أستطيع أن أكمل، لكنك أنت يجب أن تكمل، لأن سؤال الله لك عنا سيفوق سؤاله لك عن ابنك

كل عام وأنت طيب يا سيادة الرئيس .

عيد ميلاد سعيد يا سيدي.

   عام جديد سعيد عليك وعلينا، أو بالأحرى أقل ألما وحزنا .

عام يشهد أوامر صارمة جامعة مانعة للتعذيب، ومحاسبة من قاموا به .

فتلك يا سيدي خطوة في طريق طويل قلبي لا نكون في المكان الذي يريده لنا أعداؤنا وأعداؤك.

من وصفوني ووصفوك بأبشع ما يكون في بروتوكولات حكماء صهيون . لكن ذلك مقال آخر، أرجو أن يتسع صدرك له في العدد القادم .

وعام سعيد يا سيدي.

 

 

 

 


 

رد دكتور فرج فودة على مقال د. محمد عباس

 

مادمنا نتحدث عن صحف المعارضة فلا بأس أن أنقل للقارئ مكالمة من صديق عزيز، متفوق في مجاله الطبي، ومشارك في الحياة السياسية والعامة .

قال لكنني، هل قرأت ما يكتبه محمد عباس في الشعب ؟

تقصد رسالة إلى السيد الرئيس ؟ ..

-  نعم، لقد أصابتني الرسالة بارتفاع في ضغط الدم .. الصديق معه حق، سلسلة المقالات التي يكتبها الأخ عباس، الذي لم أتشرف بالتعرف عليه سياسيا أو كاتبا من قبل، تذكرنا بمحاولاتنا الأولى ونحن هواة، حين كنا نتخيل أننا نجلس إلى السيد الرئيس، ونكتب الصفحات الطوال، ونأخذ راحتنا في الحديث وينتهي الأمر بمحاولة نضحك عليها حين تقرؤها " على كبر " ..

أنا شخصيا كتبت رسائل مطولة للرئيس السادات وللرئيس مبارك . وكان ذلك قبل نحو عشر سنوات، ولكنى والحق يقال لم أبلغ ما بلغه الأخ عباس، من مستوى لا أسمح لنفسي بوصفه ..

ما معنى أن يتحدث كاتب للسيد الرئيس قائلا ما معناه، إن عمرك اليوم تجاوز الخامسة والستين، وقد اقترب موعد لقائك بربك، وسوف يسألك عن كذا وكذا وساعتها لن يكون معك كذا وكذا .

أين اللياقة وأدب الحوار ؟ بل وأين الفكر في هذا كله، ومن هذا كله ؟

أنني أعتذر للقارئ بأنني لم أقرأ الرسائل كاملة واكتفيت بنظرة سريعة إلى السطور لأنني فوجئت بالكاتب في الرسالة الأولى يكتب شيئا أذهلني، حيث كان يتوقع كما يقول : أن يبدأ حسنى مبارك عهدة بالإفراج عن قتلة السادات ..

هكذا ..

أين حدث هذا إن شاء الله ؟..

واستنادا إلى أي شرع أو دين أو فكر ؟ …

قتل رئيس الدولة وسبعة معه، يؤدى إلى براءة المتهمين ؟

لماذا لا يكمل إذا سلسلة مقالاته، ويبوح بما يعتمل في صدره، ويطالب لهم بأوسمة؟

يبدو أن الكاتب يعيش في "الباى باى" ويتخيل أوهاما دينية لا سند لها إلا الإرهاب، ولا شفيع لها إلا مرض النفوس، شفاه الله منه وعافاه ..

عندما قتل عبد الرحمن بن ملجم الإمام عليا، تولى أمره عبد الله بن جعفر بن أبى طالب فقطع يديه، وقطع رجليه، وسمل عينيه، وقطع لسانه، ثم قتله، ثم صلبه وأحرق جسده ..

هذا عن قاتل على إمام المتقين .

في عهد أبى جعفر المنصور، كتب الأديب الرائع ابن المقفع "رسالة الصحابة" ناصحا له، فماذا كان جزاء النصيحة، مجرد النصيحة ؟

اختلفت الرواية يا أستاذ عباس ..

رواية تقول إنهم قطعوا جسده قطعة قطعة، وأخذوا يشوون القطع على النار ويطعمونه إياها حتى مات ..

ورواية أخرى أنهم أحرقوه في التنور .

والحديث طويل، وأئمة الفقه الأربعة كان مسموحا لهم في عهد ازدهار الدولة الإسلامية بالحديث عن الدين، فإذا تجاوزوا إلى شبه السياسة، أو حتى شبه الاختلاف الفقهي مع فقهاء الخليفة، نالوا ما نالوا من جلد وضرب وتعذيب الأمام "أبو حنيفة" جلد لرفضه ولاية القضاء، وقيل انه مات بعد أن دسوا له السم ..

الإمام مالك، جلدوه وهو عار ولم يستروا عورته، إمعانا في إذلاله، حتى خلعت كتفه وامتنع عن الذهاب للمسجد بعد ذلك، خجلا من الناس، حتى توفاه الله..

الإمام ابن حنبل، عذب وجلد لرأيه في خلق القرآن، على خلاف رأى  المعتزلة، الذي أقتنع به الخليفة المأمون ..

الإمام الشافعي ، تربص به تلاميذ الفقيه فتيان، فقيه السلطة، وضربوه حتى مات ..

والسلسلة طويلة ..

الإمام زيد بن على إمام المذهب الزيدى، قتل وصلب جثمانه .

الإمام ابن تيميه، خرج من سجن إلى سجن حتى مات فلتحمد الله يا أستاذ عباس على أنك تعيش في عصر، غير العصر الذي تدعو إليه، وتظللك الديمقراطية الوارفة بظلها الظليل، ويحميك القانون " الوضعي " مهما تجاوزت، وتكفل لك الدولة " المدنية" أن تكتب ما تكتب وأنت آمن

وإذا لم تستح فاكتب في جريدة "الشعب "

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

من مواطن مشاعري إلى الرئيس مبارك "4"

 

 

سيادة الرئيس

كل سنة وأنت طيب

كل عام وأنت أكثر صحة، فصحتك صحة لأمتك..

كل عام وأنت أكثر قوة، فقوتك ذخر لوطنك ..

أليس هكذا يجب أن تكون الأمور يا سيدي ؟؟ ..

كان هذا حديثا لشخصك..

*****

فلنعد الآن إلى حديثنا العام الذي لا يعبر فيه ضمير المتكلم عنى ولا كاف المخاطب عنك، ولا المضارع مضارعا لأن ما يحدث الآن قد حدث بذاته قبل ذلك ومضى، ولا الماضي ماضيا لأن ما حدث  قبل ذلك ما يزال.

أنا الأمة وأنت الحاكم الرئيس الملك الأمير الخليفة .

أنا العبد الأجير وأنت المالك الآجر القادر وأنا المقدور على .

فهل تغفر لكنني ذنبي يا سيادة الرئيس إن جرؤت وشككت فيك ..

لقد شك الأنبياء أنفسهم في الله حتى هداهم إليه .

والإمام الغالي يقول إن الشك قنطرة اليقين .

ويوم القيامة سننادى بأسماء أمهاتنا[2] لأنه ما من أحد يدرك على وجه اليقين أن أباه أبوه  حتى الأنبياء لم تخل سيرتهم من قصة إفك، وزوجة الحسن رضى الله عنه قد دست له السم في طعامه .

******

فاغفر لكنني يا سيدي الرئيس إذن أن أشك فيك، فالمرء أحيانا يشك في نفسه، بيد أن علاج ما في النفس من شك، لا يتم ولوج أبوابه إلا عبر طريق طويل يعبّده الصدق، لا صدق اللسان فهذا هين، وإنما الصدق مع النفس وهذا لعمرك من أشق الأمور وأصعبها، ثم إنني أحذرك من مراوغة الحقيقة التي تغرينا بسهولتها وأنها قبض أيدينا لكننا ما نلبث حتى نكتشف أن أيدينا لا تقبض إلا على ضلال، أجل أحذرك من مراوغة الحقيقة حتى إن جاهدنا أن نبلغ أعلى مراحل الصدق التي تستطيع الوصول إليها، فما بالك يا سيدي إن كذبنا .

فدعني يا سيدي أحكي لك عن واقعة دفعتني للشك في عقلي وما تزال، فعندما قرأت بروتوكولات حكماء صهيون منذ ثلاثين عاما سخرت منها كثيرا ثم وضعتها في مكتبتي في رف للكتب التافهة التي تحوى كتب السحر والشعوذة والخرافة، وأخذ هذا الرف يتضخم بعد ذلك بكتب مئات الكتاب والصحفيين والساسة ومذكراتهم ثم مر بنا الزمن أو على الأحرى مرّ علينا فسحقنا، بدد شملنا وفرق جمعنا وأهدر بين أمم الأرض دماءنا، فإذا ما ظننت أنه شعوذة وخرافة هو بعينه  ما يحدث لنا بتفاصيل أحيانا يعجز العقل معها عن التفكير والاستيعاب، إنها كآلة الزمن تكشف لنا عما سيحدث لنا، وضعتني وأنا أعيد قراءتها أتنبه لأول مرة إلى تعليق  مفكر عملاق هو العقاد عليها بقوله :" الأمر الذي لا شك فيه هو أن لسان الحال أصدق من لسان المقال وأن السيطرة الخفية قائمة بتلك البروتوكلات أو بغيرها "

فلو أننا تنبهنا حينئذ.

ولو أننا ونحن نقرأ الآن لا تأخذنا نعرة الرفض والتكذيب غير متخيلين أن هذا الذي يراد بنا يمكن أن يحدث لنا، لأنه حدث فعلا ويحدث ولسوف يستمر إذا لم نعتبر .

فلنقرأ إذن مقتطفات من بروتوكولات حكماء صهيون :

***

إننا نخشى تحالف قوتهم الحاكمة مع قوة الرعاع العمياء غير أنا قد اتخذنا كل الاحتياطات لنمنع احتمال وقوع هذا الحادث، فقد أقمنا بين القوتين سدا قوامه الرعب الذي تحسه القوتان كل من الأخرى..

هل لاحظت يا سيدي أنك هنا أنت الحاكم وأنا الرعاع ؟ ..

وهل رأيت ما يخشاه أعداؤنا منا ؟ ألم أقل لك إن علينا أن نحب بعضنا وأن نجعل الثقة جسرا بيننا بدلا من كل هذا التوجس والترقب .

واصل القراءة معي يا سيدي، طال عمرك، واتسع صدرك، وعظم صبرك .

" سنختار من بين العامة رؤساء ممن لهم ميول العبيد، ولن يكونوا مدربين على فنون الحكم، ولذلك سيكون من اليسير أن يمسخوا قطع شطرنج ضمن لعبتنا "..

 أرأيت مدى بذاءتهم يا سيدي لكن بذاءتهم ليست شاغلنا الآن فلنواصل القراءة إذن .

" لقد وضعنا في مكان الملك كاريكاتيرا  في شخص  رئيس يشبهه وقد اخترناه من الدهماء بين عبيدنا "

ناشدتك الله يا سيادة الرئيس : ألم ينجحوا عند بعض أشقائنا ؟

" يومئذ لن نكون حائزين في أن ننفذ بجسارة خطتنا التي سيكون دميتنا مسئولا عنها ".

" ولكي نصل إلى هذه النتائج سندير انتخاب أمثال هؤلاء الرؤساء ممن تكون صحائفهم السابقة  مسودة بفضيحة أو صفقة سرية مريبة إن رئيسا من هذا النوع سيكون منفذا وفيا لأغراضنا لأنه سيخشى التشهير وسيبقى خاضعا لسلطاتنا .. إن مجلس ممثلي الشعب سينتخب الرئيس ويحميه ويستره، ولكننا سنحرم هذا المجلس سلطة تقديم القوانين وتعديلها " ..

"هذه السلطة سنعطيها الرئيس المسئول الذي سيكون ألعوبة خالصة في أيدينا وفى تلك الحال ستصير سلطة الرئيس هدفا معرضا للمهاجمات المختلفة ولكننا سنعطيه وسيلة للدفاع وهى حقه في أن يستأنف القرارات محتكما إلى الشعب، أي أن يتوجه الرئيس إلى الناس الذين هو عبيدنا العميان وهم أغلبية الدهماء ".

رحمتك اللهم …

أهذا إذن ما وراء الاستفتاءات والانتخابات المزورة ؟.

يا إلهى

لقد حدث شئ من هذا مع جورباتشوف، حاكم  قوة عظمى ظلوا وراءها حتى انهارت .. فكيف لا أخشى حدوث مثله مع حكام أوطانى، وأوطانى أضعف بكثير .

يا سيدي والله لا أحمل عليك إلا خوفا على الأمة وأنت منها، على رأسها .

الأحكام العرفية وقوانين الطوارئ

فلنواصل سيدي قراءة بروتوكولاتهم :

" إلى ذلك سنعطى الرئيس سلطة إعلان الحكم العرفي، وسنوضح هذا الامتياز بأن الحقيقة هيأن الرئيس لكونه رئيس الجيش يجب أن يملك هذا الحق لحماية الدستور الجديد، فهذه الحماية واجبة لأنه ممثلها المسئول"..

" سيكون حقا لرئيس الجمهورية أن يعين رئيسا ووكيلا لمجلس النواب ومثلهما لمجلس الشيوخ وسنستبدل بفترات الانعقاد المستمرة  للبرلمانات فترات قصيرة مدة شهور قليلة . وإلى ذلك سيكون لرئيس الجمهورية باعتباره رأس السلطة التنفيذية حق دعوة البرلمان وحله . وسيكون له في حالة الحل إرجاء الدعوة لبرلمان جديد ولكن لكيلا يتحمل الرئيس المسئولية عن نتائج هذه الأعمال المخالفة للقانون مخالفة صارخة من قبل أن تبلغ خططنا وتستوى، سنغرى الوزراء وكبار الموظفين الإداريين الآخرين الذين يحيطون بالرئيس قلبي يموهوا أوامره بأن يصدروا التعليمات من جانبهم، وبذلك نضطرهم إلى تحمل المسئولية بدلا من الرئيس، وسننصح خاصة بأن تضم هذه الوظيفة إلى مجلس الشيوخ أو مجلس شورى الدولة أو إلى مجلس الوزراء، وأن لا توكل إلى الأفراد وبإرشادنا سيفسر القوانين التي يمكن فهمها بوجوه عدة . وهو فوق ذلك سينقض هذه القوانين في الأحوال التي نعد فيها هذا النقض أمرا مرغوبا فيه، وسيكون له أيضا حق اقتراح قوانين وقتية جديدة بل له كذلك إجراء تعديلات في العمل الدستوري للحكومة محتجا لهذا العمل بأنه أمر يقتضيه سعادة البلاد ".

" وإنهم يقنعون الناس عن طريق وكلائهم بأنهم إذا أساءوا استعمال سلطتهم ونكبوا الدولة فما أجريت هذه النكبة إلا لحكمة سامية ".

حكمة سامية .. كيف يقول بعد ذلك قائل أن أوراق اللعبة كلها تجمعت عنده وإنه هو وحده الذي يعرف ماذا كان يمكن أن يحيق بالبلاد من خراب لو اتخذت طريقا آخر غير طريقه أو اتبعت رأيا أخر دون رأيه ؟ وما أي رأى نرفض وما كل رأى نرفض، لكننا ندرك أن خديعة فرد يقود قطعيا من النعاج سهلة . وأننا نحتاج لعقول الأمة جمعاء قلبي نقف ضد تدبيرهم .

* واصل معي يا سيدي قراءة بروتوكولاتهم :

"إن ضخامة الجيش وزيادة القوة البوليسية ضرورتان لإتمام خططنا، وإنه لضرورة لنا قلبي نبلغ ذلك ألا يكون إلى جوانبنا إلا طبقة صعاليك ضخمة، وكذلك جيش كثير وبوليس مخلص لأغراضنا " 

" يجب علينا أن نكون مستعدين لمقابلة كل معارضه بإعلان الحرب على جانب ما يجاورنا من بلاد تلك الدولة التي تجرؤ على الوقوف في طريقنا . ولكن إذا غدر هؤلاء الجيران فقرروا الاتحاد ضدنا فالواجب علينا أن نجيب على ذلك بخلق حرب عالمية " يا إلهى أليس هذا ما يحدث الآن ؟؟!!

بل … أليس هذا ما حدث فعلا .

"بإيجاز، من أجل أن نظهر استعبادنا لجميع الحكومات سوف نبين قوتنا لواحدة منها متوسلين بجرائم العنف والإرهاب، وإذا اتفقوا جميعا ضدنا فعندئذ سنجيبهم بالمدافع الأمريكية أو الصينية أو اليابانية "..

الخلاف فقط في أن المدافع صينية وليست روسية، وأغلب الظن أن مدافع الصين ستضرب غدا، في بغداد أو القاهرة أو دمشق وكل عبد يرفع رأسه ستقطع…

الصحافة

:لقد سقطت صحافتهم في أيدينا، ومن خلالها أحرزنا نفوذا وبقينا نحن من وراء ستار"..

" تقوم الصحافة بتهيج العواطف الجياشة في الناس، ومعظم الناس لا يدركون أغراضنا الدقيقة أقل إدراك، إننا سنسرج الصحافة وسنقودها بلجم حازمة "

" أما الصحف الحزبية التي لن تردعها العقوبات فإننا في الخطوة التالية سنعطلها ".

لله درك يا عقاد

حتى لو لم تكن البروتوكولات موجودة، أليس هذا هو ما يحدث لنا ؟..

ألهذا إذن تصادر الصحف وتغلق ؟..

ألهذا حوربت " الشعب " فأعاقوا أن تصدر يومية ؟ ..

لكن .. فلنواصل :

" وبهذه الوسيلة سنعادل التأثير السئ لأية صحيفة مستقلة، ونظفر بسلطان كبير جدا على العقل الإنسانى ".

" وفى الصف الأول سنضع الصحافة الرسمية، وستكون دائما يقظة للدفاع عن مصالحنا، ولذلك سيكون نفوذها على الشعب ضعيفا نسبيا، وفى الصف الثاني سنضع الصحافة شبه الرسمية التي سيكون واجبها استمالة المحايد وفاتر الهمة "

" وستكون هذه الجرائد مثل الإله الهندي (فشنو) لها مئات الأيدي، وكل يد ستجس نبض الرأي العام المتقلب، ومتى ازداد النبض فإن هذه الأيدي ستجذب الرأي العام نحو مقصدنا لأن المريض المهتاج الأعصاب سهل الانقياد وسهل الوقوع تحت أي نوع من أنواع النفوذ "

" وبفضل هذه الإجراءات سنكون قادرين على إثارة عقل الشعب وتهدئته في المسائل السياسية، وسنكون قادرين على إقناعهم أو بلبلتهم بطبع أخبار صحيحة أو زائفة، حقائق أو ما يناقضها، وإن الأخبار التي سننشرها ستعتمد على الأسلوب الذي يتقبل به الشعب هذه الأخبار وسنحتاط دائما لجس الأرض قبل أن نسير عليها"..

ائذن لي يا سيادة الرئيس أن أتذكر مقالات بعض كبار كتابنا : اعتماد خورشيد، أنيس منصور، إبراهيم سعدة، عبد العظيم رمضان .. وعشرات وعشرات .. ماذا أفعل يا ربى إن سبق أجلهم أجلى ؟؟ هل أقرأ الفاتحة على أرواحهم أم اقرأ بروتوكولا من البروتوكولات…؟

لا أدرى والله … فلنترك ذلك إذن لنواصل قراءة البروتوكولات :

" أي إنسان يرغب في الاحتفاظ بمنصبه سيكون عليه كي يضمنه أن يطيعنا طاعة عمياء ".

أمن أجل هذا إذن ؟؟؟؟!!

كل هذا العار وكل هذا البؤس وكل هذه الهزائم وكل هذا الاستعداد للعيش بلا كرامة لأنهم يريدون الاحتفاظ بالوظائف ؟ .

" سنتنكر لكل نوع من أنواع التذمر والسخط وسنعاقب على كل إشارة تدل على البطر عقابا بالغا في صرامته حتى يكون عبره للآخرين "..

حقا حقا : والسلسلة طويلة، وهى إن بدأت بسيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين لم تنته بخالد الإسلامبولى ولا سليمان خاطر ولا سعد إدريس حلاوة، ولا بعشرات ومئات وآلاف وملايين يدفعون ذات الثمن في سبيل الله ..

" سنقصر رجال الدين وتعاليمهم له على جانب صغير جدا من الحياة، وسيكون تأثيرهم وبيلا سيئا على الناس حتى إن تعاليمهم سيكون لها اثر مناقض " ..

ألهذا حوصر أمثال الشيخ محمد الغزلي وأوذوا في سبيل الله أفسح المجال كله  لغيرهم فساد الجهل وعمت السطحية وقاد الغباء فعم البلاء .

" سنعتقل الناس الذين يمكن أن نتوهم منهم الجرائم السياسية توهما عن صواب كثيرا أو قليل، إذ ليس أمرا مرغوبا فيه أن يعطى رجل فرصة الهرب مع قيام مثل هذه الشبهات خوفا من الخطأ في الحكم . ونحن فعلا لن نظهر عطفا لهؤلاء المجرمين، وقد نعتد بالظروف المخففة في الجرائم العادية، ولكن لا ترخص ولا تساهل مع الجريمة السياسية " 

يا إلهى …

مرة أخرى من أعمق أعماق الألم … يا إلهى …

هل قرأ الودعاء الطيبون من ضباط مباحث أمن الدولة هذا ؟ ..

هل قرأه وزير الداخلية المؤمن وعلامة صلاة كبيرة تتصدر جبهته لتشهد له أو عليه يوم القيامة ؟ ..

هل قرأته أنت يا سيادة الرئيس ؟ ..

لماذا إذن يا سادتي -  فكلكم سادتي – تكون أعظم آمال المعتقلين السياسيين جموحا أن تساووهم في التعامل بالسجناء الجنائيين، باللصوص والقتلة والمجرمين وهاتكي الأعراض ؟

ومن أوحى بفعل هذا ولماذا أطعتموه؟؟

ها هو مكتوب أمامكم فاقرؤوه ……

واقرؤوا أيضا :

" ولكن ننزع عن المجرم السياسي تاج شجاعته سنضعه في مراتب المجرمين الآخرين بحيث يستوي مع اللصوص والقتلة والأنواع الأخرى من الأشرار المنبوذين المكروهين. وعندئذ سينظر الرأي العام عقليا إلى الجرائم السياسية في الضوء ذاته الذي ينظر فيه إلى الجرائم العادية وسيصمها وصمة العار والخزى التي يصم بها الجرائم العادية بلا تفريق "

" إن تمردهم ليس أكثر من نباح كلب على فيل، في الحكومة المنظمة تنظيما حسنا من وجهة النظر الاجتماعية لا من وجهة نظر بوليسها، ينبح الكلب على الفيل من غير أن يحقق قدرته، وليس على الفيل إلا أن يظهر قدرته بمثل واحد متقن حتى تكف الكلاب عن النباح، وتشرع في البصبصة بأذنابها عندما ترى الفيل "..

أهذا تفسير ما فعلوه مع صدام حسين، وكلنا بالنسبة لهم صدام حسين إلا من يبصبص لهم بذنبه ؟

" سيعظم سلطاتنا فيصير استبدادا يبلغ من القوة أن يستطيع في أي زمان وأي مكان سحق الساخطين علينا "

أرأيت يا سيدي ؟ من كان يظن أن يدين لهم الشرق والغرب كما يدين لهم الآن؟

منذ عشرة أعوام فقط من هو المجنون الذي جرؤ على تخيل أن تكون لهم كل هذه السلطة فيما كان الاتحاد السوفيتي وأوربا الشرقية ؟ ..

" إن أي حكومة منفردة لم تكن لها سندا من جيرانها حين تدعوها إلى مساندتها ضدنا، لأن كل واحدة منها ستظن أن أي عمل ضدنا هو نكبة على كيانها الذاتي "..

حقا حقا ..

" إن المشكلة الرئيسية لحكومتنا هي كيف نضعف عقول شعبهم بالانتقاد، وكيف نفقدها قوة الإدراك التي تخلق نزعة المعارضة، وكيف تسحر عقول العامة بالكلام الأجوف "..

هل ما زالت هذه مشكلة أم حللتموها ..؟

" إننا سنعرف كل شئ دون مساعدة البوليس الرسمي الذي يبلغ إفسادنا إياه عليهم أنه يحجبهم عن رؤية الحقائق " ..

اللهم رحمتك … عفوك …

" إنني أستطيع في ثقة أن أصرح اليوم بأننا أصحاب التشريع المتسلطون على الحكم المقررون للعقوبات، وأننا نقضي بإعدام من نشاء ونعفو عمن نشاء، ونحن أولو الأمر الأعلى في جميع الجيوش "..

" أستطيع الآن أن أؤكد لكم أننا على مدى خطوات قليلة من هدفنا، ولم تبق إلا مسافة قصيرة كي تتم الأفعى الرمزية – شعار شعبنا – دورتها "

… يا إلهي …

… يا إلهى …

كل هذا يريدونه بي وبحكامي ؟ ..

ألا خسئوا …

سيدي الرئيس …

بل سادتي الرؤساء والملوك . يا جلالة يا فخامة يا معالي يا سمو يا خليفة يا مالك يا قادر :

أدفع عمري لتقرءوا هذه البروتوكولات وتعتبروا بها وتحتاطوا لما يراد بنا .

إنها ليست بيانا من أحزاب المعارضة كي تسفهوه وتحجموه وتنشروه في صحفكم مشوها ثم تردوا على ما شوهتم لا على البيان نفسه.

إنه مستقبل أمم ودين وحضارة أنتم القيمون عليه، هذا قضاؤنا فيكم فاستمعوا لنا.

إن الصهيونية ليست دينا وإنما فكر، وبعض المتعصبين من أتباع الدين المسيحي يعتنقون هذا الفكر بإقرارهم بأنفسهم، وما جونسون وتشرشل إلا مثلا،  بيد أن الكارثة ليست في ذلك بل في المسلمين الصهاينة، فأستحلفكم بمن سيحاسبكم يا سادتي يوم لا أمن مركزي يحميكم ولا حرس وطني يدفع عنكم ولا مخابرات أمريكية تنبئكم بدبيب النمل في بلادكم، ولا رؤساء تحرير صحف على استعداد لأن يهاجموا في المساء بكل شراسة ما أيدوه في الصباح بكل حماسة، أستحلفكم يا سادتي أن تفتشوا عن الصهاينة المسلمين داخلنا، لا تتركوا مكانا، حتى داخل أنفسكم لا تتركوه فقد يكونوا قد تسربوا إلى دمائكم تسرب الشيطان، فتشوا في بعضكم البعض فتشوا في رؤساء وزرائكم وكبار قوادكم وأمناء أحزابكم وفى مستشاريكم وفقهائكم وكتابكم ورجال مخابراتكم وأجهزة أمنكم، وحتى شيوخكم لا تتركوهم، فالله ما كان يرضى لخير أممه كل هذا الهوان وكل تلك المذلة ما لم يكن الكل مشكوكا فيه . فتشوا عنهم لكن احذوا أن يكون القائمون بالتفتيش هم أنفسهم الصهاينة فيكم، فأولئك سيضللونكم، سوف يؤلبونكم على أفضل من فيكم ومن فينا، حتى نأكل بعضنا بعضا ويستريحوا هم منا، سوف يزينون لكم الخيانة باسم التحضر، والانحلال باسم الرقى، وهجران الدين باسم عدم التعصب، والعبودية باسم الحرية، وسوف يجعلونكم تفعلون أسوأ ما يمكن أن يفعل وأنتم تتشدقون باسم المبادئ والنظام الجديد .

حاولوا … إن لم تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير

ومهما يحدث الآن فإنني أظن أن التاريخ لن يغفل الحقائق الآتية : 

* أن التكليف الذي لا نملك فيه اختيارا هو أن نتحد .

أن الغرب والصهاينة يفرضون علينا الذل والخضوع والاستسلام باسم السلام، لكن الله كتب علينا القتال وهو كره لنا، وإن العالم الإسلامي يمكنه لو أتحد ألا يقهر إسرائيل فحسب بل أن يقهر الحضارة الغربية كلها .

* وإنه بعد انهيار الكتلة الشيوعية فإنه قد آن للإسلام أن يسترد بضاعة سرقت منه في غفلة من أبنائه، فإن عشاق العدل الاجتماعي مكانهم الإسلام وليس أي نظام أرضى آخر، إن مئات الملايين من الثوار في جميع أنحاء العالم والذين تصدعت أفئدتهم إزاء انهيار فردوسهم الأرضي سيتجهون إلى مكانهم الحقيقي بين المسلمين حيث لا يتصدع فؤاد ولا ينهار فردوس.

* إن العدل الإلهي حق والقصاص حق، وإنه كما يحيق بالأفراد يحيق بالأمم، ولعل ما يحدث للعراق ولصدام حسين الآن قصاص لما حدث مع إيران، وأظن قصاصا آخر سيأتي لما يحدث الآن للعراق وليبيا . قصاص أدعو الله أن يقتصر على الحكام لا الأمم .

* أظن أنه من حق العالم كله – لا العالم الإسلامي فقط أن يتساءل عما إذا كان بوش وميجور أفضل حقا وأقل ووطأة على البشرية من هتلر وموسولينى، وهل كانت حضارة التتار والمغول والبرابرة أكثر وحشية من حضارة الغرب؟؟ .

  إن موقف الجغرافيا في العالم الإسلامي يجب أن يعاد تقييمه، أن يعاد النظر في دور بلاده في حماية الأمن الإسلامي أو تهديده . إن الأمر لم يعد يقتصر على وجوب البحث عن مدى شرعية نظم الحكم في العالم العربي والإسلامي، بل أصبح من اللازم أن يتعدى ذلك، ليس لمجرد بحث شرعية وجود بعض الدول التي شكلت على مدى تاريخها تهديدا مستمرا لوجود الأمة ككل، وعونا لأعدائها، وخيانة لمستقبلها. يتعدى الأمر كل ذلك إلى ضرورة البحث في حق الحكام في الاستمرار في تفتيت الأمة، معرضين كل مستقبلها للضياع، مستأجرين بثروة الأمة أعداء الأمة لقتل الأمة.

سيدي الرئيس :

دعنا من موقفك من صدام، دعنا منه الآن فقط، فالتاريخ لن يدعك، وأظنه مقارنا موقفك بموقف الملك العاضد والخديوي توفيق، لكن دعنا من هذا كله الآن لنتساءل، لنضع افتراضا يفيدنا فيما هو قادم، لنفترض أن صدام لم يغز الكويت، لنفترض أنه لم يوجد على الإطلاق، أتحسب حقا أن أمريكا وبريطانيا وإسرائيل كانوا تاركينا ؟ لنفترض أيضا أن السعودية والكويت والخليج لم يدفعوا لهم تكاليف حربهم علينا، أكان يمكنهم تحقيق كل هذا النصر علينا، لنفترض أن نصف حكامنا على الأقل لم يكونوا عونا لهم علينا، أكان يمكنهم تحقيق كل هذا النصر علينا، لنفترض أن نصف حكامنا على الأقل لم يكونوا عونا لهم علينا، أكان يمكن أن يجرعونا كل هذه المذلة وكل هذا الهوان ؟

* سيدي الرئيس:

ألم تفكر أبدا أن تعاتب أشقاءك في المملكة العربية السعودية، من يحملون شرف خدمة الحرمين، أن تعاتبهم لأنهم في تاريخ المملكة كلها لم يرفعوا أبدا سيفا إلا على مسلم ؟

أبدا ..

على الإطلاق .

أفأدعو لهم بدعاء  سيدي وحبيبي وشفيعي يوم القيامة : اللهم اغفر لهم فإنهم لا يعلمون ؟ ..

أم تراهم يعلمون ..

* سيدي الرئيس :

لماذا لم تقل لأخوتك هناك إنه لا يكفى أن يسمى أحدهم نفسه خادم الحرمين ويقعد .

ذلك أن خدمة الحرمين ليست سقاية حجيج ولا مد طرق ولا تكييفا مركزيا ولا حتى غسل الكعبة، خدمة الحرمين واجب هائل تجاه الإسلام والمسلمين . لن أتحدث الآن عن استدعاء ما كان يجب أن يكون، وإنما أتحدث عن مسلمين في بلد اسمه العراق تسفح كرامتهم ويموتون جوعا وتدمر كل إمكانياتهم الحضارية والعسكرية، عن تدمير مجمع الأثير النووي، وهو مجرد مشروع تجارب، وعلى مرمى جمرات منا مائتا قنبلة نووية في إسرائيل لكنهم يا سيدي – مثلك – لم يحركوا ساكنا، لكنهم ليسوا مثلك فهم خدام الحرمين وعليهم واجبات فوق واجباتك.

يا إلهى … لقد وقفتم ضد إيران مظلومة ومعها ظالمة .

عندما تصدت طائرات العراق لغارة إيرانية احتجت الأمم المتحدة على دفاع العراق عن نفسها.

أي ذل وأي مهانة …

لماذا لم تقل - يا سيادة الرئيس -  للآخرين أن تحمل الذل والمهانة تجنبا لمزيد من الذل والإهانة لا يسفر إلا عن المزيد من الذل والإهانة .

لماذا لم تقل لهم إن الحرص الذي يذل أعناق الرجال لا يبقى لهم أبدا ما قد حرصوا عليه .

ولماذا لم تقل لإخوتك الهلوعين المفزوعين على عروشهم وإماراتهم إنهم في ذات اللحظة التي استدعوا فيها أعداء أمتهم لتوطيد أركان ملكهم قد نزعوا أوتاده وقطعوا حباله ليفقدوا شرعية حكمهم أمام أمتهم، وأمام التاريخ، وإنهم إن لم يدفعوا الثمن بأنفسهم فسيدفعه أبناؤهم فلذات أكبادهم وإن هذا الثمن هو ذات الثمن الذي دفعه شاوسيسكو ويدفعه هونيكر .

لماذا لم تقل لهم وللعالم يا سيدي الرئيس إن مجلس الأمن هو الحكومة العالمية التي تنبأت بها بروتوكولات حكماء صهيون، حكومة عالمية يحكم بها اليهود العالم، إن بوش وريجان وجونسون، وتاتشر ليسوا إلا وكلاء لهذه الحكومة الخفية، كذلك جورباتشوف وشيفرنادزة وكيسنجر وبيكر، وإنه من واجبنا أن نتصدى لهذه الحكومة العالمية الخفية لا أن نستسلم لها، فلقد استخلفنا على الأرض من أجل هذا وبعثنا من أجله ؟

* سيدي الرئيس :

سيدي :

لأنني أحب الله والوطن وأحبك أتحدث إليك أنت.

لا أقولها لك نفاقا، فأنا أعترف بيني وبين نفسي بأنك واحد من أفضل حكام العرب والمسلمين[3]، أنت، يا من حارب وانتصر، أعرف - وأرجو ألا أكون مخطئا - أن قلبك كان ينزف وأنت تجرد حملتك العسكرية إلى الخليج، وانك حاولت أن تتجنب ذلك، لكن محاولتك كانت متأخرة عشر سنوات على الأقل ..

وأعرف أن قلبك يتمزق وأنت تنفذ قرارات الحكومة العالمية – مجلس الأمن – على ليبيا  لكن ما يدفعك إلى ذلك ليس قدرا نحني له جباهنا، بل وإنني أظن فوق ذلك كله أنك لم تفعل هذا كله إلا لظنك أنك تجنب به أمتك الثبور والويل، وهذا بالضبط ما أراك مخطئا فيه وما أظنهم خدعوك به، فالويل والثبور في مطاوعتهم لا في معارضتهم، لأنهم – أولئك الذين يدعون الحضارة – ليسوا إلا برابرة همجا، وهم أبناء أكثر الحضارات إجراما في التاريخ، وهم لم يوفوا بعهد، ولم يدعوا منكرا إلا ارتكبوه، ولقد أخافوك وما كانوا صادقين، ثم وعدوك وكانوا كاذبين.

سيدي الرئيس

لم ترضخ إسرائيل لقرارات حكومتها العالمية – مجلس الأمن – فلماذا نرضخ نحن ؟ لماذا نقبل الدينية في ديننا ؟ عجزت إسرائيل عن فرض اتفاقية على لبنان فلماذا نجحت معنا ؟ وهرعت أمريكا هاربة من بيروت بعد عملية فدائية واحدة فلماذا لم نتعلم ؟

وقد وعدوا العالم العربي بحل مشاكله بعد أن يساعدهم على اغتصاب العراق، لكن هاهم أولاء يستديرون لحل العالم العربي لا لحل مشاكله .

وغازلوا سوريا كي ترفع نقاب العروبة الذي ارتدته ثلاثين عاما فلما رفعته تربصوا بها وسيضربونها بعد ليبيا .

الحقائق واضحة كالشمس، وقد قلناها لكم منذ أعوام وأعوام، الدورات على الجميع وسوف يخدعكم بوش كما خدعكم دائما .

والدورات على مصر أيضا .

هل تصدقونهم يا سيدي أن نكسة سنة 67 كان بسبب خليج العقبة..

أو أن ضرب العراق سنة 91 كان بسبب الكويت

أو أن ضرب ليبيا سنة 92 هو بسبب لوكيربى

أو أن ضرب سوريا سنة 93 هو بسبب …

أو …… أو … أو ………؟؟!!

أما آن لكم يا سيدي أن تدركوا أنه مخطط عمره ألف عام يتحينون له الفرص فإن انعدمت خلقوها ؟

* سيدي الرئيس:

أقسم لك بمن سيكشف عنك غطاءك إنني أرجو لك الخير وأرجوه منك، على يديك لأنك بالرغم من كل شئ منا لا منهم .

وأناشدك الله أن تجيبني أو حتى تسر لنفسك بالإجابة عن سؤالي لك:

لو كنت أنت مكان بوش : هل كنت ترتاح لقيادة حسنى مبارك لمصر، قلب العروبة ودرع الإسلام وجذوة الضمير الحي الذي قد يغطيه الرماد لكنه لا يخبو . هل كنت تأمن له ؟

أنا أجيبك يا سيدي :

لو أنني كنت بوش لكنت سعيدا جدا بجل زعماء وحكام وملوك وأمراء وسلاطين العرب والمسلمين، ولتوجست دائما من مصر، فهي التي كانت تنهض دائما في النهاية لتحمى العرب والمسلمين، فعلت ذلك مع التتار والمغول ومع الصليبين أجداد بوش وشامير، فالدولة نفسها غير مأمونة، ورئيسها أيضا غير مأمون، لأنه ليس خائنا كالآخرين لوطنه، وقد أستطيع بين الوعد والوعيد أن أحجم دوره، وقد أستطيع خداعه بعض الوقت، لكنه في النهاية لا بد سيتمرد  علينا، وساعتها سيقود المنطقة كلها ضدنا، لذلك فإنه قد يصلح لمرحلة نشغله فيها عن نفسه بالديون والهموم ثم ننهى دوره.

* سيدي الرئيس :

هل تعلم من أختاره لمصر رئيسا لو كنت بوش

إبراهيم سعدة ……

أنيس منصور ……

يوسف والى ……

سمير رجب ……

عبد الهادي قنديل ……

زكى بدر …………

وعشرات ………

ومئات وألوف ………

لكن اسم حسنى مبارك ليس فيهم

عام سعيد يا سيدي …

وأرجو أن تسمح لي بمواصلة الحديث – جزئه الأخير – في العدد القادم .

وكل عام وأنت طيب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

الأستاذ الدكتور/ محمد عباس

تابعت مع الشعب المصري كله باهتمام رسالتك إلى السيد رئيس الجمهورية وأحييك على ما أنت فيه من إيمان صادق بالله وعلى أنك لا تحنى رأسك إلا لله .. فهو ممسكها ومرسلها وهو الذي يقبضها وإذا شاء أرسلها .. وتمنيت من كل قلبي لو أن جميع علماء الدين الإسلامي في بلادنا – خاصة علماء السلطة – لو كانوا مثلك ولكن لا نقول إلا حسبنا الله ونعم الوكيل حفظك الله وأكرمك الله ..

ولكنني أسمح لي يا عزيزي أن أوضح لك خطأ بسيطا جاء في الرسالة الرابعة. وهو قولك بأننا سوف ننادى يوم القيامة بأسماء أمهاتنا وهذا غير صحيح لأننا سوف ننادى يوم القيامة بأسماء آبائنا مصداقا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم أحسنوا أسمائكم وأسماء أبنائكم لأننا سوف ننادى يوم القيامة بأسماء أبنائنا فقال سيدنا طلحة : يا رسول الله هناك يوم القيامة مئات طلحة فمن أين أعرف أنى أنا المقصود ؟ قال صلى الله عليه وسلم يا طلحة حينما ينادى على طلحة لن يقوم إلا أنت .. صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم

هذا أستاذي العزيز ما جاء في الحديث الصحيح أردت توضيحه إلى سيادتكم جزاكم الله عنا خير الجزاء

وتحياتي لك ولأسرة "الشعب"

                                                                    أخوك

                                                             عبد المنعم الجابرى

                                                              (مواطن مصري)

 

 

      

 

 

 

 

 

 

 

 


 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

من أنت يا محمد عباس؟

 

من أنت يا رجل أستحلفك بالله..

 ومن أي كواكب وقعت علينا في هذه الآونة الرهيبة المريبة، وما هذه الإمكانات التي خصك الله بها دون مئات الملايين من المسلمين، وكيف جمعتها ؟ ثم كيف ركبتها ؟ والأغرب كيف عرضتها ؟ هل أم أنت مارد  من الإنس أم من الجان؟ هل أنت ملاك ؟ كيف أوتيت الشجاعة .. كل هذه الجرأة .. كل هذا الإقدام ؟ كيف اجتمعت فيك شهامة مئات الملايين من المسلمين وبلاغتهم وفصاحتهم ونبلهم وفضلهم وحسهم، صاروا جميعا خرسا وتحدثت وحيدا بألسنتهم.

كنت كثيرا ما أتساءل : أليس فيكم يا أمة الإسلام رجل رشيد ؟ والرجل الرشيد في التاريخ الإسلامي العظيم هو ذلك الرجل يحذر أمته من ارتياد مواقع التهلكة أو السير في دروبها والانصياع لمدبريها فهل أنت يا بن عباس هذا الرجل ؟

وهل وصل بنا في مصرنا كل هذا الهوان، وكل هذا الضياع ؟ يتلاعب بنا أبناء صهيون حفنة من الملايين من البشر المطاردين في كل بقاع الدنيا المشردين يسوسون العالم ونحن تحت أقدامهم هل منا من قبل هذا الحال ورضى به ؟

كثيرا ما يتساءل المرء : كيف تصاغ القوانين في مجلس الشعب ولماذا لا تكون في صالح الأمة حتى ؟ جاء ابن عباس وفسر ما في بروتوكولات حكماء صهيون ويتساءل المرء كيف لماذا يتقدم أصحاب السوء ويتأخر غيرهم في ارتياد المناصب العليا حتى جاء ابن عباس وفسر.

لماذا يتقدم الراشون والمرتشون والرائشون ويتأخر غيرهم حتى جاء ابن عباس وفسر..

 لماذا يتقدم الفاشلون ويتأخر الناجحون .

لماذا خابت الزراعة، وخاب النحل، وهلكت الصحة، ودخل الإيدز، وضاعت القيم واندثرت المثل العليا حتى جاء ابن عباس وفسر.

أين فكرنا أين عقولنا ؟ مللت من وضع علامة الاستفهام فهي محيرة بل فيها يأس وإحباط فالعلامات كثيرة تحتاج الملايين من ابن عباس ليجيب عليها ولكنه تطوع وصنع توكيلا عاما من مئات الملايين من البشر المنتسبين إلى الإسلام ليتحدث باسمهم، ولعله يكون كالرجل الذي حكى عنه الهادي البشير (ص) ذلك الرجل الذي حذر أمته من هجوم غادر فمنهم من استمع له ونجا، ومنهم من كذبه وهلك .

فيا أمة الإسلام اقرءوا إن شئتم النجاة بروتوكولات حكماء صهيون واحذروها واقرءوا إن شئتم النجاة  برتوكولات ابن عباس وعوها.

اللهم اجعل ساستنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه .

وولى علينا خيارنا لا خيار أبناء صهيون وأذنابهم فهؤلاء الأذناب أشد علينا من أعدائنا قاتلهم الله جميعا بأيدينا ..

 

                                                                  دكتور

                                                               سعد الحلواتى

                                                   مدرس التاريخ الحديث بجامعة الأزهر   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

من مواطن مصري إلى الرئيس مبارك

 

الحلقة الأخيرة

 

 

عام سعيد يا سيدي …

كل عام سعيد يا سيدي …

اقرأ يا سيدي الجزء الأخير من رسالتي إليك..

اقرأها ولا تكتف، ولا تصدق أيضا، رد أبى جهل  عليها ولا تقرير أبى لهب عنها ولا استنكار ابن أبىّ لها .

لا تصدقهم ..

فهم يا سيدي سيقولون في قولي لك ما قد قاله أبو جهل قبل ذلك للمسلمين السابقين …سيقولون مثلما قالوا في محاولات إبراهيم شكري لرأب الصدع بيننا وبين ليبيا وسوريا والعراق، وهو لا يحزننا لكنه يخفينا على مستقبل الدين ومصير الأمة . لا يحزننا ولا ينقص من كرامتنا حتى لو ألقوا الروث على رؤوسنا كما فعل أجداد لهم مع سيد الخلق وأكرمهم عند الله، صلى الله عليه وسلم … وفى المسجد الحرام .. عند الكعبة …

أجل لن يحزننا ما يقولون فأي قائل أكمل من سيد المرسلين وقد قالوا أنه مجنون ؟ وأي كلام أجل من كلام رب العالمين وقد قالوا أساطير الأولين ؟ ..

اسمعنا نحن،  فإن المواطن العادى ذا العقل السليم يستطيع التفكير خيرا من أعظم كتابكم الذين تصدر عنهم أفخم الكلمات بأضخم الأبناط، لكنهم إذ يفعلون  تحولّ عيونهم فعين على سيف المليك وعين على ذهبه.

لقد أكلوا خبزكم فكان عليهم أن يحاربوا بسيفكم، كتاب سوء وعلماء ومسئولي سوء يسخرون مواهبهم لمسخ الدين ومحو الحق، ولتحويل دين الحرية إلى سبيل للظلمة والمستبدين لإحكام قبضة ظلمهم واستعبادهم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم.

اسمعنا فنحن عماد الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء،  فليكن صغوك وميلك معنا، أما خاصتك يا سيدي، فوالله ما من أثقل عليك مؤنة في الرخاء وأقل معونة عند البلاء وأكره للإنصاف واسأل بالإلحاف وأسرع تنكرا عند ملمات الدهر منهم .

اسمعنا فإن الوضع الآن خطير ورهيب، ولقد سقط من التاريخ سبعون عاما فعادت حضارة الغرب قوية ضارية بعد أن استأصلت أورامها النازية والفاشستية والشيوعية، عادت متحدة لتواجه بقايا مهلهلة لإمبراطورية الإسلام التي طالما أرعبتهم .

ولقد كانوا مشغولين عنا فوضعوا أمامنا إسرائيل كالرداء الأحمر أمام ثيران تندفع تجاهه فتجيئا السهام والصواريخ والقنابل من كل خلف .. ليست القضية قضية حدود 73 و 67 و لا حتى  48، ليست القضية وجود إسرائيل كلها،  جديدة وقديمة، وهى قضية لم يكتب لنا النصر فيها ولن يكتب حتى نواجههم متحدين كما يواجهوننا متحدين .. فإسرائيل ليست سوى الرداء الذي يشغل الثور عن عدوه الحقيقي.

اسمعني يا سيادة الرئيس فالغضب في قلب الأمة شواظ نار محرقة لا يخفى ضريمها إلا بحور من اليأس لا من رحمة الله .

اسمعني، فبرغم يقيني أن ليس لها من دون الله كاشفة إلا أنني أوقن أيضا أن الله لن يكشف الضر عنا حتى نغير ما بأنفسنا .

اسمعني فقد اجتويت المقام، لكن ليس لي في الدنيا وطن آخر أعيش وأموت فيه ويعيش فىّ، وليس لي من رئيس سواك أناشده المرة تلو المرة، رغم أنهم يجهدون دائما أن يبعدوني عنك ويبعدوك عنى، ولطالما طمعت فيك  أن تكون راعيا للدين حين تمكنت منه الذئاب وأسلمته رعاته .

يخيل إلى أحيانا أنك تغيرت كثيرا عنك في بدايات حكمك، وانك نسيت، لكنني في ليلة القدر هذا العام وجدتك في التليفزيون فإذ بك تنطق  آيات وددت لو تلوتها عليك، أن أنبهك إليها فقد تكون نسيتها، وأردت أن أذكرك فالذكرى تنفع، لكنك تعرفها إذن، تعلمها، ألا تعلم أيضا أن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه .

وانتهت يومها خطبتك لأفاجأ بنشرة الأخبار وفيها تطلب أنت من مجلس الأمن أن يؤجل قراره بإدانة ليبيا – 24 ساعة – حتى لا يتوافق صدوره مع ليلة القدر.

لماذا تنصحهم بعدم استفزاز الأمة في ليلة مباركة، أخوفا من ثورة الأمة عليهم، أتحذر الأمة أم تخدرها، أحرام في ليلة القدر حلال في غيرها ؟ ..

ماذا يمكنني أن أقول لك، ماذا ؟..

كيف أفهمك وكيف تفهمني ؟..

هل يدهش داهش بعد ذلك إن جاء دفاع مجرم العتبة ليطلب تخفيف الحكم أو حتى البراءة لأن الجريمة وقعت بعد الإفطار لا أثناء الصيام ؟!..

إن رد الفعل العفوي للأمة بالنكتة أو الشائعة لا يقل أهمية عن الفن العظيم، وهو مثل الفن تيار وجداني مواز للواقع وقد يكون أكثر صدقا، ذلك أنه يتخفف من أعبائه وليست عليه تبعاته، ومن هنا تتبدى أهمية دراسة العادات والتقاليد والفلوكلور، فمن خلالها يتم التأثير في المجتمع وفهمه .

لا تأخذوا صمت المجتمع إذن بمعنى الرضا، ولا سلبيته بغرض العزوف، فهو مجتمع ما زال البسطاء فيه يطلقون على الملاريا اسم " المبروكة " وعلى العفريت اسم " بسم الله الرحمن الرحيم" لكنهم أيضا ذات البسطاء الذين تجاهلوا الاسم الحقيقي لصفقة الأتوبيسات – وورد – ليطلقوا عليها في عفوية عبقرية أسم : كارتر معربين للدنيا أنهم يعرفون منبع الفساد ومكمن الخطر.

ومن هذا المنطلق نفسه نستطيع أن نتفهم اشتعال الوجدان الشعبي بحادث العتبة، والذي كان كلحن جنائزي صادف قلب ثاكل، كقصيدة شعر تعبر عن هموم لا يستطيع المهموم نفسه أن يعبر عنها، وربما لا يستطيع أيضا أن يفهم ما في أعماق نفسه حتى تضئ القصيدة له جوانبها المظلمة، جوانبها المرعبة الموحشة التي لم يكن يستطيع مواجهتها ولا فهمها دون القصيدة التي قرأها صدفة، ولقد جاء حادث العتبة ليضرب في لحظة عبقرية على الوتر الصحيح، ليعزف اللحن الذي لم نتخيل أبدا سماعه وليقول الكلمة التي لم نجرؤ على نطقها، وليجسد الوضع النفسي الذي وجدنا أنفسنا فيه، فكان الحادث مفتاح الحل للغز حرنا في فهمه..

لقد كان العراق بالأمس – وليبيا اليوم وسوريا غدا ومصر بعد غد – هي الفتاة. وكان المعوق الذي ساعد – دون أي مبرر – هم من أيدوا الغرب بقلوبهم وأيديهم وكان المغتصب الغرب .

وكان الأربعمائة متفرج هم الأمة التي وقفت ساكتة وعرضها يستباح وبكارتها تفض.

أبعد كل هذا التاريخ من بطش الجهلاء ونفاق العلماء تطلبون الإيجابية من الناس؟..

 ألا يسحق من يفكر مجرد تفكير أن يغير منكرا بيده ..؟

 ألم يفت علماؤكم بأن تغيير المنكر مقصور على ولى الأمر، ما لهم يدينون الأمة إذن وقد دانت لهم بالطاعة ؟ أليست هذه السلبية غرسكم، وذلك الحنظل زرعكم، وذلك القتاد ثماركم ؟

ها هم أولاء رعاياك يا مولاي ساكتون، أنصاف رجال وأشباه بشر .

سكتوا كما سكتوا على العراق وكما يسكتون عن ليبيا اليوم

وأنا يا سيدي والله لست من مريدي القذافى ولا من تابعيه.

لم أقرأ الكتاب الأخضر قط، ولا أعرف حتى الآن شيئا عن النظرية الثالثة ولم يرشني القذافى بمال، فلا تدع كتبتك يتهموني بذلك ظلما كما اتهمت أنت يوسف إدريس ذات يوم وأنت له ظالم ..

لا تربطني به صلة إلا الدين والهوية والأمل والألم واللغة والتراث والتاريخ المشترك والمصير الواحد، وهى كما ترى سمات تجمعني بمن أحب ومن أكره، تجمعني حتى بحكام باعونا، لكن ليس ثمة رباط شخصي، وبالرغم من ذلك،  أو على الأحرى لأجله، وفى عشية 15 أبريل – حين فرضوا على ليبيا الحصار – جافاني النوم، ثقلت على الهواجس والهموم، والله والله والله يا سيدي طلبت الموت، تمنيته على الله، استعدت كلماتك عندما أنذرتنا أن الأيام القوادم سود، تخيلت أنني إن عشت إلى قابل فسوف أصحو ذات ليلة على ضابط أمريكي يطرق باب بيتي يأخذني كي يحاكمني : أنت متهم بالادعاء أن لك ربا غير بوش، وأنك تعادى آلهتنا، وأنك تؤمن برسل غير وزراء خارجيتنا ودفاعنا وأنك ما زلت تؤمن بأساطير الأولين فأقول له : أنى أعترف، فيأخذون أهلي رهائن ثم يأتي " بولدوزر" هائل يحمل نجمة داود يهدم بيتي..

والله يا سيدي أقولها حقيقة لا خيالا أنني أعتقد – إن استمر الحال كما هو – أن يكون محافظ مدينتي في غد قريب أمريكيا في غد غير بعيد إسرائيليا.

ليلة 15 إبريل كنت قد أنهيت كتاب محمد حسنين هيكل عن حرب الخليج، وكان حزني فاجعا، حزن غريب الأبوين ما مخضته بطن، فها هو ذا محمد حسنين هيكل  يستشرف رؤى الإسلام والمسلمين كما لم يستشرفها من قبل، فيصول في التاريخ ويجول ليضع ما يحدث لنا، للعراق وليبيا ومصر في مكانه الطبيعي والحقيقي من بانوراما التاريخ الهائلة، إذ حاول الغرب منذ ألف عام في حروبه الصليبية أن يحطم قلب العروبة والإسلام متمثلا في مصر والشام، لكنه بعد مائتي عام من المحاولات عجز عن تحطيم القلب بالمواجهة فقرر تحطيمه بالالتفاف، بقص أجنحة العالم الإسلامي، وتم له ما أراد بالاستيلاء على الأندلس غربا وعلى الهند شرقا، ومن الهند سيطر على شبه الجزيرة العربية، وليرسم ضابط بريطاني الحدود بين إماراتها وممالكها، تلك الحدود التي شتتت قوانا بالفرقة ثم ضيعتها في عاصفة الصحراء بين الرمال السافيات هباء . ليكون تحطيم العراق وليبيا هو الخطوة الأخيرة مخططهم القديم نحو مصر.

سيدي الرئيس : يذكر هيكل واقعة عن قرارات القمة العربية في القاهرة بعيد غزو الكويت، واقعة فاجعة، الفاجع أكثر أنني – وقد تلاشت التخوم بين العقل والجنون- على استعداد لتصديقها، فالقرارات التي عرضت على الجلالات والفخامات والسماوات كانت ركيكة الصياغة بدرجة تشي أنها ترجمت إلى اللغة العربية على عجل، ولم يكن لدى المترجم الحصافة أو الوقت ليغير التاريخ من أول أغسطس إلى الثاني من أغسطس بالنسبة للعالم العربي وأوربا،  لكن فرق سبع ساعات في التوقيت بيننا وبين واشنطن جعل فجر 2 أغسطس عندنا هو مساء 1 أغسطس عندهم، وكان 1 أغسطس هو التاريخ الذي ورد في مشروع قرارات الجلالات والفخامات والسماوات، كان الأمر واضحا وفاضحا، لقد أعدت قرارات مؤتمر القمة العربية في واشنطن، ولم يكن لديكم من الوقت حتى ما تغيروا فيه فارق التاريخ الناتج عن فرق التوقيت.

ولم يكن صباح 15 إبريل بأمثل  من ليله، كانت السكين التي ذبحتني في العراق تشرع لذبحي في ليبيا، وكنت أفرج كربى بطرحه على زواري، لكن ما وجدته لم يكن دون القتاد شوكا ولا العلقم مرارة .

كان زائري الأول شابا يحمل درجة الدكتوراه  شديد التدين والصفاء وأجابني حين سألته عن رأيه فيما يحدث بأنه شديد السعادة لأن الله يسلط الظالم على الظالم، وأردف موضحا : أليس هذا هو القذافى الذي أنكر الأحاديث وحرف القرآن ؟.

أرأيت يا سيدي ماذا يفعل الإعلام حين يكون غبيا، بذيئا، يشوه وجدان صفوة عقول الأمة من أجل مصالح آنية دنيئة ووضيعة .

أم لعلك نسيت ادعاء الكثير على صدام وأسمائه الحسنى، وعلى القذافى والخميني وجمال عبد الناصر وأحمد عرابي وكل من كفر بإمبراطورية الشر، لا أبرئ أحدا ولا أبرئكم لكنني أدين الكذب أينما كان .

كان زائري الثاني في ذلك اليوم  طبيبا شهيرا يمثل صفوة الأرستقراطية المصرية النظيفة، وكان رأيه وهو يجادلني أن الأمر لو عرض على الشعب المصري في استفتاء لأيد الشعب موقف مبارك، فنحن نتعاطف مع الشعب الليبي لكن لا أحد مستعد للمشاركة في مصير محتوم لن يغيره مشاركتنا له، وقلت له: رأيك مثلهم  ظاهره الرحمة وباطنه العذاب، فلكي تستفتى استفتاء حقيقيا يجب أن تفتح وسائل الإعلام كلها لكل الآراء، ليس لمدة ربع ساعة كما فعلوا في سوابق لهم،  وإنما لمدة ربع قرن ،  ثم أن  افتراضك الثاني خاطئ ومدمر، ذلك أن مصير ليبيا هو مصيرنا جميعا مع فارق التوقيت، وأطرق صديقي وقد تزلزل يقينه حين تذكر ما أنبأته به حين حرب الخليج، أنهم لن يحلوا قضية فلسطين، وأنهم سيصطادون الدول العربية والإسلامية دولة  بعد دولة، و أن دور مصر آت لا مناص، وحينها، إن كان قد بقى من الدول العربية شئ فسيقفون منا ذات الموقف الذي تقفه أنت من ليبيا .

كان الزائر الثالث من عامة الناس على مشارف السبعين من العمر، وسألته ماذا فعلت بالأمس، وأجاب الرجل أغلقت على باب حجرتي وظللت طول الليل أبكى، كل ما عشت من أجله ينهار، وكل ما خشيت منه يتحقق .

ولم أفهم الدلالة الكاملة لذلك يا سيادة الرئيس إلا بعد أسابيع عندما نشر فهمي هويدى مقاله فذة .. شديدة الروعة مشتعلة بالآلام والمرارة بعنوان : " تقرير عربي عن الفتنة الأمريكية " كانت قمة جعلتني أشعر أنه يكتب بل يرقص مذبوحا من الألم، كان السر الذي لم يكشفه فهمي هويدى لقارئه أنه بدل الأدوار فتخيل يا سيادة الرئيس أن حاكما عربيا هو من يحكم الولايات المتحدة الأمريكية، وأن كتبتكم هناك هم كتبتكم هنا ووزراءكم هناك هم وزراؤكم هنا، وبأسلوبه الرصين المتميز أخذ يسرد بأسلوب شديد الجدية والسخرية والمرارة تفسير ما حدث في لوس أنجلوس على أنه مؤامرة من الأصوليين الإسلاميين لهدم أمريكا .

ما حدث بعد المقالة يا سيادة الرئيس كان مذهلا، كان فضيحة وكارثة للعقل المصري، إذ لم يفهم المقالة سوى أقل القليل، لم يدرك أحد مرارة السخرية فيها، وهتف أحدهم في يأس : ولماذا لا يسقط فهمي هويدى هو الآخر مع من سقطوا، هذا جيل أضناه الكفاح دون جدوى حتى سقط واحد من أعظم رواده : خالد محمد خالد – وهو يصرخ : "أدركنا بها يا بوش"  فجعل من بوش صلاته وإلهه : فلماذا نتوقع من الناس إذن أن يفهموا، وقد بلغ بهم اليأس مبلغ أن أحدا عندهم لم يعد محصنا ضد السقوط.

 إبان "غاشية" الخليج تضاربت الخواطر والحلول في رأسي، لكنني كنت أردع نفسي بأنها حلول مجنونة، ولم تكن مجنونة لأنني مجنون وإنما لأن حكامنا موجودون.

فكرت أيامها يا سيدي أن تتحد العراق والشام وشبه الجزيرة العربية و مصر لتعود كما كانت في عهد الفاروق عمر، ألا تستمر كما هي في عهد الخليفة بوش .

وأفكر الآن أيضا أن نحل مشكلة ليبيا بطرح ما قامت أكبر ثوراتكم في الظاهر بسببه " ثورة 15 مايو في بداية السبعينات" ألا وهو مشروع الوحدة بين ليبيا ومصر والسودان . ألم تعينوا له رئيسا، أكانت وحدة أم خداعا لأمة و إلهاء لها لا يقصد  صالحها وإنما هي مناورات دنيئة للعبة الكراسي لكنها لا تجوز للإنقاذ؟

 لكنك يا سيادة الرئيس ترد بأن الوحدة تحتاج لظروف لم تكتمل  وقد يكون رأيك صحيحا في وضع أخر لا نملك الآن رفاهيته فعندما يكون الفناء محدقا بنا جميعا يحل لنا أكل الميتة أفلا تحل الوحدة ..

إن الغرب يطالب ليبيا بتغيير نظامها وإجراء انتخابات حرة فهل يسكت إذا ما طلبنا نحن بإجرائها في كافة أرجاء العالم العربي والإسلامي، في السعودية مثلا .. أو حتى مصر ..

يا سيدي :

ناشدتك الله أن تنظر في أحوال أمتك نظرتك عندما كنت واحدا منها قبل أن يوليك الله عليها . عندما كنت ترى – مثلنا – أن كوارثنا الاقتصادية تتلخص بإعجاز في قولك معنا لهم : لقد أخذتم المال في غير حله فوضعتموه في غير حقه، وجعلتم المال دولة بين الأغنياء منكم ، حين كان رأيك لبد  رأينا ورأينا رأيك في أن سبب كل التوترات التي يحفل بها مجتمعنا ليس إلا الطغيان والاستبداد، فلا بد للحاكم المستبد من فئة مستغلة تعينه وتؤيده وتأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف لتتسلط معه وتستأثر بما  تشاء من جاه وثراء، وهى في سبيل ذلك تهدم الدين والقدوة والمثل لتترك الأمة خائرة ضعيفة مهزومة من الداخل قبل أن تهزم من الخارج، حين كنا – كنت – نرى أن فرط الغنى وفرط الفقر يؤديان إلى تآكل صلابة الدولة.

  أتذكر أحيانا مسرحية جون أوسبرز " أنظر وراءك في غضب " حين يقول أحد أبطاله أن خلف كواليس السلطة الرسمية يوجد خمسة أو ستة أفراد لا يعرفهم أحد لكنهم هم مصدر السلطة الحقيقية . لكن السؤال الذي يطعن القلب هو لمصلحة من ؟؟ من يملك السلطة ؟؟ ..

وتاريخنا يا سيدي يحوى كثيرا من السلاطين عجزوا عن إدارة أهون أمورهم، حتى شئون قصورهم، حيث تولاها بالرغم منهم الطامعون الغاضبون المتآمرون على الدين والوطن والأمة، حيث جرد الخليفة أو الملك أو الرئيس أو الأمير أو السلطان أو الإمبراطور من كل سلطانه وكل سلطاته مقابل وعد بأن يبقى التاج على رأسه وإن كان لا يحكم، لكن هذا الوعد قد تمخض دائما عن سقوط رأس الحاكم واقعا لا مجازا كي يبقى التاج بعد ذلك في يد أعداء وطنه وأمته ودينه . لي الحق يا سيدي إذن أن أخاف، ولى الحق أن ألقى السؤال تلو السؤال عن هذا الذي يحدث ؟ أيحدث بوعى وإدراك ؟؟ أم أن ما مارسه الأعداء والسلطة من تزييف وعى الأمة قد ارتد على الحكام فلم يعد أمامهم بيانات صادقة تمكنهم من تكوين رأى صائب .

سيدي : ليتك قرأت ما ورد في كتاب أثرياء الشرق للصحفي الألماني الشهير " جرهارد نزلمان " هذا الكتاب المأساة الذي يتناول فيه كاتبه – بموضوعية  مذهلة – الموقف الإجرامي للحضارة الغربية تجاه العالم العربي والإسلامي، كيف ينهبوننا؟ كيف يسرقون منا الحاضر والمستقبل، ومجرد الأمل في حياة كريمة ؟ وأنه إزاء ذلك لا يردعهم رادع ولا يعوزهم وازع،  فالغاية تبرر الوسيلة، وكل شئ لهم مباح، ولسنا بالنسبة لهم سوى فصيلة من العبيد أو الحيوانات المتطورة .

ولم أختر هذا المثل الذي يتحدث عن السلطان قابوس كراهية فيه ولا إغاظة لكن – فأنا أعرف أنه صديقكم الوفي الحميم – ولكن لأنه هو الحاكم العربي الوحيد الذي امتلك فضيلة الصراحة للاعتراف بنوع شرعية حكمه . أتعتقد يا سيدي أن الباقين يختلفون ؟؟؟ ياله من أمر محزن يا سيدي أن يظن رعاياكم – وبعض الظن لا كله إثم – أن أعداء الأمة لم يتسللوا إليها من خلال أوباشها بل من خلال أرؤسها..

فأولئك الحكام الذين يرتدون رداء الإسلام يسهمون من خلال مخططاتهم في تشكيك الأمة بصلاح دينها لممارسة حياتها وحكم أمورها، وتلك والله والله فرية عظمى وإفك أكبر . لكنها وقرت في أذهان البعض لأن تاريخ الحكام الأسود إذا حسب على الإسلام فهو مروع ورهيب  ولم يكن حكمهم حكم الإسلام وإنما اغتصابا يرتدى غلالة مزورة يدعى أنها الإسلام.

إنكم يا سيادة الرئيس  غير قادرين على حوار، لأن أي حوار يتضمن افتراض خطئكم واحتمال صوابنا، ولأن الحوار يتطلب أيضا افتراض تساوى أطرافه . لقد نهانا القرآن يا سيدي – ونهاكم أيضا – أن نتنابز بالألقاب لكنكم تنابزتم بالقرآن الكريم والحديث الشرف . وبأسماء الله الحسنى .

منذ عشرات الأعوام عندما أطلق الإعلام الغربي الصهيوني الفاجر صكوك غفرانه وشهادات الكفر والإيمان، كانت الخطة أمامه مكتملة ينفذها خطوة خطوة ولم يلاحظ من فقهائنا فقيه أن دعاوى الكفر لم تصب إلا أعداء أمريكا و إسرائيل، ولم يكن الأمر بالنسبة لهم كمثله عندنا مجرد حشو لصفحات الصحف بالحروف ولأجهزة الإذاعة والتليفزيون بالكلمات والصور، كان تنفيذا لخطة كاملة شاملة تفقدنا – نحن الأمة – التعاطف معهم كي يضربونا نحن في النهاية . وكان المرجو من فقهائنا أن يحمونا، لكن بلغ الأمر ببعضهم أن فسر آية " وشاورهم في الأمر " على أن الأمر القرآني موجه للرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى الحكام، وأن هذا دليل على وجوبه على الرسول لا على الحكام . إبكوا كثيرا، واضحكوا قليلا .

والله يا سيدي لكأننا من أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدنا في الجور ولم نعرف غيره .

يا سيدي :

عندما يهدر الأفراد الشرعية فمن واجب الدولة أن تتصدى لهم يساعدها المجتمع فإن أهدرت الدولة نفسها الشرعية فكل شئ مباح .. ولقد حمد ابن الخطاب الله يوما أن جعل في أمته من يقوم اعوجاج  عمر بسيفه .. أما أجهزة أمنك فهي تسحق سحقا أولئك الذين يقومون اعوجاج منحرفيكم بألسنتهم . أما الذين تتفضلون عليهم بعدم السحق فأنتم لا تمنون عليهم إلا بآذان بها وقر، وقد لا تعلم يا سيادة الرئيس كم تعذبنا عندما كان الدكتور حلمي مراد يكتب مقالاته الرصينة المهذبة، التي لا تخدش حياء ولا تكشف عورة، باذلا النصح لكم من أجلكم، ومن أجل وطنكم وأمتكم ودينكم، وفى البداية ما من مرة كتب إلا ظننا أنه كشف لكم ما التبس، وأوضح أمامكم ما عميت عنه البصائر والأبصار، وأنكم لابد منصفوا الحقيقة ولو من أنفسكم، بيد أن صمتكم كان يذبحنا، وعندما ارتفعت نبرات ذلك الرجل العظيم، ووضحت إشاراته لحد الفضيحة، قلنا أنكم  سترسلون من يستر ما انكشف من سوأة أخيكم، لكن حتى ذلك يا سيدي لم يحدث، فظل واخوة له يسوموننا الحكم بسوءات عارية ومساوئ بادية ولم يجد حلمي مراد مناصا من تسليم خطاب تلو خطاب، ومناشدة تلو مناشدة إلى رجالك كي تكون الحقيقة أمامك، لكن شيئا لم يتغير واضطر الكاتب الوطني الكبير بعد اليأس أن يضع للأجيال القادمة كتابا يتضمن ما يحدث من فساد في قطاع البترول، ولم يكن الخلاف حول مبادئ يجب ألا تختلف عليها – لكننا للأسى اختلفنا – ولا حول نظريات يمكن  بل يجب أن نختلف عليها، ولكن خلاف حلمي مراد – ومعه الأمة – مع حكوماتنا وكنا ننشد فقط ألا تكابر الأجهزة عندما يكون الفساد فادحا مكشوفا موثقا بالأدلة والمستندات، لكنهم يا سيادة الرئيس كابروا وعندما آن الأوان الذي لا نعرف له سببا وأقيل بعض المفسدين كنا ندرك أن هذا ليس رجوعا إلى الحق وإنما خلاف حول باطل .

وبعد ذلك وقفت الدولة بقضها وقضيضها تساند الفساد وتعضده، حتى لتكاد النكتة الشعبية الشائعة تتحقق : عندما حكمت ببراءة المتهم وحبس المحامى .

ولو أن الأمر يا سيدي كان يقتصر علي  فساد جهاز أو هيئة لهان، لكنه فساد نظام ومنهج، يفسد فيه الفاسد غير الفاسد، فإن لم يستطع عزله عن التأثير على المجتمع و شهّر به وافتأت عليه .

لقد اقترن عهدك يا سيدي الرئيس بالقروض بأكثر مما حدث في عهد إسماعيل وأنت تعرف ما حدث بعده .

ولقد كان ترك شركات توظيف الأموال في غيبوبة القانون مأساة، وكان اغتيالها بالقانون كارثة . كذلك كان ترك البنوك الأجنبية تنهبنا وبنك الاعتماد والتجارة يهدر مقدرات مواطنيك مأساة وكارثة .

والطريقة التي يباع بها القطاع العام الآن، والطريقة التي يعامل بها القطاع الخاص المنتج – خاصة في مجال استزراع الصحراء – مأساة وكارثة .

والطريقة التي تدار بها  الصحف الحكومية والإعلام والثقافة والفنون مأساة وكارثة .

ونظام التعليم من أدناه إلى أعلاه مأساة وكارثة .

كذلك نظام الشرطة والجامعات وربما الجيش .

إن ريتشارد نيكسون يحدد – في كتابة : انتهزوا الفرصة – طريقة انهيار دول العالم الثالث، وخروجها من التاريخ فيما يحدث عندنا الآن .

ويقول فوزي منصور في كتابه : " خروج العرب من التاريخ" إن التاريخ قد يغفر لأمم أن تنهزم لكنه لا يغفر لها أن تعطى للتاريخ ظهرها" .. فلماذا نفعل ذلك يا سيادة الرئيس، ولماذا نجعل على رأس أجهزتنا حكاما لو اختار أعداؤنا ما اختاروا غيرهم .

سيدي الرئيس :

لا يثمر الكذب إلا كذبا ولا ينبت الشر إلا شرا، ولا تسفر الخطيئة عن حلال، لذلك أقول لك أن خطأنا في المنهج، وهو خطأ كفيل إن لم تتداركه بانهيار مخيف، وصدقني أنني أخشى انتقام الله منك ومنا، أخشى أن ينتهي عهدك نهاية كابوسية تنهار فيها السدود والأنفاق، وتنفجر مياه الصرف وتشتعل أنابيب الغاز ومصافي  البترول، وتغرق السفن وتنتشر الأوبئة، وتكسد التجارة وتخسر المصانع – التي أدت غرضها لمن أقامها بمجرد قبض العمولة عليها –، أخشى أن تتحول بلادنا، كما تحولت بلاد أخرى إلى مسخ أوطان ترتكب فيها الشرطة أعتي الجرائم وتنشر المخدرات، ويهدد العسكر أمن الوطن، ويتخلى القضاء جالسا وواقفا عن تراثه العتيد، فيتاجر بالعدالة، ويتحول الأطباء إلى مصاصي دماء يتاجرون بالبشر، أخشى تراجع القرى إلى عصر الخراب والمدن إلى عصر الغابة، أخشى أن ينهار المجتمع كله.

أجل …وعند ذلك تأتى إسرائيل لتحكمنا .

فمن أجل أبنائي وأبنائك صن.

من أجل الأمة والعرب والمسلمين صن.

في سبيل الله صن

فليس الأمر أمر هيئة ولا مؤسسة ولا حكومة وإنما المجتمع كله، الأمة والتاريخ والدين والحضارة، وليس كل ذلك فقط . وإنما توشك الأرض أن تميد تحت أقدامنا، أن ننتهي كجغرافيا وكمجرد وجود بيولوجي.

أنت لا تملك الوقت يا سيدي كي تقرأ كما نقرأ، استدع إذن أستاذا في التاريخ وأسأله، أي أستاذ، حتى لو كان الدكتور عبد العظيم رمضان، استدعه وأسأله عن تماثل ما يفعله الأمريكيون بنا، وما فعلوه بالهنود الحمر، حتى أبادوهم عن بكرة أبيهم  وزعيمهم يصرخ في أسى : إنهم يتحدثون دائما عن السلام لكنهم لا يطبقونه أبدا .. سله يا سيادة الرئيس إن كانوا قد وفوا بعهد قط، إن كان قد منعهم مانع أو وزعهم وازع أو ردعهم رادع، لقد وصف ريتشارد نيكسون بعض دولنا بأنها مجرمة لكننا نرى أن أمريكا هي أكثر الدول وأبشعها إجراما في التاريخ، لكن عبد العظيم رمضان لن يقول لك كل هذا فحاول أن تعرف الحقيقة منا لا ممن حولك، فإننا نظن – وبعض الظن حق – أنه يكاد ألا يكون أحد منهم إلا ويكذب عليك، ما من أحد يقول لك رأيا يعرف أنك لا تراه، ما من أحد منهم يكتب مقاله يبحث فيها عن حقيقة ينزف في تلافيفها قلبه، وهو يحاول أن يستقطر منها الحكمة كي يقدمها إليك، إنما يا سيدي – وتلك كارثة  - يتلمسون اتجاهك، يحاولون معرفة رأيك كي يؤكدوه لك ويبرروه لنا، وهم بهذا يكفون عن الكينونة بشرا ليكونوا مرايا، لا ترى فيها أحدا إلا نفسك، يكفون عن الكينونة بشرا ليكونوا خبثا يعزلك عن ضمير الأمة، وآمالها وآلامها وعنائها، أعظم من فيهم يا سيادة الرئيس شيطان أخرس لا يأمرك بمعروف ولا ينهاك عن منكر، أعظم من فيهم يتجنب إبداء رأيه لأنه يعلم أنه يخالفك، أما الآخرون فقد حسبوها حسبة أخرى، فأنت بالنسبة لهم أكبر استثمار  في حياتهم، كلما وافقوك أكثر كانت مغانمهم أكبر، ثم أن عقابك عاجل وعقاب الله آجل، و غرتهم الأماني فحسبوا إمهال الله نسيانا، ثم رأوا رأى  العين في كلمة الحق ابتلاء، وأن قائل الصدق في أحسن الأحوال عندكم مذموم مدحور محاصر بأجهزتكم التي تطلق عليه الشائعات أحيانا والكلاب أحيانا أخرى .

ماذا يفيدك يا سيدي أن تفقأ عيون كان المأمول أن تكون عيونك .

ترى حين أفقأ عينيك وأثبت جوهرتين مكانهما …

ترى هل ترى ..

هي أشياء لا تشترى …

أجل يا سيادة الرئيس فلنحاسب أنفسنا ولنحاسب بعضنا .. قبل أن يحاسبنا الله . وإن كان يسوءك اشتدادي عليك في الحساب اليوم فيوم القيامة أمام الله سيكون الحساب أشد … لكن الحساب يوم الحساب ..

فهل تشك يا سيادة الرئيس أن هذا اليوم آت …

لا أظن أنك تشك. .

 لكن هل أعددت لذلك اليوم العظيم نفسك ؟..

 يوم يقضى الله للجلحاء من القرناء، ويوم يسأل الجماد فيم نكب إصبع الرجل، هل أعددت نفسك يوم يسألك ونحن شهود لك أو عليك فماذا تفعل حينذاك ؟..

 ماذا تفعل في هذا اليوم ؟.

ماذا تفعل في هذا اليوم ؟ يوم التكوير، يوم الانكدار، يوم التسيير، ، يوم التسعير، يوم التعطيل، يوم التسجيل، يوم السؤال، يوم الكشط والطى ، يوم الساعة، يوم البعث، يوم النفخة، يوم الناقور، يوم القارعة، يوم الغاشية، يوم النشور، يوم الحشر، يوم العرض، يوم الجمع،  يوم التفرق، يوم البعثرة، يوم التناد، يوم الدعاء  يوم الواقعة، يوم الحساب، يوم السؤال، يوم الشهادة، يوم التبديل، يوم التلاق، يوم الآزفة، يوم المآب، يوم المصير، يوم القضاء، يوم الوزن، يوم الجدال، يوم القصاص، يوم الحاقة، يوم الطامة، يوم الصاخة، يوم الوعيد، يوم الدين، يوم الجزاء، يوم الندامة، يوم التغابن، يوم الشخوص، يوم الشفاعة، يوم العرق، يوم القلق، يوم الجزع، يوم الفزع، يوم فرار، يوم الازدحام، يوم الحر، يوم العطش، يوم الانفطار، يوم الانشقاق، يوم الذل، يوم الخوف، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا، يوم تبض وجوه وتسود وجوه......... فهل تشك يا سيادة الرئيس أن هذا اليوم آت ؟..

 أنا واثق أنك لا تشك..

 لكن إن كنت لا تشك في ذلك الهول كله ..

 أفليس جديرا بك أن تدعو بالرحمة لمن يهدى إليك عيوبك . وأليس جديرا أن أهتف بك : أتق يوما كان عذابه مستطيرا ..

 كان …

 فعل الديمومة والكينونة ..

هي الفتنة يا سيادة الرئيس فابتغ الخلاص . أم حسبت أن تقول أمنت ولا تفتن .

ألم تسأل نفسك قط أين الملوك والحكام قبلك وقد بعدوا ونسى ذكرهم وصاروا كلا شئ، لقد بقيت عليهم التبعات وانقطعت عنهم الشهوات، مضوا والبنيان بنيانهم يملكه غيرهم .

فإذا لم نجرؤ نحن أن نسألك عن كل هذا..

أو إذا جرؤنا لكنك لم تعرنا اهتماما، فكيف ستواجه حساب الله سبحانه وتعالى لك يوم القيامة ؟..

 إنني واثق أنك أيها المواطن مثلى بالله تؤمن .

لكن ..

لا إيمان بلا يقين ..

واليقين يهزم الزمن حتى يكاد يلغيه ..

وإنى لأكاد أراك رأى العين .. يحاسبك الله ويسألك الملائكة وأصابع مئات الملايين من وطننا ومن العالم العربي والإسلامي تشير إليك هاتفة :

- كان يستطيع يا رب .. لكنه لم يفعل ..

وأخالك يومها .. وحدك .. لا جيش ولا حرس ولا أمن مركزي ولا وزير داخلية يقلب الحقائق..

وكل نقطة قوة كانت لك في الدنيا هي عليك في الآخرة .. فهل أعددت عدتك للسفر يا سيادة الرئيس … للقاء ربك ..

أدمعت عيناك من خشية الله منذ أصبحت رئيسا للجمهورية أم غرتك القوة ؟ أنكصت عن فعل كنت تزمعه خوفا من الله . أو أقدمت على فعل لصالح رعيتك مبتغيا وجه الواحد القهار لا مبتغيا استمرار النظام ..

أقدرك الله علينا اليوم، فاتقيت قدرتنا عليك غدا أمامه ..

وكيف تجيبه حين يسألك  عن جائع لم يجد طعامه .. وعار لم يجد كساءه، وقاطن بالمقابر لم يجد سكنا .. وعن مظلوم لم تنصفه وعن ظالم لم تنصره برده عن ظلمه .. وعن آمال ضيعتها وعن آلام  سببتها وعن كذب لم تصححه وعن تزييف لعقل الأمة لم توقفه .. وعن أشرار وليتهم وعن لصوص ائتمنتهم، وعن أتقياء  استبعدتهم، وعن حق هجرته، وعن باطل احتضنته، وعن أخ لك في الله جفوته حتى العداوة وعن عدو لله اصطفيته .. وكيف تجيبه حينما يسألك عن لصوص ومرتشين استنزفوا البلاد سكتّ عنهم .. وكيف تجيبه عندما يواجهك من عُذّب في عهدك .. وما بالك إذا أخذوا يقتصون منك بكل ما فعل بهم واحدا واحدا يا ابن الأكرمين .. وكيف تجيبه حين يواجهك الآلاف الذين استشهدوا في حروب الوطن .. أدافعت عن القضية التي استشهدوا في سبيلها، أم أن موقفك منها تلخص في حكمين فاجعين : حبس بطل مصر العظيم سعد الشاذلي وفى نفس اليوم الإفراج عن آل مصراتى ..أتشاذلي

أي عار ينكس القامات ويجلل الهامات.....

وليس حزننا من أجل الفريق الشاذلي كشخص فمثله لا يحزن عليه، بل به وله نفرح..

 ولا حزننا من أجلك فما يزال باب التوبة مفتوحا أمامك .

وإنما نذكر نصر أكتوبر، نصرنا اليتيم الذي ليس لدينا سواه نفخر به ونعتز بذكره فنرى بطله الثالث – أنت يا سيادة الرئيس – يحبس بطله الثاني: سعد الدين الشاذلي .

ولعلك تتساءل الآن عن البطل الأول لحرب أكتوبر ..

 سأجيبك :

أنا يا سيادة الرئيس ..

أنا..

أنا بطلها، أنا المواطن المصري العادى البسيط الذي لا حول له ولا قوة، أنا من لا رأى له يسمع ولا قهرا يمنع، آبائى وإخوتى وأبنائى هم فعلوها في رمضان وانتصروا، نحن الذين كافحنا ودفعنا دماءنا من أجل أن نكلل هامة الأمة والتاريخ بالانتصار .

فكيف لا يلبى بطل رمضان الثالث أمر بطلها الأول بالإفراج عن بطلها الثاني كيف ؟..

 وكيف تقف أمام الله لتدافع عن نفسك ولماذا تجعل مهمتك كل يوم أكثر صعوبة؟

لكن الأمر لا يقتصر على ذلك فقط، إذ يبدو أن أعداءنا وأعداءك يدفعون  الأمور في سبل محددة وطرق ممهدة كي يحرجوك ولا يبالون بمشاعرك ووضعك أمام شعبك وأمام أمتك وأمام العالم..

  نفس ما فعلوه بالسادات في أعوامه الأخيرة بعد أن وثق بهم .

وهنا أيضا يبدو إصرارك على عدم تعيين نائب لك مخاطرة بمستقبل الوطن إذا ما شاء الله أن يسترد وديعته فيك .

 يا سيدي … يا سيدي … قد يقول لك سدنتك أنني انفعالي متخلف أحدثك بالقلب في عالم لم يعد فيه للقلب صوت، بيد أنى أحدثك حديث العقل أيضا.

والعقل قيمة كبرى أعلى الدين من شانها حتى لتسقط فروض الدين عن غير العاقل، وهو قيمة عليا أخذ أعداؤنا بأسبابها فامتلكوا الدنيا، وها نحن أولاء نوشك أن نكون لهم عبيدا،  أهملناها رغم أن دينهم لم يعل شأن العقل كديننا، و ذلك يعنى أن لا نتبع نمطهم العقلي الفاسد. فعندهم الغاية تبرر الوسيلة , وعندنا الغاية وجهه والنتيجة أمره وقدره وقضاؤه أما الوسيلة فهي أمرنا , وقدرنا وقضاؤنا الذي سيحاسبنا الله عليه . والعقل قيمة عليا في كل ذلك لكنه يكاد يكون عندهم هو القيمة العليا الوحيدة بينما هو لدينا قيمة عليا من قيم عليا ليس لها نهاية , علينا أن نأخذ بأسبابه فنحن أولى بها منهم ولكن علينا في ذات الوقت ألا نسقط من خلاله في براثن اليأس وحمأة الرعب وسلاسل العبيد..

العقل قيمة عليا … علينا ألا نفلت سببا من أسبابه، لا لأن ذلك سبيل انتصارنا عليهم، وإنما لأن ذلك أمر الله لنا .. فإن اتبعنا أمره سيأتينا نصره، سيأتينا من حيث لا نحتسب، ستنهار كتلتهم كما انهارت الكتلة الشرقية، وسوف تصدع الأرض والجبال والبحار لأمر الله فيغرقهم طوفان ويحرقهم بركان وتميد بهم رواس، سيرسل عليهم طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل تجعلهم كعصف مأكول، وسننتصر، سينتصر الإسلام بطريقة جديدة فريدة تحفظ له عظمته، ولعله سيغزوهم داخل ديارهم لا بالسيف ولا بالقنابل، ولكن بمبادئه السماوية  إزاء إجرام حضارتهم الوحشي وخوائها الروحي .

سيدي الرئيس :

لست مزايدا ولا مقامرا ولن أطلب منك حرب أمريكا ولا حتى إسرائيل فقد انقطع أملنا في الحاضر، حتى الحلم مات، ذوى،  ذرتة رياح صرصر عاتية، لم نعد نفكر في حرب أعدائنا ولم نعد – حتى – نحلم بنصر، ذلك بأمر الله وبوعده الحق قادم، لكن في زمن آخر لن  ندرك  بشائره ولن نذوق رحيقه ،  ما نريده، ما نرجوه ونتوسل وندعو الله من أجله أن نبقى لأبنائنا ما يبدءون منه، أن نترك لهم حتى رايات ممزقة وصواري محطمة تذكرهم بأن آباءهم كان لهم شرف المحاولة قبل عار الهزيمة، كيلا ينظروا إلى أجيالنا باشمئزاز واحتقار هاتفين: ألم يكن فيهم رجل؟ ألم يكن فيهم رشيد؟ ما نرجوه منك يا سيادة الرئيس أن نوقف الانهيار لنبدأ .. لنضع اللبنة الأولى في مصر، فمنها سيفيض النور والخير بإذن الله على العالم العربي والإسلامي .

وما أطلبه منك يا سيدي – والله – ليس عسيرا وإنما هو الحق والعدل والدين والمنطق والسياسة والحضارة .

ما أطلبه منك:

ليكن عيد ميلادك القادم أخر عيد  ميلاد في السلطة [4]

إن كانت السلطة شرا فكفاك وإن كانت خيرا فقد نلت منه ما يفيض..

 أنت نفسك الذي قلت لنا ذلك في بداية حكمك فلا يصدنك شياطين الجن والإنس عن عزمك القديم..

 السلطة مغتصبة من الأمة فأعدها إليها..

 لا ترشح نفسك مرة أخرى..

 والذي نفسي ونفسك بيده لن يدفعك إليها إلا منافق ولن يكذبني إلا كاذب ولن يستبقيك إلا عاص يريد الخير لنفسه، وقد اطمأن لموقعه في وجودك، فكن القدوة …

كن أول حاكم يتخلى عن السلطان اختيارا..

 اخلع أرديتها فإنها لظى نزاعة للشوي .. وعد إلينا حبيبا قريبا، بطلا عظيما لنصر وحيد، وقد بنا من صفوفنا محاولتك لرأب صدع الأمة..

 خض بنا البحر – في سبيل الله -  نخضه معك .

ليكن عيد ميلادك القادم أخر عيد ميلاد لك  في السلطة .

انقل الحكم من العسكريين إلى المدنيين، وهو انتقال لابد آت فافعله أنت اختيارا تحقن دماء أهلك من سطوة العسس . اجعل من مصر منارة أمام العالم الإسلامي حيث نظام الحكم  وشخص الحاكم لا يتغير إلا بالموت، افعلها تكن لك يد بيضاء عند الأمة أبد الدهر .

افعل ما تود أن تقابل الرحمن به غدا، بل اليوم بل الآن، أم أن لديك ميثاقا أن تعيش أكثر . وهل تنتظر إلا الساعة أن تأتينا بغتة فقد جاء أشراطها يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم لأنهم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون .

إن الشيطان قد يئس أن يعبد لكنه رضى أن يطاع فلا ترض أنت .

فليكن عيد ميلادك القادم آخر عيد ميلاد لك  في السلطة .

وحين يحين ذلك حاول أن تحصى ذنوبك كي تتوب إلى الله .

أن ترجع عنها قبل أن يرجع عليك بها .

صارح الأمة وواجهها بحقيقة أمرها .

ذلك أن أول درجات سلم التوبة الصعب أن تقر بذنبك ..

اكشف لنا ما قد علمت من تعذيب وتزوير وتستر..

اكشف للأمة أن ما شاركت فيه لم يكن " عاصفة الصحراء " فقط وإنما كان " المجد للعذراء" أيضا وهو أسم أخفاه إعلامك عن الأمة لغرض في نفس شامير وبوش .

ألغ قانون الطوارئ .

وافق على تغيير الدستور .

ألغ الاستفتاء على رئاسة الجمهورية وحوله إلى انتخاب حر .

لا ترشح نفسك مرة أخرى ..

أوقف التعذيب..

أوقف تزوير الانتخابات ..

  أطلق حرية الصحافة والأحزاب حقا وصدقا ..

طارد الفساد والمفسدين ..

ضع الأسس لبناء مصر الحديثة. .

خطط لإعداد دولة الإسلام كما خطط بنو إسرائيل لإقامة دولتهم..

 ضع مع أقرانك خطة تحقق ولو بعد مائة عام..

إن بقاء أي أسرة من الأسر الحاكمة الآن في العالم العربي والإسلامي لمدة عام واحد أمر غريب، عشرة أعوام معجزة عشرين عاما مستحيل، فأعرض علهم إذن مشروعا لوحدة العرب المسلمين لا يكتمل إلا بعد مائة عام، مشروعا لا ينتقض من سلطة، مشروعا يداوى جروح الأمة ويجمع شراذمها ويعيدها خير أمة أخرجت للناس .

افعل ذلك، تمح حسناتك سيئاتك..

 تب إلى الله..

 وإن لك من مجد أكتوبر ما يجعلنا ندعو الله أن يغفر لك .

افعل ذلك … فوالله لو جئت الله بملء الأرض ذنوبا لجاءك بمثلها حسنات .

ولو تقربت منه ذراعا تقرب منك باعا وإن أتيته تمشى أتاك هرولة .

وليكن عيد ميلادك القادم أخر عيد ميلاد في السلطة .

***

قد يكون هذا آخر حديثي لك ولعله آخر الاجتماع

فالسلام عليكم يا سيادة الرئيس ..

السلام عليك يا أيها الأجير …

فلعلنا لا نلتقي أبدا بعد عامنا هذا في موقفنا هذا .

ومن أجل هذا كتبت لك ما كتبت، ولم أكن ألقى بنفسي في التهلكة بل والله أنقذها..  فلو أن عبدا خير بين ما عند الله وما عندك فاختار ما عند الله أيهلك، أم ينقذ من الهلاك نفسه ؟..

أبارت تجارته أم ربح البيع. .

السلام عليك أيها الرئيس ..

السلام عليك، وعلى موعدنا للقاء أمام الله في يوم قد يكون مقداره خمسون ألف سنة .

خمسون ألف سنة  فتخيل معي يا سيادة الرئيس واعتبر، لأننا -إذا كان ذلك- في الحساب على ذنوبنا – لا في العذاب عليها – سوف نحاسب عن كل يوم عشناه في هذه الدنيا ثلاثة أعوام ..

فكيف لا أقول، وما أنا إلا عابر غريب، دنياي آخرتى، والطريق وعر، والمخاطر جمة، حتى أنني أتهلل لم يختصر لي المسافة ويقصر على الشقة ويخفف الابتلاء ويلطف القضاء ويعجّل بالأوبة .

لست مقيما، وإنما أتزود من قفرى لروضتي، أنتظر الطلب بالذهاب والإذن  بالمثول، غير آبه لأي حال تكون عليه عظامي وإهابي حين مغادرتي .

وكيف لا أقول وما أنا إلا عبد أرسله سيده وأمره أن يقول فكيف لا أصدع أنا ولم لا تصدع أنت ؟ ..

السلام عليك أيها الرئيس .

سلا م الله لا سلام أعداء الله .

السلام عليك ورحمة الله وبركاته .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


 

الجزء الثاني

 

 

 


 

يا ولاد الكلب[5]

 

 

أعتذر للقارئ الذى قد يقرأ هذا المقال بعد

اختفاء البوسنة والهرسك من خريطة العالم .

 

 

لم يبق إلاها

كأنما اندغمت حروف اللغة فيها فلم يبق لنا سواها .

أغلق الصحيفة أو المذياع أو التليفزيون والنار في قلبي نزيف..

أعض علي شفتي , ينهشنى الغيظ وتنطلق الكلمة قبل أن تمر مرورها الطبيعي علي العقل ليهذبها فأجدنى أنفجر: ياولاد الـ……. 

أراجع نفسي، أكبح مقودها لأروض جموحها متوسلا بتراث أمه لا نهاية له من الدين والحكمة والثقافة والفلسفة والأدب، عليك أن تجد كلمة أخرى , فذلك لا يليق، إن لم يكن من أجلك أنت ككاتب فمن أجل الصحيفة التي تكتب فيها , أكثر الصحف دسامة والتزاما وأكثرها احتراما , وأن يكون عنوان مقالك فيها هكذا فذلك لا يليق .

لكن المسيح عيسي ابن مريم علية السلام لم يجد وهو يصف أعداء الله سوى أبناء الأفاعي , بل وما هو أشد .

ونجيب محفوظ في ثلاثيته الشهيرة لم يجد سوى "ابن كلب"  ليصف بها عهودا" كعهود محمد وإسماعيل صدقي .

وثمة أفلام سينمائية شهيرة وعظيمة لم ينل من قيمتها إن كانت نفس الجملة ذروة الأحداث فيها .

فلِمَ أبخع نفسي إذن وأدينها كل هذه الإدانة عندما لا أجد سوى هذا العنوان إذ أشرع في الكتابة عما تجنبت الخوض فيه طويلا، ليس اختيارا ، وإنما حرون هو القلم، كلما حاولت الكتابة عن أحداث تجرى ودماء تسيل وأرواح تزهق , وبطون تبقر، وأشلاء تنثر , ودين لله يستباح، وليس ذلك فقط هو كل ما يحدث في البوسنة والهرسك .

لو أنصف القلم لسال منه الدم لا الحبر . ولا نطلق كل حرف قذيفة، وكل كلمة قنبلة وكل جملة دبابة تسارع لنجدة، وكل صفحة طائرة، وكل مقالة جيشا وكل جيش دولة، وكل دولة تدعى الإسلام تنشل فيها الإرادة ليست حتى شيطانا أخرس، بل إبليس ذرب اللسان يتربع على العرش .

كلما حاولت الكتابة تدافعت المشاعر والكلمات والدموع حتى تفيض مشاعري، ويغص حلقي، وتغرورق عيناي، فلا أجد متنفسا عن الغيظ والغضب سوى أن أنحى عمرا من الكلمات لأهتف في همس كظيم :

يا ولاد الكلب

لو أنصفت يا قلم لانكسرت.

ولو أحسست يا ورق لاحترقت.

وإلا فكيف أكتب عن الأحداث المروعة التي نعيشها، فيسيل المداد من القلم كلما يسيل في كل مرة، وتسود الصفحات بنمنمات السن المعدني كأن دماء في ذات اللحظة لا تسيل، ورؤوسا بشرية يتراهن أبناء الكلاب أبناء الأفاعي كلاب جهنم عليها، فيكسب الرهان من يقتل اثنين في أقل من دقيقة بشومته الخشبية، ويكسب الرهان من يجعل مخ الضحية يتناثر على كل أنحاء الغرفة لضربه واحدة.

 لطالما حاولت الهروب من مواجهة القلم لأكتب، فالكتابة أحيانا عهر .

لأن الكلمة إن لم تقترن بالفعل فقد ولدت سفاحا .

وأنا – الجبان المقيد بقانون الإرهاب – عاجز عن الفعل .

أنا – الجبان المحاصر بنصف مليون من أهلي، وعشيرتي، وأبناء جلدتي تدعمهم ترسانة هائلة من القوانين ووزير يهددني بأن يجعل جسدي مصفاة بالرصاص – عاجز عن الفعل .       

   لطالما هتفت بنفسي : أيها العاجز الجبان: اصمت، احتراما لجلال المأساة التي لا تستطيع أن تساهم في إيقافها: اصمت . انصداعا للقلب، وانسحاقا للروح وذهولا أمام الأشلاء المسحوقة  والدماء المسفوكة: اصمت .

دوجلاس هيرد يصر على تدخل للأمم المتحدة لجمع الأسلحة الثقيلة، وبطرس غالى يرفض لأن الأمر يحتاج لعدة مئات من الجنود لا تستطيع الأمم المتحدة توفيرهم، وهى التي حشدت للعراق ما يقارب المليون .. فاصمت .

الأمم المتحدة تهدد العراق – إن لم يمتثل للمهانة والذل في خلال 24 ساعة – بإعادة ضربه، وحاملات الطائرات والصواريخ تتحرك، ونحن لم نواجه أنفسنا بعد بأن العراق أضحى مستعمرة أمريكية وصحفنا القومية – وما هي صحفنا ولا هي بقومية – تكاد تلوم أمريكا على تخاذلها وتكاسلها في مواجهة العراق … فاصمت .

الأهالي وروز اليوسف تتنافسان امتهانا للعقل مؤازرة للحكومة في مواجهة أبناء ديروط . وصنبو، لا في مواجهة الصرب فدعهما يسقطان باليسار سقطته الأخيرة .. واصمت .

ثروت أباظة يتبتل برجم الناصرين والتسبيح بحمد سوزان مبارك، ويتهم يحيى الرفاعى بالخيانة العظمى … فاصمت..  وعبد العظيم رمضان مشغول بهدم جبل للحقيقة أماط اللثام عنه محمد حسنين هيكل  فاصمت .

تدق الطبول كلاب جهنم مرددة أهازيج الفرنجة أن القذافى بعد أن – شفى – قد كفر بالعروبة … فاصمت .

العجز الذي منع الأمم المتحدة من نجدة البوسنة والهرسك لم يمنعنا من سحق ليبيا .. فاصمت .

والعجز الذي منع الأمم المتحدة من التدخل، لإنقاذ مئات الآلاف في معسكرات الاعتقال لم يمنع الأساطيل والطائرات والصواريخ والجيوش من إجراء المناورات بالكويت .. فاصمت . 

النظام الجديد وضعه السادة كي نكون العبيد ومن يرفضه إرهابيون .. فاصمت..

 لم يك زكى بدر نسيجا وحده ولا استثناء شاذا، بل القاعدة .. فاصمت .

نؤنا بكبارهم .. فرجونا أن يريحنا الموت من شرهم، فماتوا غير مأسوف عليهم، فبؤنا بغلمانهم أكثر شرا وبذاءة .. فاصمت .

حتى الطيب المهذب الوديع الذي انخدعنا فيه لم يتورع على ارتكاب الفاحشة بهدم حزب واغتصاب صحيفة .. فاصمت..[6]

وحول السودان تنبح كلاب جهنم على عادل حسين فيدعون عليه ما لم يقل ليردوا على ما ادعوا بعد أن عجزوا عن الرد على ما قال … فاصمت .

 يحيى حسن، وآل مصراطى أبرياء وسعد الدين الشاذلي حبيس، وعرفات هباش بكاش، أما الترابى  والغنوشى، وعمر عبد الرحمن فشواذ ومجرمون فلكها في فمك وابلعها .. واصمت..

مجلس الشعب الغائب المغيب يزايد السلطة على قانون الإرهاب، أما في أحداث البوسنة والهرسك فقد شجب واستنكر، ثم انتقل إلى جدول الأعمال ليصدر قوانين طالب شيخ المستشارين يحيى الرفاعى بمحاكمة من أصدرها بتهمة الخيانة العظمى، وقد يمثل هو أمام المحكمة بتهمة تشجيع الإرهاب، أو حتى الخيانة العظمى فاصمت.

يلعبون الكرة برءوس الأطفال هناك، والأمة عندنا مبتسر رأيها في مبايعة للرئيس لفترة ثالثة فاصمت.

حكامنا معهم، ولهم، وبهم فاصمت ..

أتى الزمان الذي أنبأنا به الرسول صلى الله عليه وسلم حين يكذب الصادق .. ويصدق الكذاب .. فاصمت .

***   

لكنني عجزت حتى عن الصمت حين انفجرت مجهشا بالبكاء هاتفا يا ولاد الكلب .

***   

رئيسنا لا يقرأ " الشعب"، هكذا قرر رب البيت، فأولى إذن بحكام المسلمين ألا يقرءوها .

 من المؤكد أنهم يقرءون الواشنطن بوست، والصنداى تايمز، ويديعوت أحرونوت، وهى صحف لا نقرأها نحن وإن كنا نشك أن تهتم بأحداث البوسنة والهرسك .

 لكن السؤال الذي يعذب مهجتى هو هل يقرأ حكامنا صحيفة الأهرام العجوز الوقور، التي لم ينسب إليها قط خطيئة معارضة حاكم، ولا معصية نقض مبايعة، ولا كبيرة طلب تغيير، ولا ذنب شهوة حرام في أن يترك الفرعون عرشه لسبب غير الموت، الأهرام.. الطيبة الوديعة المسالمة التي لم تستنكف – حرصا على مشاعر حكام أشقائنا – أن تحذف من القليل الذي نشرته من كتاب هيكل عن حرب الخليج كل ما يشتم منه جرح لشعور أو كشف لعورة، الأهرام المؤدبة الهادئة، لسان أهل الحكم ن فهل يقرأ الحكام لسانهم .

 ***   

تواجهني الصورة في الأهرام والأطفال والعجائز من أبناء البوسنة والهرسك في العراء تنطق ملامحهم بما يخزى أي قلم مجرد محاولة التعبير عنه أو التعليق عليه … فاصمت .

***   

أقلب الصفحات …

رسالة سراييفو من سامح عبد الله والعنوان هو : تكسير العظام  وتحطيم الرءوس بمضارب خشبية لعبة المصريين المفضلة في البوسنة والهرسك .

***

دعنا من كتيبات نشرتها نقابة الأطباء عن المجزرة .

الرئيس لا يحب نقابة الأطباء وقد استنكر ما تفعل.

دعنا أيضا من كتيبات نشرتها نقابات أخرى، فليست على هوى سيادته .

ودعنا بالطبع من الشعب،  فالرئيس لا يقرؤها، ولا يسمع صوتها، ولا صوته .

لنقتصر على الأهرام العجوز الوقور المؤدبة إذن . فنحن والله نريد أن يقرأ الرئيس ما نقرأ كي يحس بما نحس . ليدرك رغم المبايعة بالإجماع، كم أن رعاياه تعساء في عهده .

لنقتصر على الأهرام إذن ولنقرأ:

الصربيون البرابرة لم يتركوا مسلما واحدا من شعب البوسنة والهرسك بدون معاناة .. لا فرق في ذلك بين اللاجئين  أو المقيمين تحت الاحتلال …

المتمسكون بأراضيهم الرافضون الخروج منها – رغم الاحتلال – جزاؤهم القتل والتشويه وهتك الأعراض فإذا قبلوا بالرحيل لدول مجاورة قام الصريبيون بتفجير بيوتهم ومحوها من على الأرض تماما، ضمانا لعدم عودتهم إليها في المستقبل مرة أخرى .

***

لقد عاب الرئيس علينا تناول مشكلة البوسنة والهرسك كمشكلة مسلمين ونحن على استعداد لأن نغمض عيوننا  لكن بعد أن يرفعوا الخناجر عن رقابنا ..

***

والأهرام رغم ما عاب الرئيس تقول " المسلمون في البوسنة والهرسك هم الضحايا الرئيسيون للقتال الدائر هناك الآن وستثبت الأيام أنهم الخاسرون الوحيدون" ..

***

سامحني يا سامح عبد الله، فسوف يوقفونك عن الكتابة بعد رسالتك هذه إلى ما شاء الحاكم . ألم يحدث مثل هذا مع الكاتب الكبير فهمي هويدى – رغم ارتباط الملايين من الشعب الغائب المغيب به – بعد مقالته الفذة: " تقرير عربي عن الفتنة الأمريكية " والتي خلع بها ورقة الشجر عن السلطة فبانت سوأتها، وكتبت في هذا المكان من " الشعب" أشيد بالمقال، لكن من بانت سوآتهم ممن لا يستحون من الباطل منعوه من الكتابة .

سامحنى إذن يا سامح، فأنا أشيد برسالتك رغم علمي بما سيحيق بك، وإن كانوا قد جرءوا على من في حجم فهمي هويدى، تراهم ماذا سيفعلون بك أنت ؟

لن يكون لرسالتك أي تأثير مما ظننت، لن يصحو ضمير، ولن تعلو همة، ولن تشتعل حمية، ولن يقدم منهم أحد على نجدة مستغيث ولا على إغاثة ملهوف . فقط ستصدر تعليمات شفهية صارمة بوقفك عن الكتابة، كما ستصدر تعليمات أخرى بستر أخبار البوسنة والهرسك خلف تفاصيل برشلونة، وصورة عارية وفضيحة مدوية، وحادث مثير، فإن لم يكف كل هذا سيكتشفون تنظيما لإشعال الفتنة الطائفية، فإن لم يكف سيكتشفون مؤامرة لقلب نظام الحكم ، فإن لم يكف سيجرون استفتاء على شئ، أي شئ .

لنعد إلى رسالتك التي تجاهلت فيها  أوامر الرئيس ألا تتناول مجزرة البوسنة والهرسك كمجزرة ضد المسلمين .

لنعد إلى قولك

" المسلمون في البوسنة والهرسك هم الضحايا الرئيسيون للقتال الدائر هناك الآن، وستثبت الأيام أنهم هم الخاسرون الوحيدون"

ولنواصل :

" ما يلقونه يصل لدرجة القتل، والتمثيل بجثثهم في بعض الأحيان" .

"عدد المعتقلين يقارب مائة ألف، تشمل عمليات تعذيبهم قطع بعض الأعضاء بالسكين، ورسم رموز الصربيين على الصدور باستخدام المدافع الرشاشة، أما الأطفال فيلقى الصربيون بهم في خلاطات الأسمنت العملاقة" .

" فيما يتعلق بالنساء فإن الصربيين يتلذذون بإرغامهم على خدمتهم في المعسكرات وهن عاريات بشكل كامل، أما روايات الاغتصاب وهتك الأعراض فلا حصر لها" .

في مدينة أسمها " دوبوى" عقدت معاهدة مع الصربين ككامب ديفيد وكمدريد ونقض الصربيون المعاهدة - كما سينقضها بنو إسرائيل-  ليطردوا المسلمين من المدينة، ومن رفض الرحيل اعتقلوه في سجن المدينة حتي امتلأ، فحشروا الباقين في استاد، وملهي ليلي ومصنع. وبدءوا في إيذاء الناس.

ويواصل سامح عبد الله رسالته من سراييفو قائلا:

" كنت استمع إلى رواية شاهد العيان حيث تقوم بترجمتها إلي الإنجليزية مترجمة بوسنية مسلمة, وقال الرجل : فرض الصربيون حظر التجول علي باقي سكان المدينة، ورغم أننا كنا نسمع صراخا مدويا كل ليلة لأناس تطلب المساعدة والرأفة والرحمة، إلا أننا كنا غير قادرين على مساعدتهم، لأن من يخرج من منزله في ساعات الحظر كان يقتل علي الفور . ويكمل الرجل روايته لكن المترجمة تتوقف عن الترجمة، والرجل يواصل الحديث، ويطول صمتها بينما الرجل يتكلم، وهي تحملق فيه ثم تنظر نحوي ثم تنفجر باكية، ويلحق بها الرجل، وكل الموجودين فى بكاء جماعي، ووقفت مذهولا أمام ما يحدث، ليأتيني  التفسير بعد دقيقتين، فقد كان يروى قصة جارته التي قتلها الصربيون أمام طفليها، بينما هي تصرخ مستغيثة، ويسمعها الرجل ولا يستطيع أن يقدم لها العون، ولقد خرج إليها بعد انصرافهم ليجد الأطفال في حالة هلع شديد، والدماء تلطخ المكان كله حتى درجات المسلم."

" في مدينة أخرى اعتقل الصربيون المسلمين في فناء مدرسة بعد أن جردوهم من كل ما يملكون، ثم دعوا إمام مسجد المدينة ليتقدم الصفوف، وأمروه بأن يشير بأصابع ثلاثة من يده بإشارة معينة هي الرمز الصربي، كما طلبوا منه أن يغنى أغنيات تمجد الصرب، ورفض الإمام مصطفي مويكانوفيتش الانصياع لأوامرهم، وأشار بإصبعين فقط رفعهم لأعلي ليرسم علامة النصر، فاستشاطوا غضبا، وانهالوا عليه بظهور البنادق، ثم رفعه أحدهم إلي الحائط ليضع آخر سكينا طويلا في رقبته ليمر خلالها وينغرس فى الحائط، ويتركونه هكذا والدم ينزف منه بغزارة  حتى يموت، عقب ذلك بدأ الصربيون إقامة مباراة بينهم لقتل المعتقلين مستخدمين عصيا خشبية غليظة، وكان الفائز هو من يستطيع أن يقتل اثنين خلال دقيقة واحدة، أو من يستطيع أن ينثر محتويات جمجمة مسلم علي أرضية المكان بضربة واحدة من شومته. بعد ذلك طلب الصربيون من أهالي الضحايا تنظيف أرجاء المكان الفسيح من الأشلاء. "

***

لم تنته رواية الرجل فهي حتى الآن تحدث .

أيها القارئ : أتبكى ؟؟!!!

أترشو نفسك بدموعك.

 أم يوزن دمعك بالدم، أو برطل من لحم مسلم، أو برأس طفل .

من منا يجرؤ علي الادعاء بأن الدموع تجزي عن الجهاد والاستشهاد. وأي خداع للنفس أن نلتمس البراءة بالتأثر. أين فضيلة المفتي، وقد كثرت فتاواه؟ بم يفتينا الآن ودورة برشلونة تحظى من صحفنا وإعلامنا بأضعاف ما تحظى به المجزرة. ولست أدرى إن كانت علامة التعريف تغني ما بين مجازر فلسطين والعراق والبوسنة والهرسك , والصومال، وصنبو وديروط، وكل بلد به مسلم.. أين المفتي، وأين شيخ الأزهر، وأين من قلبوا الدنيا كأن القيامة قامت من أجل توافه؟ .

 أين كل ابن كلب بكي علي عرض كويتية منتهك ثم يصعر الآن خده،.

أين كل ابن كلب تنادى بالجهاد تحت راية بوش كي يدخل هو – لا الضحايا – جنة أمريكا .

أين كل ابن كلب تباكى على أرض في الكويت سلبية، ثم يغمض الآن عينيه عن أرض البوسنة والهرسك.

أين كل ابن كلب زين لنا النظام الجديد كما يزين القواد الزنا ليبغي .

أين كل ابن كلب روج لقتل الأطفال الكويتيين في تفاصيل انفجرت بها الفضيحة بعد ذلك أنها فرية ثمنها كذا مليون دولار دفعتها حكومة الكويت.. أين هو؟.. هاهم أطفال البوسنة والهرسك ينحرون لتتقاذف الأقدام رؤوسهم حقا، وواقعا وصدقا، لا باطلا، وخيالا، وادعاء، وأين الذى اهتزت مشاعره الحساسة لأن حيوانات حديقة لندن جائعة فتبرع لها بكذا مليون أخرى . أين الأمة..أين حكام المسلمين .. أما زالت تحقق لهم الولاية علينا؟.. أم نبرأ أمام الله منهم، نبرأ من صمتهم حين يصمتون، ومن كلامهم حين ينطقون، هذا هو نظامكم الجديد وليس جديدا إنما قديم قدم إبليس علي ظهر الأرض .

   أين جيوشنا؟؟..

 وهؤلاء الضباط العظام ذوى النجوم اللامعة والنياشين الناصعة، المهيبون الذين ترعد إشارة إصبع ليدهم أوصال أوطانهم، وملايين الملاين التي نكدس بها السلاح أين أين أين أين ؟!

لمن تجيش الجيوش إذن . ألتكون وحدات تابعة للأمم المتحدة، ويفخر المتفاخرون لأنه من كل العالم الثالث اختاروا مصر لتلعب دور المحلل بإرسال بضع مئات من أبنائها لحراسة مطار سراييفو تحت علم الأمم المتحدة، والأمم المتحدة علي رأسها محلل آخر لعله يعمل تحت إشراف مساعد وزير أمريكي .

أين جيوشنا؟؟.

البوسنة والهرسك تحتاج للطائرات، فأين طائراتنا؟ ..

أم أنها مشغولة في التدريب علي الألعاب البهلوانية، وإطلاق الأدخنة الملونة من الأجنحة وتحت الذيل كي تسعد قلوب السادة ذوي النجوم اللامعة، والنياشين الناصعة، والكروش الضخمة، والدشداشات الفارهة، والعباءات الموشاة بالذهب ..

    أم نحتاج إلي إذن من واشنطن.

   لكن واشنطن لن تعطينا إذنا إلا بضرب العراق، أو أي مكان يكون فيه الدم المسفوح دم مسلم . 

الحقيقة واضحة والأمر جلى . لا خفاء فيه ولا خدعة ولا حيلة، أمرنا تحت رايات حكامنا أهون من أن يحتاج أيا من ذلك. لكنني كلما تذكرت الحشد والقوة والجبروت على العراق إزاء المناورات الوضيعة  الوحشية لإهلاك أهلنا في البوسنة والهرسك، وتذكرت دعاة النظام الجديد ورشاواهم أيامها بأنهم سيحلون لنا كل مشاكلنا، لكن بعد سحق العراق . أذكر ذلك فتتداخل الكلمات والمعاني … تتزاحم كأنما كل منها تريد أن تظفر بأن تكون هي البداية، ويبهظ الألم قلبى، ويثقل العى لساني فلا أملك إلا الهتاف الكظيم يا ولاد الكلب .

يا ولاد الكاعلي رأسها محلل آخر لعلةالحائط، ويتركونه هكذا والدم ينزف منه بغزارة ااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااالب...

وأواجه نفسي المرة تلو المرة : ذلك لا يليق، أبحث عن كلمة أخرى . لكنني لا أجد سواها .

من المعروف جيدا في علم النفس أن تعرض الإنسان لما هو فوق طاقته واحتماله من الضغوط غير المنطقية تدفعه إلى التفوه  بما لا يتناسب مع وضعه الثقافي والاجتماعي .

***

ليقل لنا أحد القتلة المأجورين كم بلغ الآن في بورصة أمريكا ثمن دم المسلم؟.. كم بلغ ثمن المشاركة فيه..؟

 وكم بلغ ثمن السكوت عليه.. ؟

فإن نكص القتلة المأجورون عن الاعتراف فليفش السر كاتب سلطان من عبيده وأغواته، من الجواسيس الخونة الذين يطعنون الأمة .

وأتذكر العقاد . كأنه يصفهم بل هو يصفهم حين يقول :

" يحزننا أن نقول إن الكتابة أو جملتها لم تكن عندنا قط قامعة للطغيان في عهد من العهود، وأنها كثيرا ما كانت عونا للطغيان، وسترا له من يقظات العيون والآذان"

ثم يضيف قائلا:

" على القراء أن يميزوا قليلا ليطهروا الكتابة من كل قلم لا يعرف غير الثناء على السلطان، ولا يعرف النقد والمذمة، إلا إذا تكلم عن السلطان الزائل "

" أقلام تسخرها الدول الأجنبية جواسيس على أوطانهم لتفسد سياسة أوطانهم، وتخدم سياسة تلك الدول . هي الحملة على كل دولة ما عدا الدولة التي تشترى الأقلام لخدمة مأربها . وتسخير الوطنية المصرية لغاياتها"

ويثور التساؤل داخلي : لقد أحاط أنيس منصور بكل ما كتب العقاد فهل أحاط بهذا ؟ ولو أن العقاد حي فماذا كان يكتب عن أنيس ؟ ..

***

عندما قال المسيح عيسى بن مريم عليه السلام : أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، لم يكن يقصد بالتأكيد شيئا مما يفعله كتابنا وسياسيونا، الذين أحبوا أعداءنا فكرهونا مثلهم، وباركوا لاعنينا ثم لعنونا معهم .

وعندما قال من ضرب خدك الأيمن فأدر خدك الأيسر لم يكن يقصد أبدا موقف حكامنا أمام أمريكا، ولا موقف العسكريين منا أمام أعدائنا . لم يكن يقصد أبدا أن ننهزم، أن يعشعش الخراب في كينونتنا الجوفاء بعد أن نسينا الله فأنسانا أنفسنا . إنما قصد عليه السلام أن ننتصر بأرواحنا ..

وعندما حبب إلينا الإسلام الصبر وحثنا على العفو والرد على الإساءة بالإحسان، لم يقصد أبدا موقف أولى الأمر وتابعيهم، وتابعي تابعيهم من أمريكا وإسرائيل والصرب .

أتساءل أحيانا هل آيات عبادة الأوثان في القرآن منسوخة .

فما أتعسنا إن حسبنا ذلك، فالأوثان ما تزال . الحاكم وثن، والعسكر حراس الوثن، والشيخ كاهن، والناس ما زالت على عبادة الأوثان قائمة .

ولست أدرى كيف ينظر المنافقون إلى الوثن، لكن الذهول يصيبني كما ادلهمت الأمور لأفاجأ بالكتبة كأنهم على قلب رجل واحد، ورغم مظهرهم الخادع الذي يدفعنا لأن نحسبهم جميعا فقلوبهم شتى، نفس الكلمات ونفس الأحاسيس، ونفس الأفكار، ونفس الانفعال الذي يدفع الجميع ليكتبوا أو نفس الموضوع في نفس اليوم، ولو صدق هذا التوحد الوجداني لكان معجزة وجب أن تحتفل بها موسوعات المعجزات ولكان دليلا على ربوبية الوثن، ونفاذ وحيه، بيد أن الأمر ليس توحدا وجدانيا ولا اندماجا روحيا ولا انصهارا فكريا بل سلكا تليفونيا يربط ما بين أقلام الكتاب ولسان الحاكم .

الآخرون، الذين لم يصلوا بعد إلى شرف أن تكون جماجمهم أحذية للفرعون، وعقولهم مطايا له، الذين لا يربطهم بوتد السلطة حبل مباشر، لا يبدءون الكتابة إلا بعد ذبح الحقيقة لتقديمها كقربان للحاكم الفرعون . الولاء أولا والولاء آخرا وبين الولاء والولاء صبر على اللأواء لا إله سواه .

 يخيل إلى أحيانا أنهم يتعاملون مع نظام الحكم كما لو كان غولا أسطوريا هائلا لا قبل لأحد قط به، إنهم يسمعون منه هسيس ما لا نسمع، وإنهم في كل مقال يكتبونه يجيئهم صوت الغول مرعبا كما لم يك من قبل رعب يتخلل عوالمهم ودناهم فلا يسمعون صوتا سواه، هو الصوت الباقى من أشلاء ذاكرة تستعيد حكايات الجدة العجوز والغول يهمس : لولا مقالك سبق كلامك لأكلت لحمك قبل عظامك .

***

ثمة مواقف أو كلمات أو التاريخ تحملها الأحداث بشحنة من الشجن، والحكمة والعقل والدموع  والنبوءة بالكارثة حتى لتتجاوز حدود الزمان  والمكان لتنتصب فوق رؤوسنا جرما، ثقبا أسود في صفحة الكون، لا شكل له يرى، ولا حجما يقاس ولا ظلا يوصف، ولا حتى شعاعا يرتد إلينا بقبس من نور الحكمة  حتى نتعلم من أخطائنا وتجاربنا، ونظل ندور الدوار المسعور حول الوثن .

كيف لم تنبئنا الأندلس بما سيحدث لفلسطين.

وكيف لم يحذرنا ما حدث لفلسطين من أن نندفع بالحماقة وقصر النظر إلى كامب ديفيد، ثم بالعماء، والغباء إلى غاشية الخليج.

وكيف لم تنبئنا غاشية الخليج أنها النطفة الحرام التي جعلت الأمم تتداعى علينا كما تتداعى الأكلة على قصعتها، لا عن قلة فنحن كثر لكننا غثاء كغثاء السيل .

وكيف لم ينبئنا ذلك كله بأن ما يحدث في البوسنة والهرسك نتيجة طبيعية لكل هذا . وأن البطش والقمع في الداخل هما الوجه الآخر للتفريط في الخارج.

كما أن الاستئساد الداخلي ليس إلا محاولة لإخفاء وجه النعامة التي يواجهون به أعداءنا .

في اختبارات نفسية لقياس معدل الذكاء جاء القادة في الصف الأخير، كانوا هم الأقل ذكاء أو على الأحرى كانوا هم الأغبى..

يا إلهي ..

دراسات كهذه تعاملت مع مثل روميل ومونتجومرى، أو على الأقل شوارتيسكوف .

ماذا كان يمكن أن تكون النتيجة لو ضممنا إلى الدراسة أحمد الربيعيان، والأمير سلمان، وجل قادتنا .

وماذا يمكن أن تكون النتيجة لو ضممنا إلى عيّنه الفحص أناسا كالشيخ – بلا فضيلة – إبراهيم سعدة، الذي ترك الصرب واليهود، والأمريكان ليعيد تقييم إسلام إيران وإثبات أنها هي العدو الأول.

لكن .. إذا شكوت الشيخ بلا فضيلة إلي فضيلة شيخ الأزهر، فلمن أشكو فضيلة شيخ الأزهر حين يشارك في مهرجان المبايعة ؟ أأشكوه لمن بايعه .  أم إلى الله الواحد القهار أشكو الكل .

 يا إلهي، إنه تاريخ موغل في الظلم، والظلام حتى ليقول الفارابى ساخرا : "سواء قلت الملك، أو الرئيس، أو الله فإننى أقول شيئا واحدا ".

يا إلهي، إنهم يعبثون بنا عبثا لم يعرف له التاريخ مثلا .

الاستدراج إلى غاشية الخليج والمؤلف الشيطان يجعل موقف كل ممثل موازيا لمصيره، فإن قبل الدور المنوط به استمر على ساحة الأحداث، وإن رفض أطيح به، ثم التهديد بليبيا حتى ننسى ما سفك من دمائنا، وننشغل بما لم يسفك بعد، وفي نفس الوقت تدور المجزرة في البوسنة والهرسك، لكن المبتورة ذراعه، والمهدد ببتر الأخرى لن ينتبه لبتر يد يبترونها في البوسنة والهرسك، تهديد ليبيا غير كاف فيضيفون إليه إعادة تهديد العراق، ذلك كله غير كاف فيشعلون الجبهات الداخلية في كل وطن مسلم .

كيف لم أفطن إلى الجدل الصاخب حول قوانين الإرهاب والمبايعة إنما يهدف فيما يهدف إلى أن تحول عيوننا عن البوسنة والهرسك، حتى إذا انتهوا منها عادوا إلى ليبيا فشاغلونا  بالسودان عنها .

يعبثون بنا عبثا لم يعرف له التاريخ مثلا .

ونعاني وطأة خيبة وتمزق لم نشهدها رغم كل عصور الخيبة والتمزق .

 ورغم هذا كله لا حاكم لم يحظ  بالإجماع .

يا إلهي، إن الإجماع الذي يحظى به أمراؤنا، وولاتنا، ورؤساؤنا، وملوكنا وسلاطيننا، إجماع لم يحظ به الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا أحد من الخلفاء الراشدين . أما النمط المتخلف من الفكر الرديء والأرواح المدنسة فتتلقى كل رفض للمبايعة على أنه مسألة ليس لها إلا وجهان، أحدهما الجنون والآخر الخيانة.

وكل حاكم يعبدونه من دون الله يؤلهونه ..

بخ لكم ومرحى بكم، سنصدقكم، أو على الأخرى سندعى ذلك، فلو أفلتت منكم كلمة صدق فليست إلا طُعم صياد يوقع به فريسته في حبائله كي يهلكها، لكن لنقبل شَرَكَكُمْ كي نصطادكم نحن به، لقد قلتم لنا إن الملك فاروق كان لصا، وعبدا لشهواته، وأسيرا لملذاته، ولم يخرج في ذلك عن نمط آبائه وأجداده الذين لم يخرجوا عن نمط أسلافهم من المماليك، حسن جدا، أنتم قلتم أيضا أن جمال عبد الناصر كان أيضا لصا، وعبدا  للروس الملاحدة، بعد أن تربى أو أحضان الصهاينة، أما السادات وآله فقد كانوا لصوص الانفتاح وعبيد الأمريكان .

هذا الكلام لم نكتبه نحن فى صحف المعارضة..

أليس هذا ما كتبه الكتبة الرسميون فى الصحف الرسمية..

ومهما قيل فى حكام مصر فإنه قليل جدا بالنسبة لما قيل في حكام غيرها ..

حكامهم الحاليون ليس كمثلهم أحد؟..

حسنا سنصدقكم، لكن بالله عليكم إن كانت خبراتنا مع كل حكامنا السابقين أنهم لصوص، كما تقولون  أنتم، أليس جديرا بنا أن نضع لحاضرنا ولمستقبلنا آليات القانون والمؤسسات الإرهاب تحمينا من نهب حكامنا، لتمنعهم من استنزاف الأمة حتى الخراب وحتى الضياع .

حسنا أنتم تقولون أنه لم يكن في حكام مصر قاطبة من هو أنظف من  حسنى مبارك، ولا أشجع منه، ولا أعقل منه، ولا أنزه منه، ولا أشرف منه، ولا أعظم منه، ولا أحرص على الديمقراطية منه، حسن جدا، لماذا لا تنتهزون الفرصة إذن يا ولاد الكــ...  كي تسنوا فى عهده من القوانين والتشريعات واللوائح والنظم ما يكفل لنا ألا تتكرر نماذج فاروق، وعبد الناصر، والسادات،  وكل الحكام الآخرين الذين اتهمتموهم بالحق حينا وبالباطل أحيانا، لماذا لا تنتهزون الفرصة إن كنتم صادقين، كي لا يحكمنا لص آخر، لماذا ؟

لماذا – يا عبيد أمريكا يا كلاب جهنم – لا تجعلون في  آليات قوانيننا ما يكفل عزل الحاكم إن أساء كما عزل الأمريكيون نيكسون .

تتنادى العشائر للقضاء على الإرهاب وعلى التطرف.

لكن محمد السيد سعيد يلقمهم عبر الأهرام حجرا حين تنطق سطوره بما قضت المواءمة أن يكتفي بالإشارة إليه، ليقرر أن الحكومة في مواجهة من تسميمهم بالإرهابيين، لا تمثل الصراع بين الشرعية، وعدم الشرعية  بل هو صراع بين عصابتين لا شرعية لأيهما، وبرغم تحفظاتنا فإننا نورد القول .

ويشعل المنافقون النار التي لن تحرق فئة من المجتمع دون أخرى .

ويستمع الحكام لهم ..

ليس  الحاكم – أي حاكم – هو المسئول وحده، بل إن هذه الجماعات المجرمة لن تتورع أن تغتال الرئيس – أي رئيس – إشعالا للنيران، وإذكاء للفتنة ولكي تبرر للناس سلوكها الإجرامي .

أجل … ليس الرئيس – أي رئيس – بمنأى عن الخطر، ولتكن لنا في بوضياف عبرة .

لقد خيل لي إزاء الحملة المسعورة على الإرهاب الحقيقي المجرم أنها نهايات مؤامرة لإعادة ما حدث للسادات .

لم يستح من المجرمين المنافقين أحد وهو يتحدث – حتى في الجزائر – عن رفض الجماعات الدينية للحوار وعن الديمقراطية المسكينة التي يمثلها وزير الدفاع ووزير الداخلية، وأجهزة المخابرات الأجنبية، مسخ ديمقراطية النظام الجديد التي رفضت رأى الشعب عبر صناديق الانتخابات ولم يحتج ابن كلب منهم على إهدار الشرعية بعزل الشاذلي بن جديد – رئيس الجمهورية – حين أبدى نواياه في الرضوخ لاختيار الشعب

كيف لم نتأمل وكيف لم نتعلم ..

لا إله إلا الله

بأطراف الألسنة نقولها

كيف لم نفكر ولو مرة أن نعطيها حقا .

جزءا من حقها .

بعض جزء.

ولست أنادى بحق يجعل الاستشهاد غاية والحياة وسيلة ..

لست أنادى به رغم أنه حق وأن أسلافنا فعلوه

لست أنادى به، ولو فعلت لبلغ بي الشطط كل مبلغ.

فأنا العطشان، لا أنادى بنهر بل بجرعة ماء . 

أنا الجريح لا أطالب النزال  بل ما يوقف النزيف .

أنا التائه الضائع لا أطلب الوصول بل بداية الطريق..

 ويتردد التساؤل أو أرجاء الكون : ليه؟

وثمة ثقب أسود في سديم الكون، وسيد شهداء أهل الجنة يقول والردى به محدق والمنية في انتظاره : عند الله نحتسب فساد أئمتنا وولاه أمورنا

ثقب أسود التقط الكلمة والمعنى ليحتفظ لنا بها لتنطبق علينا فى كل زمان وفى كل مكان .

صبرا على قضائك لا إله سواك .

لا تبك كالنساء ملكا، لم تحافظ عليه كالرجال .

جّمدت الكلمة الزمن، وصارت علامة ورمزا .

وما ينفك ملكنا يضيع ونحن كالنساء نبكى .

ليه .. ليه، ليه .

قالها أحمد بهاء الدين حين أخبره عائده بما ألم بوطننا العربي من غاشية الخليج ولعله لا يقول سواها لو أخبره أحد بما يحدث فى البوسنة والهرسك .

ليه، ليه، ليه …

العين بالعبرات تختنق والقلب من فرط الأسى يحترق .

وثمة نزيف في حشايا مخه أولد شللا وعجزا عن النطق سوى أن تنطلق الصرخة كالسنة من لهب الجحيم ليه، ليه فيتجاوز الموقف والحدث ليصبح تساؤلا معلقا على رؤوسنا أو كل ما يعن لنا وما يحدث، ليه، الكلمة الوحيدة التي يستطيع بها اللسان العاجز أو الجسد المشلول أن يعبر عن ألمه، ليه، يصبح الجسد المشلول جسدنا والنزيف في مخنا والعجز في نطقنا والكلمة البائسة واليائسة الوحيدة، التي تستطيع إطلاقها نفثة نار من روح تحترق : ليه.

ثم نروح نبكى كالنساء ملكا لم نحافظ كالرجال عليه، ليه، ثم لا نملك إلا أن نحتسب عند خالقنا وولاة أمورنا .

صبرا على لأوائه لا إله سواه .

***

ذات يوم حاصر لواء أمن مركزي أو حرس وطني آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا بالنسبة لأهل الحكم إرهابيين . وانطلقت الجحافل الظالمة تطفئ نورا سنيا، وتسفك دماء زكية .

وينادى سيد شباب أهل الجنة للصلاة فيأتيه هتاف ضابط بمباحث أمن الخلافة :

-         يا حسين صل أولا تصل فصلاتك لا تقبل .

 ويشعلون النار حول نساء آل البيت وهم في خيمة جد الحسين صلى الله عليه وسلم، ويعرض عليهم – من لبس تاريخنا الإسلامي سرباله الدامي عليه – أن يخلوا بينه وبين آل البيت ليعودوا من حيث أتوا، لكن تعليمات الرئاسة تأتى بالرفض . فيعرض عليهم أن يخلوا بينه وبين آل البيت ليذهبوا إلى أي مصر لكن الشيخ الأكبر ومفتى الديار يرفعان أمامه لافتة يدينانه بها، وكان المكتوب آية من القرآن الذي أنزل على جده.

" إنما جزاء الدين يحابون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم " "المائدة33"

وخيروه بين الأسر، أو القتل .

وافق على النفي لكنهم رفضوا .

أليس إرهابيا يحارب الله ورسوله ويسعى في الأرض فسادا ؟.

ويظل الإرهابي يقاتل حتى يستشهد ويؤسر آل البيت .

ويصطحب نساء آل البيت وأطفاله  لواء تتصدر جبهته علامة صلاة ضخمة، ويتعمد اللواء الوزير أن يسلك طريقا يمر بمصارع الشهداء في كربلاء، وترى السيدة زينب أطهر أشلاء لأعظم شهداء فتهتف.

يا محمداه يا محمداه ..

صلى الله عليك وملك السماه

هذا حسين بالعراه …

مزمل بالدماه

مقطع الأعضاء …

 يا محمداه .

وبناتك سبايا …

وذريتك مقتلة

فصبر آل سراييفو فإن مودعكم الجنة .

فصبرا فلستم وحدكم من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم سبايا وتقتلون.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله  الرحمن الرحيم

السيد الأستاذ الدكتور/ محمد عباس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أما بعد

فلقد تشرفت بعد أن قرأت مقالات  سيادتكم أو جريدة " الشعب" على مدار 4 أسابيع وإني قد زال عن قلبي غم وحزن كثير لأني وجدت بعد قراءة  مقالاتكم أن الحاكم أصبح (عاري) أمامي من كل الهالات التى تضعها عليه أجهزة الإعلام ممثلة فى ( التليفزيون – الكتب- الصحافة … الخ)

ولكن أسأل سيادتكم سؤالا : ما الذى جعله هكذا ( فى العشرين من عمره بالتأكيد كان يحلم بخروج الإسرائيليين فماذا يجعل الحاكم تتغير نفسه بعد توليه الحكم .

وأكتب لك هذه الرسالة بعد أن قرأت الأربع مقالات  من كلام سيادتكم .

واقترح على سيادتكم فلماذا لا تقوم هيئة أمانة الحزب بوضع هذه الرسالة فى كتيب صغير ويباع أو يهدى حتى يعرف كل الناس أوجه الحاكم – وذلك لأني أقول لسيادتكم إن بعض الناس حينما يشترون الصحف وينظرون إلى جريدة " الشعب" يستولي الخوف عليهم لماذا ؟ خوفا من السلطات لماذا ؟ لا أعرف .

أما حينما يكون كتيبا صغيرا يستطيع الناس قراءة  هذا الكتاب والله ولى التوفيق.

  لماذا ؟ مع أن جيش العرب أكبر من جيش إسرائيل بمراحل لا يحارب العرب إسرائيل بدلا من الجري وراء السلام المزعوم؟

  أود أن أعرف إن كان لسيادتكم كتب مؤلفة وما هي ؟ حتى أستطيع تزويد نفسي بثقافة سيادتكم .

وتفضلوا بقبول فائق الاحترام

  أحمد مصطفى أحم سليمان

الشرقية – منيا القمح- حارة شرف

                                                           22/5/1992م

 

 

 

 

 


 

وكأنهم يقولون:

قل هو الرئيس أحد … الرئيس الصمد ..

 

 

لشد ما أود، ويود غيري أن يجدوا مسئولا محددا مختصا نسائله فيما يعن لنا من أمور وهموم، لكن مأساتنا الموروثة – في العالم الثالث – الضاربة بجذورها في عمق التاريخ، منذ عصر الحاكم الإله، أن الحاكم له الأمر من قبل ومن بعد، وأن الحكام الصغار ما هم إلا تماثيل أصغر حجما للحاكم الكبير الإله . فليس ذلك  وزيرا إنما هو يده التى يبطش بها، وليست تلك صحافة، إنما هي لسانه الذي يصوغ به وجدان شعبه بما يصبه فيها من حائق أو أكاذيب .

وجو كهذا، يجعل معارضة الحاكم كفرا ومعارضة تماثيله الصغيرة نفاقا يؤدى إلى الكفر . تصبح الطريقة الوحيدة المقبولة للتعامل مع الحاكم هي التسبيح بحمده والرضا بقضائه . وقد يحاول الواقع أن يتجمل بأدوات الزينة، تجملا قد يخفى الحقيقة بيد أنه لا يلغيها، فيظل البعض مدركا لها متذوقا مرارتها العلقمية .

وفى نظام حكم كهذا لا يوجد وزراء ولا محافظون ولا قادة وإنما كيانات فقدت ذواتها وأفرغت من محتواها كي تحل محلها ذات الحاكم الإله يحرك القلم في أناملها.. ولا تقدم على فعل لأنها تظنه خطأ أو صوابا وإنما لأن من بيده الأمر شاء ولا راد لمشيئته.

ومن ثم تكون مواجهة هذه الكيانات الفارغة عبثا لا طائل خلفه، وتتبدى عبقرية النص القرآني حين أرسل موسى عليه السلام لا إلى الشعب المغلوب على أمره ولا إلى عبيد الفرعون وكهانه بل إلى فرعون ذاته .

ولقد انقرضت عبادة آمون – رب الشمس- لكن بقايا الطقوس ما زالت سائدة في بعض مظاهر حياتنا، وما زال كعك العيد ينقش على هيئة قرص الشمس عبادة للحاكم الإله، يفعلها البسطاء دون وعى ويفعلها المثقفون بوعي أو دون وعى ربما لذلك يلجأ الكتاب إلى توجيه حديثهم إلى الحاكم، وحتى لو وجهوه لغيره فهم لا يفعلون ذلك إلا توقيا لمخاطر لا يعلم مداها إلا الله والحاكم .

من هنا كان على المثقفين في العالم الثالث على وجه الخصوص دور أساسي في تذكير الحاكم أنه بشر، في المساهمة في ترقية الحكام والمحكومين لنقلهم من طور البداوة والتخلف وعبادة الفرد إلى طور الحضارة .

***

لقاء معرض الكتاب

من هنا كان انزعاجي عظيما، عندما تابعت أحداث لقاء الرئيس بالمثقفين حين وقف أحدهم يتوب إلى الرئيس وينيب إليه، رغم أن الناس يتوبون عن آثامهم لا عن أفكارهم .. وتمنيت من أعماقي أن يرده الرئيس قائلا : هون عليك يا أخي فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بكفر المصيلحة لكن الرئيس لم يقل والمثقفون تابوا. 

في خيالى الساذج أن الرئيس حين يحضر مثل هذا المؤتمر إنما يحضر ليتعلم لا ليعلم .

الرئيس يحضر لا لتلمس نبض الأمة فقط، وإنما لاستشراف آفاق المستقبل من صفوة عقول الأمة، أن يعرف من المثقفين ابتكارات خلاقة للعقل المصري الذي دمر خط بارليف وبنى الهرم. لكن بعض المثقفين أثبت أنه ابن لبناة شارع الهرم لا الهرم .

وكان يجب على المحيطين بالرئيس أن يرتبوا اللقاء جيدا وأن توضع أمام سيادته صورة صادقة لتوجهات الرأي العام ومشاعر الناس والأمم وما يتكلمون فيه وما يبكون من أجله – وعلى سبيل المثال لا الحصر – كان يجب أن يكون أمام الرئيس تقرير واف مستفيض صادق عن فجيعة الشعب المصري في حادثة غرق السفينة سالم إكسبريس، حيث كان الشعور القومي مبهظا بحزن ثقيل تحت وطأة الكارثة، واشتعل هذا الحزن غضبا عندما قرأ الناس عن أوجه القصور التى صاحبت الكارثة، إذ إنها كانت نفس الأوجه التى صاحبت كل كوارثنا، التخلف والإهمال الضاربان بجذورهما السرطانية في أعماق نخاعنا كأمة وهيئات ومؤسسات وأنظمة   حكم، وقدره هؤلاء جميعا على التبرير واستصدار شهادات بالبراءة من وهنا وهناك، الكل غير مسئول  ولم يكن في الإمكان أبدع مما كان، وذلك العميد البحري الذي لم ينقذ، ولم يسمح لغيرة أن ينقذ، أعطوه هو الآخر صك براءة. كان قد قال أنه لا يمكن الإنقاذ في الجو العاصف، في الليلة  التالية في نفس الجو العاصف كانت طائرة هليكوبتر إسرائيلية تنقذ راكب قارب مصريا غرق أمام سواحلها ، فكيف ؟!. منذ ربع قرن أيضا كانت إسرائيل تنقذ غرقي إيلات في الليل أمام سواحلنا. ماذا يفعل هذا العميد البحري لو هاجمتنا إسرائيل في ليلة كتلك؟..إسرائيل الآن صديقة ولن تهاجم؟ . إذن يهاجمنا العراق . العراق كسيح بعد ما شاركنا من فعل به. إذن ماذا يفعل إن هاجمتنا السعودية، إذا شاءت أمريكا ذات يوم أن تؤدب مصر .

لم يقتصر الحزن القومي علي غرق الباخرة سالم اكسبريس فقط،  فلأن جعبتنا مليئة بالأحزان والآلام استدعي الحادث الأليم من الذكريات هزيمة يونيو  67 وقصور أدائنا فيها حتى الكارثة، قصور أدائنا جميعا وعلي رأسنا الجيش وعلي رأسه قواده، أما زلنا كما نحن ؟، أكانت صحوة رمضان صحوة موت واستثناء لا يتكرر؟..

 كانت الأسئلة حائرة، وكانت إجابات السر عكس إجابات العلن، فدفنا الحزن في أعماقنا حيا علي انتظار حزن آخر يستدعيه، وسرعان ما جاء هذا الحزن في لقاء السيد الرئيس بالمثقفين في معرض الكتاب حين وقف المؤلف المسرحي علي سالم فإذا بالرئيس يسأله ساخرا:

- هل أنت قريب سالم اكسبريس؟ .

يا خنجرا ينغرس وئيدا في سويداء القلب.

يا دموعا حصرها القهر.   

ماذا كنا نفعل لو أن المشير عبد الحكيم عامر سخر من الهزيمة . أكنا نحس نفس نوع الألم ؟ نفس حرقته وعلقمه؟.

آخر ما يمكن أن نتخيل أن نسمع!!.  

كـــ: "انتظرنا هم في الشرق فجاءونا من الغرب "!!. 

لقد علت أصوات تطالب بإعلان الحداد القومي .

 وحين لم تعلنه الحكومة أقمناه في قلوبنا .. لكن السيد الرئيس يجعل من أحزاننا ميدانا للمداعبة كأنه ليس مسئولا عما حدث .

وحتي لو لم يكن سيادة الرئيس مسئولا، حتى لو لم يكن مسئولا عن سفينة غرقت بالمئات من أبناء وطنه، من رعاياه، حتى لو لم يسأله الله – لا عن شاة عثرت بالعراق بل عن فلك غرق في سفاجة – لِمَ لَمْ يمهد له الطريق ويجهز وسائل الإنقاذ، حتى لو لم يكن ذلك كله فلماذا لم يذكره أحد كبار صحفييه بأن رئيس جمهورية إيطاليا لم يكن مسئولا عن الحفرة التي وقع فيها طفل، طفل واحد،  لكنه ترك كل أعباء الرئاسة – ولست أظنها هناك أقل من هنا أو أهون – ليقيم في خيمة بجوار الحفرة يتابع بنفسه عمليات الإنقاذ..

  لماذا لم يقل له الجهابذة أن علي سالم فعلا قريب سالم إكسبريس، وأننا نحن أقرباؤها كذلك، وفيها دفن لنا أبناء وآباء وأخوه ضاق بهم العيش في بلادهم تحت رعاية فخامته فذهبوا إلى بلاد ظنوها بلاد إخوانهم فلفظتهم، فركبوا السفينة دون قائمة بأسمائهم، أي بؤس !! لكن سيادته يسأل علي سالم إذا ما كان قريب سالم إكسبريس .. فأي بؤس !!

  بيد أن ذلك لا يمكن أن يكون خطأ الرئيس وحدة إنما هو يعني بالدرجة الأولي أن من حوله لم ينقلوا له الشعور القومي بعد الكارثة.

  ولا ريب أنهم أخبروه أن ليس في الإمكان إبداع مما كان، وأن الناس راضون سعداء وأن ما حدث قضاء وقدر .

  ونحن لا نواجه القدر ولا نطالب بمنعه، وإنما نطالب بتنزيهه عن جراء ما تتسم به أعمال بعضنا.

***

  علاء حامد اليوم والشيخ الغزالي غدا    

  وعندما وقف بعضهم ليثير قضية السفيه لا الكاتب علاء حامد، كان في رد الرئيس القول الفصل، محاكم أمن الدولة محاكم عادية رغم ما ينادي به القضاة أنفسهم من إلغائها، حكم الطوارئ يسري رغم تعهد الرئيس نفسه ألا يستعمل إلا ضد الإرهاب المسلح .

لم يقف أحد أمام الرئيس ليقول أن ما حدث كلمة حق يراد بها باطل، وإنه كان يجب علي الدولة لكي تثبت مصداقيتها أن تحيل وزير الثقافة إلى نفس المحكمة لمجاهرته بالفحشاء، وأن يحال أيضا وزير الداخلية السابق بتهمة القذف، كان يجب أن يحدث هذا وإلا تحول القانون إلى سكين في يد مجنون، إذ أنه يمكن للحاكم أن يصدر قانونا بإعدام من يمشى في الشارع، لكنه لن ينفذ هذا القانون إلا على معارضيه، لكن أحدا من المثقفين الذين انتقوا للقاء الرئيس لم يقل له ذلك، لم يطرحوا  القضية كما كان يجب أن تطرح، ولقد قرأت كتاب علاء حامد كي ألم بأطراف الحقيقة، وهو كتاب اصطلاحا لا حقيقة، كتاب لأنه رزمة من الورق المطبوع، ليس رواية وليس فنا على الإطلاق، لا يخلو سطر منه من خطأ إملائي أو نحوي، ولا تكاد توجد فيه جملة سليمة أو خيال غير مريض، كل ذلك صحيح أجل، ولو حكم عليه الإعدام لما أسفت عليه، وإن كنت أفضل إحالته لمستشفى الأمراض العقلية بدلا من أن يحصل على شهرة لا يستحقها ولعله سعى إليها . كل هذا صحيح أعترف . لكن السلطة استغلته أسوأ استغلال لا لمواجهة الباطل بل لتكريسه، ولم يقل أحد للرئيس ذلك، لم يقولوا أن الأهرام نفسها نشرت أنها أول من وزع الكتاب، ولم يسأل الرئيس أحد لماذا لم تحول الأهرام أيضا للمحكمة، ولم يقل أحد للرئيس أن مدبولى ليس ناشر الكتاب بل موزعا له، تولى بعد الأهرام توزيعه، لم يقل أحد للرئيس أن هذه الملابسات تجعلنا نشك أن الأمر لا يعدو بكثير تصفية حسابات مع ناشر دأب في مختلف العهود على نشر الرأي المعارض، وإن إدارة الأمر بهذه الطريقة قد أعطى للدولة فرصة ذهبية تحقق بها أغراضها، فالحكم لن ينفذ إلا بعد اعتماد الحاكم العسكري الذي قد يتأخر سنوات وسنوات كما يحدث في قضية 18 و 19 يناير، وفى هذه السنوات يظل السيف مصلتا على عنق ناشر واحد كي يسير على الصراط المستقيم للحاكم لا لله،  فإذا انحرف عنه اعتمد الحاكم العسكري الحكم، وهذا الجو كله لا يقصد به الناشر وإنما أراد الكهنة أن يكون هذا الناشر عبرة، من سيجرؤ بعد الآن على نشر كتاب قد تفوح من ثناياه  شبهة معارضة للنظام؟ .

ومحكمة أمن الدولة محكمة عادية ولم يجرؤ المثقف على مناقشة الرئيس في ذلك . والأزهر يصادر كتبا ليس من حقه أن يصادرها لكن الرئيس يعلم فيلغى قرار  الأزهر وليس من حق الرئيس أيضا ذلك . لكن المقصود من ذلك كله أن يكرس الأمر في أذهان الكل أنه لا هو إلا هو، هو الخصم والحكم والقاضي والمشروع والمانع والمانح والجبار لا نسأله رد حكم القضاء بل اللطف فيه .

ولقد بدأت الحكاية بعلاء حامد حتى تحظى من الدهماء بإجماع، لكن هل نسيتم حكم الفقهاء ذات يوم على سيد قطب بالخروج على الإسلام هل نسيتم ..؟ هل نسيتم سعيد بن جبير وقبلهم آلاف وبعدهم آلاف . إنه علاء حامد بالأمس ومحمد عباس اليوم، أما غدا فعادل حسين وفهمي هويدى والشيخ محمد الغزالى . فعوا الدرس أن السلاطين : لا يرفعون سيف الحدود إلا لباطل وأن الملوك ما دخلوا قرية إلا جعلوا أعزة أهلها أذلة .

ولست أظن الرئيس مبارك أو أيا من زملائه يغضب منى إذا ما سميت نظام حكمه بما سماه به الرسول صلى الله عليه وسلم حيث يقول : " تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على مناهج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم يكون ملكا جبرية ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على مناهج النبوة "

لا أظن الرئيس مبارك يغضب إذا سميت نظام حكمه بالنظام الجبري، وعليه أن يساعدنا وعلينا أن نساعده كي ينفذ أمر الله، لتعود خلافة على مناهج النبوة فهل يساعدنا المحيطون بالرئيس أو يساعدونا على ذلك، أم أنهم سيحملون يوم القيامة عنه ذنوبه .

الحق أنى أتساءل بقلق عنهم، عما ينقلونه له من نبض الناس . إن الرئيس بشر يخطئ ويصيب، لكن لأنه رئيس فهو يحمل أوزاره وأوزار تابعية، لذلك قال عمر بن الخطاب: إن من ولى أمر المسلمين فاجرا فهو فاجر مثله  عليه وزر ما فعل.

الرئيس يحتاج إلينا أكثر من حاجتنا إليه لأن عبئه أكبر ومسئوليته أمام الله أفدح، وإنه مسئول عمن قربهم واصطفاهم فخانوا الأمانة ونكثوا بالعهد وكذبوا . 

***      

قمع الفعل وقمع الفكر

 

لقد كان دور لواءات وعمداء جهاز الأمن دائما هو قمع الفعل، أما الدور المنوط ببعض لواءات وعمداء الصحفيين فهو قمع الفكرة . أن تسبق أجهزة الأمن في دورها،  وحتى في أهميتها، ألا تجرم الفعل فقط بل تحرمه أيضا، أن تستأصل شأفة المشكلة من جذورها، أن يصبح كل ما يشتم منه رائحة معارضة السلطان إثما يستحق العقاب الشديد، وأن توصم كل بطولة بما يجلب الخزي والعار والفضيحة، وأن يتهم كل من يدافع عن قضية عامة بالسعي لمصلحته الخاصة، أنه يخفى خلف أغراضه المعلنة أهدافا دنيئة وخططا أشد دناءة، و يجب ألا يكل اللواءات والعمداء من الهجوم عليهم أمام الناس كي يكرهوهم ويحتقروهم .

في كل قضايانا، لا في كارثة الخليج وغرق سالم إكسبريس وطوفان النوبارية فقط، في كل قضايانا أقرأ صحفنا القومية فيعتصر الأسى قلبي متسائلا : قومية ؟ قد تكون، لكن قومية من؟ ..

قومية العرب أم قومية أمريكا أم قومية إسرائيل ؟ عندما أتابع الإذاعات والصحافة الأجنبية أجد أن صحافتنا القومية أشد لنا عداء وأعلى نكيرا، وعندما تعرض هذه الصحف على الأجيال القادمة فسوف تجد عناء كبيرا في الاقتناع بأنها كانت تصدر من القاهرة لا من تل أبيب .

إزاء تناقضات بعض صحافتنا القومية فكرت ذات يوم في إعداد كتاب كاد أن يمثل للطبع، وفيه تابعت على مدى شهر واحد جهد الصحافة الهائل في تزييف وعي الأمة، و في حجب المعلومات عنها وفى طمس الحق ونشر الباطل، وهالنى ما وجدت لكنني اكتشفت أن جهدي قاصر عن الإحاطة بطوفان الكذب والتدليس والنفاق، وهو على أي حال جهد لم يحظ بما يستحق من متابعة وتمحيص وتحليل، قد لا يستطيع غير متخصص الإحاطة به، وربما لهذا السبب بالإضافة إلى حالة الإحباط القومي الذي نعيشه لم أتابع ما بدأت، بيد أنني أرجو أن تكون هذه الكلمة دافعا لمتخصصين لبحث هذا الأمر، لدراسة التطور الفكري والسياسي والاجتماعي والاقتصادي لكبار الصحفيين في مختلف العهود، أن يكشف البحث تناقض الآراء والمواقف، تناقض ما ينشر في نفس الصحيفة .. في نفس اليوم وفى نفس الأسبوع وفى نفس العام وفى نفس العهد، مقارنا بما نشر في صحف أخرى، وأن يمتد البحث كي يشمل مختلف العهود … وباعتبار أن الصهيونية مذهب سياسي آمن به يهود ومسيحيون ومسلمون وملحدون فيجب على الباحث أن يبحث لنا عن كتابنا الصهاينة.

ربما يحدث في عصر غير موبوء كعصرنا، أن تمارس أجهزة الأمن دورها الحقيقي في صيانة أمن عقل الأمة ووجدانها بأن تبحث عن الدوافع الجنائية خلف المواقف الفكرية للصحفيين والصحف، الدوافع الجنائية وليست السياسية أو الفكرية، الدوافع الجنائية والتي تشمل – فيما تشمل الرشوة الصريحة البواحة والعمولة والاختلاس وإهدار المال العام والتربح والتستر والتزوير والكذب، ولا تنتهى إلا ببحث علاقة ذلك كله بالتجسس الصريح المباشر لمصلحة الأعداء، بالخيانة العظمى.

وفى هذا الصدد سأكتفي بنماذج أربعة تعبر خير تعبير عن مشاعرنا كمواطنين عندما تطعننا بعض الصحف وبعض الصحفيين .

***

نور الشريف … الشريف حقا وفنا ..

 

عندما قرأت الهجوم[7] على نور الشريف لتمثيله فيلم ناجى العلي حسدت نور الشريف على أعظم وسام ناله في حياته، وكون موضوع الفيلم ضد توجهات المهاجم والكورس الذي ينشد خلفه، فهذا يعنى بالضرورة أنه مع الدين والمنطق والأخلاق والضمير والتاريخ .

أن تنطلق الرصاصة على الفيلم من هناك، يا لعظمته إذن حتى قبل أن أراه.. 

اللواء إكس يهاجم نور الشريف، يا لسعادة المؤمن بغضب الشيطان عليه وغيظه منه .

الفريق إكس يتهم أحدا بالعمالة والخيانة، يالها من شهادة أمام التاريخ بالبراءة .

المشير إكس يشك في مصادر تمويل الفيلم .

ثقوا إذا إنها نظيفة، وإلا لما شك فيها .

إنه أول فيلم يهاجمه المشير، ولأنني لا أعرف نور شخصيا، ولم يسبق لي رؤيته قط فقد تملكتني الهواجس برهة أن الهجوم على الفيلم بهذه الطريقة بالذات من مستر إكس بالذات، ما هو إلا نتيجة اتفاق ذكى – حتى الخبث – مع نور الشريف في صورة مبتكرة وجذابة للإعلان عن فيلم تقاضى فيها المعلن عشرة أضعاف قيمة الإعلان العادي ..

 لو كنت مكان نور الشريف لما تمنيت للفيلم تكريما أعظم من هذا .

ولما بخلت على من قام به بما يشاء .

ذهبت لرؤية الفيلم مع صديق، ولست ناقدا كي أقدم نقدا له، كما لا أستطيع اختصار أحداثه أو سرد حكايته، فذلك لا يجوز إلا إذا جاز اختصار النار واختزال الألم ومقايضة الدم بالحبر .

لن أتحدث عن قصة الفيلم لكنني أكتفي بتعبير وزير الثقافة نفسه عن تميزه وتقدم تقنياته وارتفاع مستواه الفني رغم اعتراضه على توجهاته ".

من بداية الفيلم حتى نهايته لم أسمع إلا همهمات خافتة لنشيج مكتوم .

بجواري كان صديقي يكاد أحيانا أن يفقد السيطرة على نفسه كيلا يبكى وينوح .

بعد نهاية الفيلم اشتعلت الصالة بالتصفيق ثم انصرف الناس صامتين دامعين، ولم تكن دموعهم على بطل لا يعرف معظمهم عنه شيئا بل كانت بسبب ذكرى ماض لم يمح وذاكرة لم تنس، كانت الدموع على الوطن، على الخيبة التى نعيشها، وهذا بالتحديد ما يهاجم وليس ناجى العلي ولا نور الشريف .. وقال لي صديقي : إن السقطة الوحيدة في الفيلم  هي معاقرة بعض أبطاله للخمر، وقلت له إنه حتى هذه لا أعترض عليها لأن وظيفة الفن الصادق أن يوقظ فينا الوعي كي نتجنب أخطاءنا، وهذه تحسب للفيلم لا عليه، إنه لا يحاول أن يقدم لنا البطل في إطار مثالي يجافى الحقيقة، ثم سألت صاحبي بأسى : ماذا عن حكام العرب والمسلمين، ومعاقرة الخمر أهون كبائرهم ؟ ولقد كشف محمد حسنين هيكل في خريف الغضب أن السادات كان خبيرا في الخمور، ونشر كتاب آخر أنه كان يدخن الحشيش .. لكن ماذا عن الباقين؟.. على أي حال فالفيلم ليس قصة ناجى العلي ..[8]

لو لم يذكر ناجى العلي فيه لما قلل ذلك من قيمته مثقال حبة خردل .

الفيلم يتحدث عن جرحنا الفاغر المفغور، عن فلسطين التى ضيعناها، عن عام 48 وهزيمة 67 وحصار بيروت وغزوها وانتظار أهليها لجيوش العرب التى لم تجئ.

الفيلم يتحدث عن العجز العربي والخيبة العربية، يعرض علينا جروحنا المتقيحة لعلنا نرى، لعلنا نحس ونتحرك ونعالج، أما ناجى العلي فلو استعمل المخرج والمؤلف    بدلا منه شخصية خيالية لا وجود لها لما اختلف هجوم المهاجمين ولا نباح النابحين .. وليسألهم سائل إن كانوا صادقين مَنْ مِنَ الفلسطينيين يرشحونه ليكون البطل في مثل هذا الفيلم، مَنْ مِنَ الفلسطينيين يرضيهم أداؤه مَنْ مِنَ الفلسطينيين عندهم لا يستحق الموت، من منهم لم يبع أرضه ويخن وطنه ويشتم أمهم مصر، ولو كانت مصر أمهم حقا فلا أم لهم، لكن مصر منهم براء.

 مَنْ مِنَ الفلسطينيين يختارون غير شارون وشامير ؟ .

عندما رأيت الفيلم دهشت لسماح السلطات المصرية بعرضه وتوقعت أن تحتج إسرائيل عليه، ولكن لماذا تحتج إسرائيل وسفراؤها بيننا، منا،  يتقلدون أرفع المناصب، يتباكون على البريئة منهم مصر بدلا من إدانة أمهم إسرائيل ؟

الحق إنني بعد مشاهدة الفيلم وددت أن أرسل برقية تهنئة لفاروق حسنى على موقف صائب له رغم أننى أصدق كل ما تقوله نعمات أحمد فؤاد عنه، لكننا قوم لا تمحو عندنا السيئات حسنة.

وددت أيضا أن أشكر الرئيس لأن نظامه سمح بمثل هذا الفيلم، رغم أننى لا أوافقه على شئ من سياسته تقريبا .

عجبت لعرض الفيلم، لكن عجبي قد خف قليلا عندما علمت أن الفيلم لم يصرح به إلا بعد أن رآه أسامة الباز … وأسامة الباز ليس شيوعيا سافلا، ولا مارقا آبقا مهدر الدم مستباح العرض من الجماعات الدينية المتطرفة ولا شيعيا ولا أمريكيا ولا صهيونيا كالبعض منا، وأسامة الباز أيضا لا يهاجم أمه مصر – تلك الفرية التى ابتدعوها والإفك الذي أدعوه أن  من يهاجم خونة مصر وبائعى تراثها وماضيها وحاضرها ومستقبلها إنما يهاجم مصر لا يهاجم من يخونوها، أسامة الباز لا يهاجم  أمه مصر، وبالرغم من ذلك فقد صرخ ذات يوم في كامب ديفيد والسادات يشق قلب الأمة : " هذا الرجل مجنون ولا بد من وقفه بأية طريقة " فلم يتجاوز بهذا صرخة قلب مصر الدامي مع محمود رياض حين علق على عار الممارسة السياسية بعد مجد حرب أكتوبر : كان العالم كله مع مصر لكن السادات كان مع أمريكا : ثم واصل تحليله لما حدث من انهيار لمشروع الأمن القومي العربي عن طريق خيانة الوطن … والآن من يجيب عن التساؤل : هل هاجم  محمود رياض وأسامه الباز أمهما مصر ؟ … أنا أخمن إجابتهم : محمود رياض نعم، لسبب وحيد، هو أنه مات؟؟ أما أسامة الباز فطالما بقى في السلطة فلا، أما بعد أن يموت فنعم .

نور الشريف كناجي العلي ليس له سلطة، فحلال إذن مهاجمته .

نور الشريف لا يرشو وليس قوادا للسلطة فحلال إذن مهاجمته .

نور الشريف واحد من انضج فناني السينما المصرية وأكثرهم ارتباطا بقضايا الوطن لا يرشو بمال ولا يقيم سهرات حمراء كعيونهم سوداء كقلوبهم، فلماذا لا يهاجمونه إذن .. هجوما لم ينل معشاره عندما مثل بعض الأفلام التى نختلف معه في مضمونها أو قيمتها الفنية .

على أن الصورة تتضح عندما نمزق أستار الباطل عنها، تشي بجزء من الحقيقة فنور الشريف لا يهم، وناجى العلي لا يهم، وفن السينما لا يهم الــ… شريف الذي يهاجم نور الشريف، ليس مهما أيضا التاريخ ولا الصدق ولا الوطن ولا أي شئ  المهم هو القيام بالدور الذي رسم لهم، الذي أصبحوا مهمين – من الهم لا الأهمية-  كي يقوموا به، وهذا الدور هو امتداد لدور جهاز الأمن، حتى إنه أصبح من الواجب أن تحدد رتب معروفة لبعض الصحفيين حتى نعرف حجم ما يمثلون من السلطة لا من الشعب

والحقيقة أنني  أستطيع أن أتخيل جزءا من مشاعر هؤلاء الذين يهاجمون كل قيمة نبيلة في مجتمعنا، الذين هاجموا سليمان خاطر وسعد إدريس حلاوة وإبراهيم شكري وجبهة الإنقاذ وكل حركة في الاتجاه الصحيح،  فأولئك قوم – كفاوست – باعوا أنفسهم للشيطان الذي حدد لهم ما يدفعونه، أن يقوموا بتزييف وعى أمتهم وتخريب وجدانها ومحو ذاكرتها وتشويه رموزها وإفقادها الأمل في احتمال الخلاص،  في تفتيت الوجدان الجماعي للأمة حتى تصبح شراذم متناثرة يسهل اغتصابها،  وكلما وجد أحد هؤلاء الفاوستيون بوادر توحي أن الأمة لم تنس وأن الذاكرة لم تمح، وأنه ما زال هناك رجال وأبطال وشهداء ومناضلون وتاريخ وفن كلما وجدوا ذلك امتلئوا فزعا ورعبا ،  لأن معنى وجود هذه النماذج أنهم لم يقوموا بواجبهم تجاه الشيطان كما يجب، وأنه قد يغضب عليهم فيذهب بهم ليأتي بغيرهم يكون كم الشر فيهم أكبر ونوعه أعتى .. لذلك فإنهم عندما يواجهون النماذج النبيلة بكل هذه الحدة وكل هذا الحماس لا يفعلون ذلك كراهة في الأمة فقط،  بل دفاعا عن وجودهم ذاته،  وجودهم مرتبط بتدمير الأمة فإن بقيت فيها علامة حياة بادوا،  والحق أننى لا أعتب على من باع نفسه للشيطان فالعتاب أسمى،  ولو كانا مجرد خدم للسلطان ما حملنا عليهم لكنهم خدم أعدائنا وأعدائه .. وكل منهم لا يقل بذاءة وسفاهة عن علاء حامد،  وكل منهم أولى أن يكون مكانه، لكن ليبيعوا أنفسهم كيفما شاءوا ولا عتبى  عليهم، العتبى على من يسمح لهم أن يبقوا في مناصبهم .

وثمة عتاب آخر على المثقفين والكتاب والنقاد، فأقل القليل منهم من يواجه أما الباقون فيتصرفون كرجال محترمين يتجنبون الخوض في مياه المجارى القذرة أو مواجهة بلطجيا في ملهى ليلى، لكن مصر ليست ملهى،  وهم أنفسهم ماذا يفعلون إذا طفحت مياه المجارى في بيوتهم حتى لتوشك أن تغرقهم ؟ ليس أمامهم إلا أن ينزحوا، عليهم أن يواجهوا، حتى لو طالهم الرذاذ القذر فذلك أفضل من الغرق.

***

 

مصطفى محمود .. والنظام الجديد

 

أخيرا جدا يا مصطفى محمود تكتشف أن النظام العالمى الجديد مجرد طوق جديد أكثر إحكاما يلتف حول أعناقنا، وأن حرب الخليج كانت إحدى حلقات هذا الطوق وفيها كسب أعداؤنا على طول الخط وخسرنا نحن على طول الخط ؟..

أخيرا .. أين كنت ؟ أم كنت أحد الذين شاركوا في إحكام حلقات الطوق؟.. خدعوك فانخدعت بأن القضية قضية صدام حسين لا اغتيال الأمة ؟ ..

لا عذر لك … لا عذر لك … لا عذر لك ..

***

 

سعيد سنبل وحرب الخليج

 

يقول سعيد سنبل، المحرر الكبير في أكبر الصحف المصرية انتشارا – لا احتراما – إنه قابل رئيس القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية الذي سأله عن رأيه في أداء إذاعته أثناء حرب الخليج فأجابه سعيد بأنه أحس أن الإذاعة البريطانية كانت منحازة للعراق .

أخذ الرجل يدافع عن نفسه وعن إذاعته أمام السيد الأستاذ المحرر الكبير بأكثر الصحف المصرية انتشارا – لا احتراما - قائلا : إن هذا انطباع خاطئ سببه أن المستمع لإذاعته قد يتابع بعض الوقت فيستمع إلى رأى وزير أردني أو عراقي مثلا فيتخيل أن هيئة الإذاعة البريطانية منحازة للعراق، بينما لو واصل الاستماع، لو لم يغلق المذياع لاستمع في الدقائق التالية على الفور إلى رأى وزير مصرى أو مغربي وسيكون رأيه بالتأكيد ضد العراق، وهكذا سيدرك المستمع لو واصل الاستماع توازن هيئة الإذاعة البريطانية ..

يا إلهى .

منذ عشرات القرون صرخ اسبارتاكوس أمام جد هذا الرجل : لست حيوانا .

وبعد مرور آلاف الأعوام أحس أننا نحتاج لترديد نفس الحاجة .

كيف لم يدرك المحرر الكبير بأكثر صحفنا انتشارا -لا احتراما -  ما في قول العلج الإنجليزى من سخرية ، من استهانة واحتقار ؟

إلا أننى – إنصافا – أعتذر للرجل، ولو كنت مكانه، ووجه إلى سعيد سنبل سؤاله لما انفجرت في الضحك فقط بل لمت من الضحك، وساعتها قد تقع حكومتنا في مأزق فالحكومة البريطانية قد تطالبنا بتسليم سنبل إليها لمحاكمته بتهمة الإرهاب وقتل رجلها ضحكا..

الإذاعة البريطانية منحازة للعراق .

أنا غير مسئول عمن يموت من القهر .

ألم يدرك سعيد سنبل ما في إجابة الرجل من سخرية به وبنا ؟

إجابته قد تكون معقولة لعامل باليومية يجلس على مقهى لاظوغلى أو العتبة، سمع الراديو صدفة ثم جاءه من يطلبه لعمل، فترك المذياع ومضى فلم يسمع الباقي.

وإجابته قد تكون معقولة لو أن  من سأله كان معتقلا يجرون له غسيلا في المخ …

وإجابته قد تكون معقولة لو أن السائل نزيل بإحدى مستشفيات الأمراض العقلية.

وإجابته قد تكون معقولة  لو أنه لم يكن من أولئك البرابرة الهمج الذين يسحقون شعبنا في العراق ويستعدون لسحق شعبنا في ليبيا بعد أن أحدثوا ما أحدثوا في الجزائر ليذكرونا بما نسيه البعض منا من همجيتهم ووحشيتهم إبان احتلالهم لبلادنا.. إن وجه كرومر  الصفيق هو نفس وجه تاتشر البشع، وما فعلوه بنا عادوا ليكرروه مرة أخرى لكن سعيد سنبل يتهمهم  بالانحياز للعراق … فيا للألم .

إجابته كانت قد تقبل لو كان أيا من ذلك .

أما أن يكون هذا التفسير للمحرر الكبير بأكثر الصحف المصرية انتشارا – لا احتراما - المحرر الكبير لصحيفة تملك – بالقطع - أكبر أجهزة الرصد والمتابعة والتحليل لا للإذاعة البريطانية فقط، بل لكل صحف ومجلات وإذاعات ودوريات ومؤتمرات وهيئات العالم،  وأنه بحكم منصبه على الأقل يقرأ ملخصا لاتجاهاتها، أن يكون السائل ذلك ثم تكون الإجابة تلك، فليس ذلك إلا عنصرية قبيحة جعلت الرجل ينظر إلينا جميعا، حكاما ومحكومين كتابا ومكتومين على أساس أننا نحن الحيوانات التى رفض العبيد أن يكونوها آلاف الأعوام، على أننا متخلفون حمقى بلا عقل وبلا ضمير .

هل قلت إنني أتهم الرجل بالعنصرية ؟ لكن أممهم المتحدة قد رفعت الاتهام حتى عن إسرائيل .. ولا أملك إلا أن أدمدم والغيظ ينهشنى : قلة أدب ..

إنني أقول هذا لأنني لا أحمل لسعيد سنبل شعورا معينا، أو قد يكون بقية احترام قديم، ومشروع اتهام جديد، لذلك أشعر أن من حقه على ومن حق الوطن علينا معا أن أنصره برده حين يخطئ.

لو أن القائل آخر، ولو أن القائل الآخر لما اهتممت، أو لكظمت غيظي وبلعت غضبى وأمسكت . ذلك أن الآخر بقية حثالة فرضها علينا زمن رديء تسلط فيه السفهاء وساد السفلة .. وثمة سفيه لم يتورع عن أن يلغ بلسانه القذر في عرض سيده السابق نفاقا لسيدة اللاحق .

ومجادلة مثل هذا الآخر السفيه أو الرد عليه إهانة للعقل والكبرياء والمنطق والشرف .

***

سيدي عبد القادر ..

 

غرقت زاوية سيدي عبد القادر بعد انهيار جسر النوبارية، وهرع المسئولون وذهب المسئولون ورجع المسئولون وكتب الصحفيون وتم شفط الغضب الشعبي العام قبل شفط مياه الطوفان ثم لاشيء .. ثم نسى كل شئ.

على أي حال يبقى مجال لدور لفنان مبدع كنور الشريف ليقدم الواقعة في عمل هائل يحمله بكل ما في الدنيا من عجز واستهتار وفشل، فقد ظلت القرية والمصانع الضخمة التى تحيط بها تغرق رويدا طيلة سنوات ثلاث، والناس يجأرون بالصراخ للمسئولين دون جدوى، حتى إن مواطنا واحدا كتب مائة برقية لكل المسئولين، مائة برقية بعضها بالطبع للرئيس، وصبيحة الطوفان، عندما بدأت المياه تتسرب إلي أحد المصانع الضخمة جاء من يقوى الجسر إزاء المصنع فقط منكرا آية جاء بها القرآن من ألف وأربعمائة عام أن الخرق يغرق السفينة كلها، وحاول الأهالي – الرعاع السفهاء الجهلاء – أن يشرحوا للمسئولين الجهابذة العلماء أن تقوية الجسر في جزء سيؤدى لانهيار الأجزاء الأخرى، وعندما واصل المسئولون عملهم حاول الأهالي منعهم بالقوة، لكنهم إزاء القوة والبطش والجبروت والثقة الكاملة، تراجعوا، ربما لو لم يتهدم الجسر في ذات اليوم، لأتى الأمن المركزي ليحاصر القرية التى قاومت السلطات، ليستبيحها، لكن الطوفان سبق، وتشرد في العراء خمسون ألفا .. ضاع كل ما يملكون وكانت الخسائر – كما قالت الصحف – نصف مليار جنيه ..

يرتفع الشجن بما يحدث في زاوية سيدي عبد القادر إلى مستوى الرمز، النبوءة، تحذير القدر، لأنهم يا سيدي الرئيس يقوون الجسر فقط أمام بيتكم، لكن المبالغة في ذلك ستؤدى إلى انهياره علينا وعندئذ نغرق وتغرقون.

من رحمة ربنا أنه جعل لنا من السم الناقع دواء، ومن الكوارث عبرة، ومن الخطايا عظة لعلنا نتذكر أو نخشى .

لكننا والطوفان لم يجف في زاوية سيدي عبد القادر والناس في العراء ما زالت دموعهم طوفانا آخر نفاجأ بصحيفة محترمة تقول : " كان الرئيس مبارك على علم كامل بكل تفاصيل الحادث منذ وقوعه لحظة بلحظة، وبأدق التفاصيل حيث فاجأ المسئولين في الموقع بمعلومات عن أسباب الكارثة لم تكن واضحة أمامهم "

يا إلهى، إن كان يعلم كل شئ هكذا، إن كان يعلم السر وأخفى، فلِمَ لَمْ يسمع جئير الناس هناك طيلة سنوات ثلاث .

إنهم يؤلهون الرئيس – كل رئيس – طالما وجد، فإن مات أو قتل انقلبوا على أعقابهم فأخذوا ينبشون قبره ويسلخون أهله ويرجمون ذكراه .

وهم بذلك يا سيادة الرئيس لن يضروا الله شيئا، لكنهم يضرونك أنت ويضرونا معك، ديدان مقززة تتغذى على الجسد طالما هو حي، فإذا مات نهشته ثم انتقلت إلى غيره .

 أجل .. كم تسئ إليك هذه الأقلام وتيك الصحف يا سيادة الرئيس، تسئ إليك حتى لتصبح أخطر عليك من أعدي أعدائك، تسئ إليك حين لا تهدى إليك عيوبك، وتسئ إليك حين تسعى لتأليهك.

 متى يبرح الخفاء فنسمع الترانيم الكافرة التى تتردد في صدورهم تنم عنها أقوالهم :

قل هو الرئيس أحد ..

الرئيس الصمد ..

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

السيد الأستاذ / عادل حسين             رئيس تحرير جريدة "الشعب"

تحية طيبة

أرجو نشر هذا التعليق في جريدة " الشعب"

إلى الدكتور / محمد عباس

تعليقا على مقال سيادتكم وكأنهم يقولون ( قل هو الرئيس أحد .. الرئيس الصمد ) خصوصا على ما ذكرته تحت العنوان الفرعي " نور الشريف .. الشريف حقا وفنا " أقول بأن الذين يهاجمون فيلم ناجى العلي ونور الشريف والذين ساهموا بجهد لإمرار هذا العمل هؤلاء المهاجمين إنما يخشون بأن أعمالا رفيعة المستوى قد تتوالى يوما بعد يوم فيتحول الصمت والدموع والتصفيق إلى وقفة حادة تؤدى إلى إلغاء اتفاقية الجبال باسم المجد العربي فيرحل العدو الإسرائيلي بعيدا عن الأرض العربية المقدسة وبذلك يخر الذين يهاجمون الفيلم وأبطاله أصدقاء الفكر والمصالح.

يوسف يوسف أبو رية

   أمين حزب التجمع

    مركز ههيا – الشرقية

     ت 565458 ههيا

                                                              10/3/1992

  

                                                                             

                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                              


 

إنني وحق جلال الله الواحد القهار … الله الذي لا إله إلا هو، أشعر أنه لا حق لي في طعام أزدرده، ولا في شراب أرتشفه، ولا في سرير أفترشه، ولا في لحظة راحة من الهم والكد طالما كان أولئك  الذين لا أعرفهم يعانون هذا الذي أسمعه.

 

" من رسالة إلى خالد محمد خالد"

 

 

الجلد بالسياط … والجلد بالكلمات

 

كان لا بد – بكل مقاييس الحياة والموت – أن يفقد

الحياة ويغادرها متأبطا ذراع الموت إلى يومه الأخير

.. ولقد فعل … بيد أنه ما كاد يقف على حافة المنية

حتى قرر أن يعود .. لكن كيف، واحتمالات الموت

تحاصره وتدثره ؟؟ سيعود ولو من ثقب إبرة ..

سيعود لأن لله عبادا إذا أرادوا .. أراد .. وهو بما

وقع عليه يومئذ من ظلم مبين .. وبما ألح به

على الله في ضراعة المؤمنين، تبوأ مكانا بين

أولئك العباد..

 

مَــنْ مـــِنَ القراء يجرؤ ألا يقسم أن هذا الأسلوب الفذ والروح المتدفقة درا خالصا ليس إلا لكاتب كان نسيجا وحده هو خالد محمد خالد، حتى من ينعى عليه اقتصار علومه على علوم اللغة والبيان، التى لم يتجاوزها إلى علوم الروح والمعاني أن يمارى في أن هذا الأسلوب الفذ أسلوبه .

فلخالد محمد خالد أسلوب فريد ولسان أحلى من العسل يتميز بنكهة لا يكاد يملكها سواه، ولطالما سفح جيلنا دموعا غزارا تحت وطأة معانية وجزالة مبانيه وانسيابه كطوفان هائل من المشاعر يكتسح أدران النفس ويصهر الحديد حتى يتخلص من خبثه .

ولطالما وقفنا معه في خضوع في مجيء أبى بكر وفى فرق بين يدي الفاروق عمر وفى جزع دامع في " وداعا عثمان " وفى انبهار حزين في "رحاب على" وفى مهرجان هائل لأعظم ما حفلت به النفس البشرية في " رجال حول الرسول ".

فترى مَــنْ مـــِنَ الصحابة الأجلاء قال فيه خالد محمد خالد ما صدرنا به مقالنا هذا ؟؟؟..

أبو بكر أم عمر أم عثمان أم على ؟؟؟..

فإذا قلت لك يا قارئي إنه ليس أيا من هؤلاء لابد أن تقفز مخيلتك إلى صحابي عظيم من رجال حول الرسول، وسوف تجهد نفسك في التذكر ..  فهل هو مصعب بن عمير أم سلمان الفارسي أم أبو ذر الغفارى أم معاذ بن جبل أم خباب بن الأرت أم أبو عبيدة بن الجراح أم جعفر بن أبى طالب أم سعد بن أبى وقاص أم خالد بن الوليد أم أبو الدرداء أم الزبير بن العوام أم أبو هريرة أم البراء أم سعد بن معاذ أم حتى أبو موسى الأشعرى وعمرو بن العاص..

 لكنني سأصارحك أنه ليس منهم جميعا ..

 ساعتها قد تمس السعادة شغاف قلبك لأن تاريخنا ما زال فيه غير هؤلاء وأولئك من يمكن أن يقال مثل هذا الكلام فيهم..

 وقد يطوف بمخيلتك مثلا أحد الأئمة الأربعة..

 فإن واصلت اللعبة معك قائلا : ولا هذا..

 فلا ريب أنك ستدخل في ميدان رحيب أخر يقف على مفتتحه الحلاج والنفرى.

 لكنني سأستبقك قائلا :

 ولا هذا..

 فلعلك تقول الآن في ملل ونفاد صبر لعله خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عبد العزيز..

 لكن كلمة لا سوف تقطع إجابتك فتستدرك لعله صلاح الدين الأيوبي ثم تردف قبل أن تواجه بالإنكار منى :

مَــنْ مـــِنَ اللاحقين يستحق أن يقال فيه مثل ذلك، لكنني سأظل مصرا على لائى، وعندئذ ستتملك الحيرة فأقول لك كي أسهل الأمر عليك:

 إن من قيل فيه ذاك لا يزال بين ظهرانينا حيا..

 فإذا ما أردته يسرا ينقلب إلى عسر..  فلعلك تسائل نفسك الآن :

وهل بين ظهرانينا في مثل هذا الزمن من يستحق أن يقال فيه ذلك، ولعلك تذكر الشيخ محمد الغزالى فيرطب ذلك نفسك – برغم كدر شفيف قد يخامر النفس من موقف الشيخ العظيم الجليل إزاء كارثة الخليج – لكن القارئ قد يؤكد  لنفسه أن الشيخ محمد الغزالى هو الذي إذا أراد أراد الله، لكنني سأواصل النفي مستعيذا بالله من نفاذ الصبر قبل أن أبوح بمن قيل فيه ما قيل..

أليس القائل خالد محمد خالد .

ألا يستحق صبرك بل نشوتك أن يصطحبك كما أصطحبك إلى رياض يفوح منها عبير الجنة .

لكنني يا قارئنا لن أشق عليك أكثر من ذلك، رغم أن مرارة طافحة تدفعني لإعادة سؤالك بشرط أن تكون إجابتك كنهايات قصص أجاثا كريستى حيث يكون المجرم الحقيقي أبعد الناس عن الظنون .

سأقول لك الحقيقة مهما كانت مريرة فقد تجرعت قبلك علقمها . فهل تعلم من هو الذي إذا أراد أراد الله؟

إنه …

أنه…

إنه حسن أبو باشا وزير الداخلية الأسبق ..

والقائل - فقد تكون الصدمة قد أنستك - هو الكاتب الإسلامي الكبير الهائل خالد محمد خالد .

لعلك يا قارئي تتمالك نفسك وتحسن الظن بي، فلا تبادر باتهامي بالكذب والتشهير بالرجل لغرض في نفسي أخلط به عملا صالحا بآخر غير صالح . لكنني دفاعا عن نفسي – وقد كان أحب إلى نفسي أن أكذب فأتوب – أبادر فأقول لك إن هذا ما جاء في تقديم خالد محمد خالد لكتاب : في الأمن والسياسة – مذكرات حسن أبو باشا – من منشورات دار الهلال. 

لعلك ترتجف الآن

ولعل دمعا حاضرا يغالب دمعا مضى فتبكى لأنك بكيت، لكنك لم ترشف بعد من كأسك إلا قطرة، فلا تدعني إذن مع حنظل وحدي واقرأ .

" لو كان لي من الأمر شئ لأخذته من سرير المستشفى – بعد أن أبل وعوفي – إلى كرسى الوزارة، ليلقى القدر العظيم به درسه البليغ .."

الحمد لله أن ليس لك من الأمر شئ وإلا لرفعته كما رفع شيخ من شيوخنا من لا يقل سوءا عنه إلى مصاف من لا يسأل عما يفعل .. [9]

فلنواصل قراءة خالد محمد خالد :

" ومن قبل محاولة اغتياله، جاءوا بغلام مراهق في السابعة عشرة من عمره ليشهد بما لقنوه إياه وهو أن اللواء حسن أبو باشا، قام أثناء تحقيقه معه بتمزيق المصحف الشريف، وألقاه على الأرض ثم داسه بقدميه … أهذا إسلام ؟؟ أهؤلاء مسلمون ؟؟

لمثل هذا يذوب القلب من كمد … إن كان في القلب إسلام وإيمان "

لقنوه ؟؟ كيف تجرؤ .. وكيف تستهين بالحقيقة إلى هذا الحد .. دعني يا خالد  - وما ناديتك باسمك المجرد قبل ذلك حتى في خيالي – استشهد ببيت شعر ركيك كما استشهدت

إن كنت لا تدرى فتلك مصيبة .. وإن كنت تدرى فالمصيبة أعظم .

كيف لم تذكر أولئك الرهط الذين اضطروا تحت وطأة قسوة تعذيب دونه الموت أن يفضلوا حكما بالإعدام باعترافهم كذبا أنهم هم الذين شرعوا في قتل اللواء حسن أبو باشا .

ولأنك يا سيدي لم تذكرهم – لا أعفيك من ظن السوء – عمدا فدعني أذكرك بهم فإن كنت قد أنسيت فاذكر وإن كنت قد تناسيت  فاتق، حفظك الله ووقاك، واعلم أن أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فاتق الله يا سيدي واذكر مجدي غريب ومحمد البحيري وفاروق عاشور فهم الذين ألقى القبض عليهم بعد محاولة اغتيال أبو باشا، واعترفوا تحت وطأة التعذيب اعترافات تفصيلية بالجريمة، وأعلن وزير الداخلية عندئذ نجاح أجهزته في القبض على الجناة، وذكر أسماء الثلاثة أمام مجلس الشعب، لكنه عاد بعد ذلك بنفس اللسان الذي أذاع تفاصيل الاعترافات وتطابق البصمات وتقارير الطلقات وشهادة الشهود وفوق كل ذلك إقرار المجرمين أمام البوليس والنيابة، عاد ليقول بنفس اللسان، الذي لم يتلعثم أن ذلك كله لم يحدث وأن القتلة آخرون .

فهل يمكن لك يا خالد أن تتوقع ماذا يحدث هناك ؟؟ أم أن وقتك مشغول بمجالسة سادة تتوسم فيهم أنهم إذا أرادوا أراد الله ؟؟؟ وما خفت عليك يا سيدي ولا على بقية كتابنا من مجالسة السادة خشية أن يهينوكم لكنني والله خشيت من إكرامهم لكم فتميل قلوبكم إليهم، وأنتم تعرفون أن الشيطان يجرى من ابن أدم مجرى الدم حتى لأخشى أن يكون قد قذف في قلوبكم شرا، وأخشى عليكم أن تنسوا الله فينسيكم أنفسكم، وإلا فكيف استطعت يا سيدي أن تتجاهل ما يحدث هناك حتى لأجدنى مضطرا لأن آتيك منه بطرف، عسى الله يضع فيه هداه.

فما يحدث هناك أيها السيد المرهف الإحساس يفوق أعتى الجرائم ويزرى بأبشعها، إن المجرمين العاديين في المجتمع بالنسبة للمجرمين هناك أطفال أبرياء شئ رهيب ومفزع،  فحتى الحيوانات الضارية في الغابة لا تفعل مثلهم، هل تعلم يا سيدي ماذا فعلوا بأولئك الرهط الذي نسيته وبمئات وآلاف غيرهم:

يدخل السجين فيخلعون ملابسه تماما، يضربونه بالسياط والعصي والشوم حتى يدمى جسده ثم يرشون الملح على جسمه ويضربونه من جديد حتى يغمى عليه ثم يلقونه في زنزانة كومة من العظام واللحم، وفى الليل يستدعونه للتحقيق . في معظم الأحوال يكون لا يعرف شيئا وليس عضوا في أي تنظيم ولا مشتركا في أية جناية ويكون . فضلا عن ذلك مستعدا للتوقيع على أي أقوال واعترافات يريدون نسبتها إليه لكنهم يواصلون تعذيبه..

يقول محمد البحيري : منذ الساعات الأولى طلبت منهم أن يكتبوا ما يريدونه لأوقع عليه إلا أنهم اعتبروها إهانة .

وقالوا … إحنا بنلفق يابن الــ … ولا إيه … وبالفعل لم تمر إلا أيام قليلة وتأكدت من الخطأ الذي وقعت فيه، فالتلفيق يقف قزما بجوار ما يفعلونه وأساتذة التعذيب يقفون تلاميذ أبرياء أمام ما يتفننون فيه ويبدعونه.

سوف ندع خصوصية حالة البحيري يا أستاذ خالد لنعود إلى ما يحدث للغالبية العظمى … ما حدث وما يحدث وما سيحدث .. ما شارك فيه ولو بالصمت رجلك الذي جعلته عبدا لله إذا أراد الله … فلتكمل معي إذن:

لا يتم التعذيب بقصد الحصول على الاعترافات .. بل لأن حيوانات بشرية مجرمة شيطانية لم تعد من البشر وأصبحت متعتها في التعذيب … يربطون يد الضحية بقضبان نافذة حديدية ويربطون اليد الأخرى بمقبض باب يفتحونه تدريجيا بحيث تتمزق معه عضلات اليدين والكتفين ويصرخ الضحية  ويصرخ حتى يصاب بالإغماء .. مرة أخرى يتركونه حتى يفيق … يأمرونه بالانصراف فيقوم منهكا يتساند على المقاعد والجدران وبمجرد أن يضع يده على إطار الباب  يغلقون الباب على أصابعه بعنف مدرب حتى تتحطم عظام يده، يسقط مغشيا عليه مرة أخرى، يحملونه إلى الزنزانة كومة من العظام واللحم،  ويأتون به في ليلة أخرى، ثم يطلقون الكلاب عليه، الكلاب مجازا لأنها في الواقع في حجم الأسد المتوسط، تهجم الكلاب عليه تمزق جسده، كل هذا والجنود يمسكون بالسياط ويضربونه بها كلما أسقطته الكلاب أرضا كي ينهض من جديد .

ماذا تفعل الآن في مقعدك الوثير يا أستاذ خالد محمد خالد …؟؟

هل تتخيل كم سوطا يمكن أن تكون قد هوت على جسد الضحية ريثما تعدل وضعك لإكمال  المقال ؟..

 أي شعور رهيب يكتنفك لحظة قراءتك هذه الكلمات ..

 أأدركتك رحمة الله فاعترفت بخطيئتك وتبت عنها ونويت ألا تعود إليها أبدا .. أم سادر فيما أنت فيه تفكر كيف ستجلدني بلسانك وأنا أعترف أن الله لا يقل عن السياط قسوة .. لكن فلتؤجل ذلك قليلا لأن ضروب التعذيب لم تنته بعد … ولنعد إلى ما كنا فيه .

في يوم آخر يأتون بالضحية، يتفننون في طرق تعليقها كالذبائح في متجر القصاب،  فمرة يعلقونه من يديه والقيود في قدميه ومرة أخرى يعلقونه من قدميه والقيود في يديه، وفى كل مرة يضعون أثقالا في الطرف المنخفض،  بحيث تتمزق عضلات الجسد .. وعندما ينزلونه بعد أن يفقد الوعي لا يلقونه حتى على الأرض، وإنما على نوع من السجاجيد المطاطية المحشوة بالمسامير، وعندما يفيق يطفئون سجائرهم في جروحه المتقيحة،  ويوصلون أسلاك الكهرباء إلى أذنيه وأنفه وصدره وقضيبه وخصيتيه وشرجه … يطلقون الكهرباء فيتشنج المعذب وهو يطلق صرخات ألم لا يوصف، ثم يذهبون به إلى زنزانته كومة من العظام واللحم، لكنهم يأتون به في يوم آخر، يقيدون يديه وقدميه وهو منبطح على بطنه يدخلون قطعة من الخشب في شرجه ثم يقلبونه على ظهره ويأتون بأنبوبة من البلاستيك تكون في العادة أنبوبة لقلم  حبر بلاستيكي جاف، فيضعونها في الجزء الأمامي من مجرى البول، ثم يشعلون النار في طرفها البعيد ويتركون النار تسرى في الأنبوبة والضحية المسكينة تحاول أن تطفئ النار بالفخذين العاريين فتلسعهما النار فيبعدهما ثم يحاول من جديد وتظل النار تسرى ببطيء حتى تحرق مجرى بوله .

يا أستاذ خالد … أكاد أسمع رنين صرختك في أذني كفى .

كفى.. كفى.. كفى..

وأنا والله مستعد أن أكف حتى لا أوذي مشاعرك لكنهم لا يكفون ..

فلتواصل معي إذن، ولنقبض بأيدينا على جمر لن نثاب عليه، لأننا لم نقل بكل ما نملك:  لا، لم نقلها عالية واضحة مستعدين أن نبذل أرواحنا في سبيل موقفنا ومبدئنا:

عندما يتحول المعتقل إلى حطام بشرى يأتون إليه بأقاربه، بزوجته وأمه وأبيه، يهددونه بأنهم سيفعلون بهم مثلما فعلوا به..

 هل تتخيل يا أستاذ خالد منظرهم حينئذ : بم يشعرون وبم يشعر .

على أن الأمر لا يقتصر على التهديد، بل إنه أحيانا يحدث فعلا .

لعلك يا أستاذ جيلنا تنفض يدك من الأمر  كله فتخدع نفسك بأن ذلك لا يحدث فعلا، لكنك باليقين إن خدعت نفسك لن تخدعنا، لقد كتبت في جمال عبد الناصر أعظم رثاء ثم كتبت على لسانه رسالة من أعماق الجحيم . أنت اكتشفت إذن أنه حدث في عهده مثل ذلك . ويعلم الله أننا أدنّاه في حياته عندما كنت أنت تكيل له المديح : فما هو الضمان يا سيدي مد الله في عمرك ألا تفاجئنا بعد أعوام برسالة من نفس المكان – أعماق الجحيم – على لسان السادات ومبارك وأبو باشا، فإن كنت ستقولها، إن كنت ستقولها، إن كنت ستدين ما يحدث فأدنه اليوم تتشفع لك بها أمه محمد صلى الله عليه وسلم عند الله يوم القيامة .

 إن الكلمات يا سيدي تتساقط صرعى إزاء ما يحدث ..

ويحك وويحى … ما قيمة أن نقول :

"أطفئوا في جسدهم السجائر" ..

سطر من أربع كلمات..  لكن ماذا يعنى وكيف يصور حال ذلك المسكين .. كيف ينقل إلى الناس صرخاته وألمه وعذابه ..

" انهم يعتدون عليهم جنسيا "..

 سطر آخر باهت .. قد يسقط سهوا أثناء الجيع في المطبعة، وقد تتجعد صفحة الصحيفة عليه فتطمسه .. وحتى إذا لم يسقط أو لم ينطمس .. فماذا سينقل هذا السطر لقارئه .. هل سينقل ذلك الانسحاق البشرى، وهل سيصور حيوانية من يفعلون ذلك ..

إنني أستعمل كلمة " حيوانية" لأننا اصطلحنا على أن الحيوانات  هي أحط المخلوقات، ولو وجد شئ أحط من ذلك لشبهتهم به .

يا أستاذ خالد ..

أقسم أنني أشفق عليك أيها الشيخ وأشفق على السنين التى ينوء بها عمرك .. لكنني مكلف من ربى ومن رسولي صلى الله عليه وسلم  ألا أسكت عن حق..

 فاسمع :

بعد كل هذا التعذيب أو أثناءه أو حتى قبله،  يوقع لهم المعتقل على أي شئ يريدون التوقيع عليه، بل لا ينسون أن يحصلوا منه على توقيع على أوراق بيضاء يمكن لهم أن يستعملوها في أي وقت بعد ذلك .

هل تدرك يا أستاذ خالد، هل سمعت وهل قرأت ما نشرته الصحف في الخارج وفى مصر كما نشرته تقارير منظمة حقوق الإنسان عن سبب التمرد في سجن مصري منذ عامين :

" في المساء أغرقت إدارة السجن زنازين المساجين بمياه المجارى، وكان معظم المساجين يعانون من جروح متقيحة بسبب التعذيب، كوت المياه العفنة جروحهم فتصاعدت صرخاتهم طول الليل . في الصباح ثار المعتقلون فأتت كتيبة الأمن بقيادة العميد الشافعي محمد والعميد محمد ربيع . انطلق الجنود بالهراوات والسياط على المساجين واختاروا عددا منهم لإرهاب الباقين فسحلوهم في السجن وأوقفوا المساجين جميعا طابور ذنب بعد أن قيدت أيديهم وأرجلهم وفتحوا عليهم خراطيم مياه المجارى، مرة أخرى تصاعدت منهم همهمات اعتراض فتصاعد غضب العميد محمد ربيع . واقسم أن يتم اغتصابهم .."

آه يا خالد محمد خالد

آه يا خالد محمد خالد ..

 كيف أستطيع أنا أن أواصل وكيف تستطيع أنت أن تقرأ..

 لقد بدأت هذه المقالة وأنا في غاية الغضب عليك والحنق منك .. لكنني الآن أحس بأن صرخات هؤلاء المعذبين هي صرخاتي  وصرخاتك .. لم يبق الألم في قلبي حتى قدرة على الغيظ منك … فالألم أعنف من أن يشاركه شريك .. إننا أبناء دين يعلمنا أنه إذا بات في البلدة جوعان فلا مال لأحد .. فما بالك يا خالد محمد خالد إن لم يكن جوعان فقط بل جوعان عريان، السياط تكوي جسده، وأعقاب السجائر المشتعلة تحرق جلده، والكلاب الكلاب الكلاب تنهش لحمه .. دعك من أنهم يفعلون به ذلك كله لأنه رجل يقول ربى الله .. فحتى لو كان غير ذلك، أيسمح ديني ودينك أن يفعل به هذا؟ إنني وحق جلال الله الواحد القهار، الله الذي لا إله إلا هو، أشعر أنه لا حق لي في طعام أزدرده، ولا في شراب أرتشفه، ولا في سرير افترشه، ولا لحظة راحة من الهم والكد، طالما كان أولئك الذين لا أعرفهم يعانون هذا الذي أعرفه وتعرفه .

هل تسمح لي يا سيدي أن أتوقف عن الكتابة برهة ..

 لأنني بسر اسم الله الأعظم أبكى  الآن ..

 لكنني أرجوك ..

 أتوسل إليك ..

أن تبكى أنت أيضا..

 فلعل الدموع تذيب من نفسك درنا .. وتنزع من أمام عينيك غشاوة .. ولعلك تعود  إلى المصادر الطاهرة التى عببت منها .. وسقيتنا معك شرابا طهورا فتقول كلمتك .. فصوتك عال وقولك مسموع .. فقلها قبل أن تلقى الله ولم تقلها .. قلها .. فإنه ليس ذنب جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسنى مبارك وحسن أبو باشا وعبد الحليم موسى فقط إنما هو ذنبنا جميعا .. كلنا ملوث، وكلنا مدان، وكلنا شيطان  أخرس ..

إني اقسم أنني أخشى يوم الموقف العظيم يوم يسألني ربى عما فعلت لأزيل هذا المنكر ..

 فبم أجيب ..

أأقول بكيت يا ربى ؟؟ أيعصمني من غضبة الرحمن ذلك ؟

فقلها إذن .. ولا تكتف بذلك بل ادع كل كاتب ومثقف ورجل دين أن يقف معك كي نتكاتف معا ونمحو وصمة عار تطاردنا أبد الدهر .. قل لهم إن وصف الكاتب والأديب والمفكر بل الإنسان – وصف لا نستحقه، إذ يحدث ذلك ونحن لا نزال أحياء لم نمت دونه .. قل لهم إن لم يقولوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير .. قل لهم إنك تخشى أن تكون من أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم عنهم : دعاة من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا يقفون على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها " وقل لهم أنك تخشى أن نكون نحن من قصدهم الله بقوله في حديث قدسي " لقد خلقت خلقا ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر فبى حلفت لأتبعنهم فتنة تدع الحليم منهم حيران"

قلها .. وادعنا جميعا كي نقولها معك نعصم أنفسنا بها من النار، قلها فالقول أضعف الإيمان فلا تقف دونه، وقبل أن يجول بخاطرك أن باعث ما يخطه لك يراعى عذاب حاق بي .. أبادر لأعلمك أنني لم  اعتقل بعد .. ولم يعتقل أبى ولا أخي ولا ابني … ولم يغتصبوا زوجتي أمام عيني .. لكنني والله أشعر كما لو كان ذلك جميعا قد حدث لي .. ألسنا جسدا واحدا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى … ها أنذا أتداعى يا سيدي فتداعى معي … وادع الآخرين كي يتداعوا ..

إنني أشعر بهذا يا سيدي فبم تشعر أنت …

 بم تشعر وكيف تشعر …

 قل لي … ألم تحس أبدا بأن هذا اللحم المجلود لحمك .. وبأن هذا الدم المسفوك دمك .. وأن النار تشعل جسدك أنت .. والشوم تنهال على عظام جمجمتك وتهشم أطرافك أنت .. ألم تشعر يا سيدي بأن العرض المثلوم  هو عرضك.. أم أن الكارثة أفدح من ذلك كله، وما زلت يا سيدي لا تصدق شيئا مما يقال . فإن كنت لا تصدق .. فهل لا تصدق حقا .. وإلا فأي  درجة من درجات  الخداع تمارسها مع نفسك … ألم يتسن لك قط أن تعرف من أي مصدر صدق ما أقوله … وحتى إن لم يتسن .. أين بصيرتك ..؟ أين النور الذي اغترفت منه لتنقل لنا سيرة خلفاء محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه . أم أقتصر دورك على حمل أسفار هذا النور ولم يمسسك منه قبس .

فإن كنت ما زلت في ريب مما أقول لك فلماذا لا تصطحب خليلك حسن أبو باشا ليريك ما يحدث هناك في معهد أمناء الشرطة، والأماكن الأخرى التى يعلمها ولا نعلمها .. لماذا لم تصطحبه حتى ترى بأم عينك لأي شيطان مريد يقدمون قرابينهم البشرية هناك . ألم تسأل مثلا ما أهداف محاولى قتله ..؟ ما الذي دفعهم إلي المغامرة بحياة فقدوها بعد ذلك فعلا كي يقتلوه .. أي شعور رهيب هائل دفعهم إلى ذلك ..؟ ألم تسأل  مثلا كيف اعترف مجدي غريب ومحمد البحيري وفاروق عاشور بما لم يرتكبوه وتحت أي وطأة اعترفوا  … أم أن ابن الخطاب فقط هو الذي سيسأل عن شاه بالعرق عثرت لكن ابن أبو باشا لن يحاسب إلا على ما حدث داخل مكتبه الفخيم وما تظهره الأوراق الرسمية الممهورة بخاتم النسر أو الصقر . ألن يسأل عن نظام للسجون والمعتقلات في طول البلاد وعرضها قضى في إرسائه طول عمره وعرضه وعمقه..

 هو لم يمزق المصحف ولم يدسه يا خالد محمد خالد …

 قد أقرك على ذلك ..

 ولكن .. أمزق المصحف وديس أم لا …؟؟؟

 أعذب الناس وأزهقت الأرواح وانتهكت الأعراض أم لا …

 أحدث ذلك كله في مؤسسة في جهنم أم المريخ أم في مؤسسة تدرج فيها خليلك وربيبك وصفيك من أدنى المناصب إلى قمتها ؟.. وكان يعلم دائما – إلا إذا قررنا التخلي التام عن عقولنا – بكل تفاصيل ما يحدث ..

 ليس مهما إذن يا سيدي أن يكون فعله بيديه .. على الأقل لقد عرف .. ومنذ عرف سيسأل سؤال الشريك .. وستسأل أنت أيضا يا خالد محمد خالد سؤال المتستر، ولعلى معك يا سيدي إن لله عبادا إذا أرادوا أراد، لكنني لا أظنك أنت ولا أنا ولا هو منهم فلعلك توافقني أنت أيضا أن للشيطان عبيدا إذا أراد أرادوا ..

فإن كنت تعترف أن هذا التعذيب حدث ويحدث .. فكيف هان عليك إذن أن تصف أحد شهوده – إن لم يكن سدنته – بذات الألفاظ التى وصفت بها الرسول صلى الله عليه وسلم  وأن تمتدحه بذات الكلمات التى امتدحت بها صحابته الذين شادوا بقرآن الله وكلماته عالما جديدا يفيض نضرة ويتألق عظمة ويتفوق اقتدارا .. كيف هان عليك .. كيف هانوا عليك .. كيف هُنّا عليك .. وكيف هانت عليك نفسك.. أم أنك ارتضيت يا سيدي من الحكمة بأهون أسبابها .. كشعراء السلاطين وأدبائهم، ما بلغ قصارى جهدك سوى القدرة على مدح وذم دون أن يغير ذلك من دخيلة نفسك شيئا.. لا يزيد ولا ينقص منها شيئا ..

أعوذ بالله من أن تكون كذلك ..

فلكي لا تحرث في البحر عليك من هنا أن تبدأ ..

 فتب إلى الله توبة نصوحة .. وأعلن .

أما أنت يا حسن أبو باشا فأنى والله لا أعلم إلا طرفا مما فعلت، أقله ما قلته أنت على نفسك وأغلبه مما سمعت عنك .. الباقي أنت تعلمه والله يعلمه .. وعنه ستحاسب .. ستحاسب .. ستحاسب … والله لو أنك مت ثم بعثت حيا ثم مت مائة مرة لما بلغت أقصى أماني محبيك لك إلا أن تسبق رحمة الله عليك عدله فيك .. واعلم أن هناك من استشهد في سبيل الله تحت لواء الرسول صلى الله عليه وسلم ثم دخل النار لأنه مات وللخلق في عنقه حق … وإنني لأرجو ألا تكون ممن سيستغيثون برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة فيعرض عنك وهو يقول بعد أن يرى ذنوبك معلقة على أم رأسك : لا أملك لك شيئا .. وإني والله لأظن المادح لك واقفا بجانب باب بجهنم يقذفك فيها، وأنه يضيع عليك فرصة لا يزال أوانها أمامك بأن تقضى باقي عمرك تائبا عما اقترفت يداك ومقرا به، بدلا ن أن تضيع باقي عمرك في تبرير الخطأ والدفاع عنه، ودعني أصارحك بانطباعي بعد قراءة ما خطت يداك، وهو أن ما فعلته – وما كتبه خالد فيك – لا يمكن أن يكون صحيحا إلا إذا كان جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسنى مبارك آلهة من دون الله وأنك بكتابك هذا تحاول إقناعنا بأنك كنت لهم التواب الأواب  وأن مقياس الصواب والخطأ في حياتنا مرهون بطاعتهم لا بطاعة الله الواحد القهار . فكتابك في مجمله يكاد يكون مسوغات رسمية لطلب تقدير أكبر من السلطة الحالية، لقد أخلصت لكم، فاخلصوا لي، أحببتكم فأحبوني، قدرتكم وخدمتكم قويا فراعوني ضعيفا، والكتاب جدير بذلك فعلا .. جدير أن يكون مسوغات إعفائك من النار بشرط أن يكون حمزة البسيونى والنبوي إسماعيل وإبراهيم سعدة هم حراسها وجدير بأن يدخلك الجنة، على أن يكون يوسف والى وكمال الشاذلي وأنيس منصور هم خزنتها.     

 

 


جريدة الشعب ترفض نشر رد أبو باشا

على مقال هاجمه وتناوله بالتجريح[10]

 

تلقت الأخبار هذا البيان من حسن أبو باشا وزير الداخلية الأسبق ردا على مقال تناوله بالتجريح نشر في جريدة الشعب . ونظرا لرفض جريدة الشعب نشر الرد رغم أنه حق قانوني .. فقد لجأ أبو باشا إلى " الأخبار" يقول الرد :

نشرت جريدة الشعب بعددها الصادر في 2 إبريل سنة 1991 مقالا بقلم د. محمد عباس بعنوان رسالة إلى خالد محمد خالد – وقد نشر المقال على صفحة كاملة متضمنا تعقيبا على التقديم الذي قدم به الأستاذ الكبير خالد محمد خالد لكتابي الذي صدر أخيرا عن دار الهلال بعنوان " في الأمن والسياسة" ولقد رأيت أن يقتصر ردى على النقاط التالية – لعلها تكفى لكي يدرك القارئ الكريم أين الحقيقة وأين الزيف – وأين الحق وأين الباطل .

أولا : عمد كاتب المقال المشار إليه أن يكرر ثانيا ذلك الادعاء الخبيث والكاذب الذي ردده البعض ممن ينتمون إلى تيار إرهابي بعينه – بعد أن نشرته جريدة الشعب على لسان شاب غرير كان من بين المتهمين في قضية تنظيم الجهاد الذي قام بمؤامرة أكتوبر 1981 – ويلاحظ هنا أن النشر في جريدة الشعب تم بعد أحداث المؤامرة بأربع سنوات أو يزيد خلال عام 1986 وكان مضمونه أن هذا الشاب قد استحضر لمكتبي وقت أن كنت وزيرا للداخلية أثناء التحقيق معه عن دوره في أحداث 1981 وأنني انفعلت عليه ثم أمسكت بالمصحف الشريف ومزقت صفحاته وألقيته علىالأرض " والعياذ بالله " . وبالرغم من أنني نشرت تكذيبا لهذا الإدعاء المجنون بجريدة الشعب في حينه، ثم كذبته ثانيا أمام المحكمة التى حاكمت المتهمين بمحاولة اغتيالي والذين أطلقوا على أنفسهم مسمى " الناجون من النار" بعد أن تردد أن أحد دوافعهم للإقدام على تلك المحاولة هو ما نشرته جريدة الشعب على لسان ذلك الشاب الغرير، ها هي نفس القصة تتكرر مرة ثانية .. وفى جريدة الشعب أيضا .. " هل أضع علامة استفهام أم علامة تعجب " أم أضع العلامتين معا وهل صدفة أم أن التكرار ينفى عنها صفة الصدفة …

الأخ الأستاذ عادل حسين

دعونا نعمل شيئا من العقل والتدبر كما وجهنا ديننا الحنيف – فيما اشتمل عليه هذا الادعاء المجنون من افتراء خبيث ومقيت  - ولعله من المناسب في البداية – لمجرد التذكرة – والذكرى تنفع المؤمنين – أن نتلو الآية الكريمة التى تقول " يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين " صدق الله العظيم

1- ماذا كان شأن مصدر هذا الادعاء المجنون في قضية الجهاد ؟ فقد كان من بين المتهمين الهامشيين الذين  وردوا في ذيل قائمة الاتهام .

أفهم ويفهم معي كل صاحب منطق ولو بسيط – وكل من تجرد من الهوى – أن من يستقدم ليقابل قيادة عليا على مستوى وزير الداخلية وتهتم هذه القيادة بمقابلته في مثل تلك الظروف – أن يكون هذا الشخص زعيما للتنظيم أو على الأقل قيادة مؤثرة في توجيهه وحركته  - فإذا كانت الحقيقة كما يعرفها الجميع تؤكد أنني لم أقابل أي متهم في هذا القضية سواء كان قياديا أو غير قيادي . ويلاحظ هنا أن أي متهم آخر لم يذكر أنه قابل وزير الداخلية في جميع مراحل التحقيق وبعده – فلماذا إذن هذا الشخص بالذات مع تفاهة دوره كمتهم في تلك القضية ؟ ألا يقودنا قليل من التفكير والتدبر كقيم إسلامية رشيدة – إلى سذاجة هذا الإدعاء وكذبه .. بل ألا يؤكد أنه كان مجرد ادعاء خبيث لمجرد التشهير .. وإذا كان نشره قد تم بعد تحقيقات تلك القضية بما لا يقل عن أربع سنوات – ألا يمكن أن يقودنا ذلك إلى أن مثل هذا الادعاء في ذلك التوقيت المتأخر – وقبل محاولة اغتيالي بشهور قلائل، له ارتباط وثيق بتحريض أي مجموعة غير مسئولة للقيام بمثل تلك المحاولة ؟ ومن هنا فإنني أكرر ثانيا " هل نضع علامة استفهام، أم تعجب أم الاثنان معا ".

2- وإذا افترضنا جدلا – وهو ما لم يحدث  - أن هذا الشخص والذي ورد اسمه في ذيل قائمة الاتهام كمتهم هامشي – قد استحضر أمامي كوزير للداخلية – فما هو المبرر أو الدافع الذي يدفع وزير الداخلية .. وهو بكامل سلطاته أن ينفعل من شاب مراهق إلى الدرجة التى تدفعه للإمساك بالمصحف الشريف وتمزيقه ولماذا ؟ وما الهدف والنتيجة المطلوبة ؟ ومرة ثانية أين التفكير وأين التدبير كقيم إسلامية رشيدة .

ثانيا ما تضمنه مقال د. محمد  عباس عن دوري السياسي من ادعاءات وتشهير.. فإنني أفضل هنا أن أترك المكان ليرد عليه أحد أقطاب المعارضة السياسية وأبرزهم شأنا – وهو المرحوم مصطفى شردي رئيس تجريد جريدة الوفد السابق – وقد نشر رحمه الله في جريدة الوفد يوم 7 مايو 1987 ما نصه الآتي "لقد كنت أحد الذين اختلفوا مع حسن أبو باشا وبلغ الخلاف أقصى درجات الحدة – غير أن الإنصاف يلزمني بذكر حقيقة أعرفها عن الرجل الذي لم يعد صاحب مقعد أو سلطان، وهى أنه كان أول من رفع شعار الحوار مع الجماعات الإسلامية، وأول من قال أن القوة لن تقمع الرأي، وأن العصا لا تصلح أبدا للحوار، وإنما يقارع الرأي بالرأي وتواجه الحجة بالحجة، وهذا هو السبيل الوحيد للإقناع وقد احتضن أبو باشا هذا الشعار الجديد الذي اختفى تماما من حياتنا السياسية منذ قيام ثورة يوليو قبل ثلاثين سنة ".

ثالثا : إذا كان الله سبحانه قد أراد برحمته الواسعة ما أردته لنفسي تضرعا  إليه في محنتي الصحية بعد محاولة اغتيالي .. فما وجه التهكم على هذا المعنى الذي صال وجال حوله كاتب المقال المشار إليه منتقدا الأستاذ الفاضل خالد محمد خالد- يكفيك يا سيدي أن تعرف بجانب ما ذكرته أنت بقلمك عن تلك الصفات العظيمة والتاريخ الناصح اللذين يتمتع بهما خالد محمد خالد أنه لم يكن في حياته متخاذلا أو متراجعا عن رأى حر يبديه أو متأثرا بهوى أو مصلحة فيما يقوله ويعلنه – ولعلك تعرف أنه كان في مقدمة من تصدوا علنا في مؤتمر عام لجمال عبد الناصر – وهو في أوج قوته وسلطانه – مدافعا عن الديمقراطية ومنتقدا كل انتقاص منها.

وفى النهاية فإن بيني وبينك يا سيدي من يعلم السر وأخفى وحسبي الله ونعم الوكيل .

حسن أبو باشا وزير الداخلية والحكم المحلى الأسبق[11]

 


ما بين معسكر دافيد

وحظيرة مدريد

 

إنهم كقطيع من الغنم وإننا الذئاب، فهل تعلمون ما تفعل الغنم حين تنفذ الذئاب للحظيرة ؟ إنها لتغمض عيونها عن كل شئ، وإلى هذا المصير سيدفعون ..

 

من بروتوكولات حكماء صهيون

  

 

 يلح على التساؤل : لماذا يكتب الكاتب ؟ ..

أتفريج هم وتفريغ غم؟ ..

أم يكتب كما يكتب في كل الدنيا ليؤثر ويتفاعل فتتقدم عشيرته وتعلو أمته.

أم يكتب لحكام لا يقرءون كما وصفهم قاهرى: موشى ديان، فإذا قرءوا لا يفهمون فإذا فهموا لا يفعلون، ولعلى أزيد عليه أنهم إذا فعلوا لا ينجحون، إلا إذا فعلوا عكس المناط بهم تماما تماما .

أم أكتب لأمة حوصرت باليأس الأسود عندما حصروا اختياراتها في إطار وضيع وآمالها في غايات بائسة ووسائل تعيسة ..

عندما يكون الخيار بين شرب المياه مختلطة بمياه المجارى والمياه ملوثة فقط فالأخيرة نعمة، وبين التشرد وسكنى المقابر فالثانية أمل . أما ما بين الهزيمة والخراب أو الاستسلام لأعدائنا فالاستسلام نصر علينا أن نسبح لحكامنا حمدا على إنجازه، كأنهم لو لم يوجدوا لكانت الهزيمة أشد والخراب أشمل..

لكن من قال أن هذه الخيارات وحدها كانت هي المفروضة علينا، أقدر مقدور، أم خيبة وحماقة وخيانة وتخلف..

ماذا نفعل للمقامر الذي قامر فخسر فأخذ يبيع ما يملك حتى حل به وبعشيرته الدمار ثم راح يتساءل متبجحا ما هو البديل .

وماذا نقول للمدمن الذي أدمن حتى حل به الخراب ثم يواجهنا مستنكرا جهلنا بالظروف والأحوال صارخا ماذا أفعل ؟

كان البديل ألا يفعل.

وبات البديل ألا يستمر .

لقد قــُدْتُــمْ سفننا  وتوليتم حكمنا : اربطوا الأحزمة على البطون فالوطن في خطر : ورحبنا، لا يتكلم أحدكم عن الحرية فالوطن مستهدف : فما رفضنا، سنلبي لكم كل ما تريدون بعد النصر فما استعجلنا، لا صوت يعلو على صوت المعركة، فحاذرنا حتى من صوت وجيب قلوبنا وتردد أنفاسنا، إننا ننشئ لكم مشاريع ضخمة ستبدو آثارها مع المستقبل، سنبنى المصانع ونصنع الصواريخ ونقوى الاقتصاد ونقنع العالم بعدالة قضيتنا، فأخذنا ندعو الله أن يكلل بالنجاح عملكم

ثم فجأة قُــدْتُـمونا كالخراف إلى كامب ديفيد وكالنعاج إلى مدريد..

أين وعودكم ؟ أين ما اتفقنا عليه ؟ أكنتم تخدعوننا ؟ تكذبون علينا ؟ ..

أم أنكم أنتم الآخرين خدعتم، كذبوا عليكم، فإن كان ذلك، ماذا يضمن لنا أنهم لن يخدعوكم في مدريد أو واشنطن أو تل أبيب.

فلنقل أننا نثق فيكم، في سلامة نواياكم، في صدق حديثكم، لكن النوايا الطيبة وحدها قد تفرش الطريق إلى جهنم، وكلمة الحق قد يراد بها الباطل، خاصة في مجتمع درج على أن الحكام ومن في بلاطهم من كل وسائل الإعلام والإعلان لا تستمع من الشعب إلا للهتاف، ولا تقرأ له إلا برقيات التأييد، ولا يصلها من مشاعره إلا الامتنان، أما المخالفين والمعارضين، فهم أغبياء لا يفهمون ومن لا يرون رأى الحاكم ليسوا إلا مارقين خونة، أعوان لأعداء البلاد، ثم أنهم فوق كل هذا، خارجون على الدين، كفرة، وهم يستحقون الرجم لولا أن رحمة جلاله الملك – فخامة الرئيس – جل شأنه لا عدالته – هي التى تحميهم من فتك الشعب بهم .

ما يدريكم أنكم على صواب، من أين جئتم بهذا اليقين كله  وهذه الثقة كلها، وحال الوطن يسوء كل يوم، والأمل يتقلص، والبلوى تعم، أم لعلكم تصدقون استفتاءاتكم وانتخاباتكم وصحفكم.. بالرغم من أن كل ذلك قد ارتبط في أذهان رعاياكم بالتزوير، بالرغبة في إخفاء حقيقة واقعة لا يرضى السلطان عنها، بالرغبة في استبدالها بحقيقة أخرى مزيفة، ولأنها مزيفة فإنها تبحث عن وثيقة، كعقد زواج زائف يقي من الاتهام بالدعارة، أو شهادة  من مصحة عقلية بأن من يحملها غير مجنون، وهى شهادة لا يحمل العقلاء مثلها . ورغم ذلك فأنتم تعتمدون نتائجها وتتصرفون على أساسها وتبنون حساباتكم عليها فكيف يكون أي من ذلك صحيحا وقد بنى على وهم وكذب.

تسألوننا الآن ما البديل ؟

أنتم الذين تسألون ؟

فيم كان ما مضى إذن ؟

وكل هذا القهر والبطش والجبروت لم احتملناه . والذل أيضا ونحن نسير خلف ألويتكم مغمضي الأعين موصدي الآذان مغلقي الأفواه، على أمل أن ترفعوا الراية وتحققوا النصر، ولكننا حين فتحنا الأعين وجدناكم في القدس وفى مدريد، لا أسرى – وإلا صبرنا واحتملنا واحتسبنا وواصلنا الجهاد – وإنما دعاة نظام جديد يكشف لنا كم كنا من قبل أغبياء وحمقى .

أنتم انهزمتم من داخل أنفسكم، بعد أن انكسرتم في ساحة الوغى، فكيف يمكن أن نرجو منكم فلاحا .

ما هو البديل ؟

البديل قلناه ومازلنا وسنظل

البديل أن ننتصر من داخلنا، أن نملك إرادة النصر .

أن نتقدم إلى الإسلام ونقدم عليه، إسلام محمد صلى الله عليه وسلم لا إسلام فقهائكم . كلكم يدعى تطبيق الشريعة لكننا نتساءل هل هي شريعة فهد أم مبارك أم النميرى أم صدام أم الصباح أم … أم …… أيها المقصود إذن ؟ كل منكم سوف يقسم أن الإسلام شريعته وسوف يفتى مفتيه أنه على صواب، فأي شريعة ؟ الشريعة التى أرسل بها محمد صلى الله عليه وسلم أم الشريعة التى يرسل بها بوش وبيكر ؟؟

ما هو البديل ؟

البديل هو تحقيق الأمن العربي والإسلامي، لكن : هل يمكن تحقيق الأمن العربي دون قوة ؟ وهل يمكن تحقيق القوة دون وحدة ؟ هل تعتقدون أن الشعوب العربية والإسلامية هي التى تعرقل الوحدة فيما بينها ؟ أم أن حكامها هم الذين يعرقلون هذه الوحدة .والبديل كان ألا نهدر ما أهدرناه من مشاريع الأمن العربي، وإهدارها كان خيانة، والحكم ليس لي وإنما لمحمود رياض في مذكراته الفاجعة .

وتسألون ما البديل

البديل كان الوحدة، فإن لم نستطع فتقوية الجامعة العربية حتى تؤول إلى دولة عربية واحدة تسعى للم شتات الدول الإسلامية في دولة إسلامية تتقدم العالم وتقوده بحضارتها وسماحتها، فهل سعيتم لهذا أم عجز  الحكام بسبب الجامعة، وهل استعملت لتجنب الفرقة والانقسام اقترابا من يوم نتحد فيه، أو حتى لتجنب الكبائر … أم استعملت لتحليل المحارم، وطالما وافقت الهوى فأمرها مطاع، وإلا فإن أغواتكم يطالبون بإلقائها في النيل أو في الفرات من أجل إسرائيل وأمريكا وكامب ديفيد .. وإلى من فعلوا ذلك، نريد أن نصدقكم، لكن : أنصدق كلامكم اليوم أم كلامكم بالأمس ؟ أم نلعنكم اليوم وأمس ؟؟

وتأتون اليوم تسألون ما البديل ؟

ماذا أقول ؟

البديل ما نادى به حكماء العرب وحكامهم العرب منذ أعوام قليلة، ما انبنت شرعية استمرار حكمكم على السعي في سبيله .البديل هو ما أوصيتم به واستؤمنتم عليه واستخلفتم فيه، وعندما تواجهوننا الآن بالصلف كله، والاحتقار كله، والإدانة كلها لأننا حمقى متخلفون لا نفهم النظام الجديد ولا نسعى للتخلص من وحشيتنا كي نتحضر، عندما تلعنونا وتسفهوننا من أجل ذلك فإنكم في ذات الوقت تلعنون آباءكم وتسفهون أسلافكم .   

البديل كان ألا نهدر ما أُهدر .

البديل كان الالتزام العربي الإسلامي فالعروبة والإسلام يجب أن يترادفا لا أن يتعارضا، ليس اختيارا بشريا من حقنا أن نختار غيره أو ننصرف عنه، لأنه تكليف إلهي . البديل كان ألا تهدروا طاقتنا في صراع مصطنع بين العروبة والإسلام وبين فرق الإسلام المختلفة رغم أنها كانت علاقة الجسد بالقلب والقلب بالجسد، لكنكم أغرقتمونا في صراعات هدت قوانا والأعداء من حولنا يضحكون منا يتلمظون وينتظرون في مدريد .

البديل كان أن تتغير وسائلنا لتحقيق نفس الغايات لا أن نمارس نفس الوسائل لضد ما كنا نصبو إليه، وبالنسبة لمحور قضايا العالم العربي والإسلامي قضية فلسطين فثمة اختيار قديم كنتم تطرحونه علينا فنقبله على مضض، وهو أنه لا مكان في فلسطين إلا للفلسطينيين مسيحيين كانوا أو يهودا أو مسلمين فهل اسقط هذا الاختيار عمدا أم نحن سقطنا سهوا وحماقة . ولماذا لم يطرح اختيار آخر يقول  أن فلسطين أمانة أعطاناها سيدنا عمر بن الخطاب ولن يقر لنا قرار حتى نودع الأمانة حيث أودعت. أم أن دماء مئات الآلاف وذل الأحياء وهوان السنين وثأر الله سيذهب سدي .

هذا الذي أقوله الآن : أنحن ابتدعناه أم أنتم القائلون، كل أحمق يدعى اليوم أننا كنا بالأمس حمقى : ألم يشارك فيه بل ويزايد عليه.

وبعد هذا كله تسألون ما البديل ؟

البديل أن ندرك أن النظام العالمي الجديد ليس إلا قناعا جديدا لوجه قديم، ألا وهو وجه أكثر الحضارات إجراما واستكبارا في التاريخ البشرى، وجه الحضارة  الغربية، وأن نظامنا الإسلامي هو الذي عليه التصدي لهذا الإجرام وعليه أن يوقفه، إن كتاب الغرب أنفسهم يشهدون بأن هذا النظام الجديد ليس سوى أكثر أوجه التمييز العنصري بشاعة، وليس إلا تشريفنا بالسماح لنا أن نمسح أحذيتهم . بيد أن مفهوم النظام واسع متشعب ـ والحضارة الغربية في عمومها حضارة غير دينية ومع هذا فهي تضم مسيحيين  ويهودا وملحدين وحكاما مسلمين . الحضارة الإسلامية أيضا ستتسع للمسيحيين واليهود إلى جانب المسلمين إذ أنها حضارة قوم يعبدون الله ويخشونه إزاء حضارة طواغيت متجبرين لا يؤمنون إلا بأنفسهم وليس إلههم سوى صورة أنفسهم في المرآة.

هل استمعتم لرأينا مرة حتى تسألون الآن ؟

هل حرص أي نظام حكم أن يكون لشعبه رأى عام مستنير كي يشارك في حل مشاكله وقضاياه . هل حاول أحد من الحكام قط أن يوفر لأمته الشروط التى لا يتكون بدونها رأى عام حقيقي أم أنهم فعلوا العكس تماما، انهزموا في الحرب النفسية التى يشنها أعداؤنا علينا، ويحاولون أن ينقلوا هزيمتهم إلينا، كمريض الإيدز الذي يشعر بالحقد على مجتمعه فيحاول نقل عدواه إليه .

إن الفقيه ( ماركو ) يعرف الحرب النفسية بأنها حملة شاملة تستخدم فيها كل الأجهزة والأدوات المتاحة للتأثير في عقول وأفئدة الجماعة المحددة، بقصد تدمير مواقف معينة وإحلال مواقف أخرى تؤدى إلى سلوك يتفق مع مصالح الطرف الذي يشن هذه الحرب .

فهل يختلف ما يحدث لنا عما قال به ماركو .

والفقيه (يونج) يعرف الرأي العام بأنه الحكم الاجتماعي لجماعة ذات وعى ذاتي على موضوع  ذي أهمية عامة بعد مناقشة مقبولة . فهل لدينا وعى ذاتي وهل عندنا مناقشات مقبولة ؟ وهل في بلادنا إعلام صادق نبني على أساسه آراءنا ونقيم وجهات نظرنا . وهل يتبع ذلك انتخابات نزيهة تترجم هذا الرأي إلى عمل . هل يوجد أي من ذلك في أي من الدول العربية كلها ؟ هل جرت مناقشة مقبولة حول أية قضية عامة أو حول بدائل الذهاب إلى مدريد ونحن نحمل الكفن ذلا ومهانة واستسلاما وافتئاتا على الدين والتاريخ والمستقبل والدنيا والآخرة، هل حاولت نظم الحكم أن تثير مناقشات حقيقية تكوّن للمجتمع وعيا يستطيع أن يكون رأيا ؟؟ أم كانت وظيفتها – كإخوتها – أن تشن حربا نفسية على المجتمع، أصبح بعدها من المستحيل لا على المجتمع فقط بل على صفوة مثقفيه أن يكون لهم رأى عام حقيقي .

ثم بعد هذا كله يسألون عن البديل ؟؟

يا رب السموات والأرض …

أيجهلون البديل حقا ..

أم أن الأمر كله لا يعدو تجنبا لإراقة الوجه لأولئك الذين راهنوا على الحل الأمريكي في كارثة الخليج ليصفعهم تصريح حكام إسرائيل بأنها لم تقم بقرار من الأمم المتحدة بل بجهد شعبها وأنها لا تنوى أبدا الخضوع لشرعيتها، لسبب بسيط هو أنه لو كانت قد خضعت لقرارات الأمم المتحدة لانتهت من الوجود قبل أعوام..

 مرحى لكم إذن .

بل تبت الأيدي

لقد رشوتم مشاعرنا بأن النظام الجديد سيكرس الشرعية في الكويت ثم في فلسطين، ها قد دمرتم العراق وحررتم الكويت، ألستم بهذا تتشدقون، دعكم من رأينا أنكم دمرتم الاثنين وخربتم الباقي في أكبر عملية نصب علينا في التاريخ، تقاضى فيها أعداؤنا منا ثمن قتلنا، حين تحولت أموالنا هناك من الاستثمار إلى الاستحمار حيث يعترف الأمريكيون أنفسهم بأنهم المرة الثانية في التاريخ – الأولى هي الغزو الأسباني لأمريكا – الذي يحقق فيها غزو أرباحا بهذه الضخامة دعكم من ذلك كله، فهو رأينا نحن، ورأينا كان عندكم دائما بلا قيمة، لكن ها أنتم أولاء قد قاتلتم الفئة التى بغت فقتلتموها، إذن .. ماذا يحدث لشعب العراق الآن، أتحدث عن الجوع والمرض والعطش والموت والحصار، وأتحدث أيضا عن تدمير إمكانياته – إمكانياتنا – الحضارية والعملية والعسكرية، أفحقا قاتلتم حتى يفيئوا إلى أمر الله أم أمر مولانا بوش وسيدنا شامير وأمنا الغولة تاتشر، ألم يخصم كله من قوتنا .

لو لم يحدث ما حدث، لو لم يدمر العراق، أكنا نساق إلى مدريد كالخراف هكذا، لا أقول ذلك انتصارا لصدام، فوالذى نفسي بيده إنما مثلكم مثلة، وقد أوشكتم أن ترفعوه إلى ذرى السماء حتى آتاكم الوحي الأمريكي بضربه . وليتكم ضربتموه وأبقيتم على قوة العراق، لكنكم ذبحتم العراق وأبقيتم عليه.

ثم تسألون ما البديل ؟؟ 

لقد حذرنا فما حذرتم، الدور آت على الجميع، وستضرب ليبيا أثناء مفاوضات واشنطن عندما تظنون أنكم من " الجزرة" قاب قوسين  أو أدنى وسيضرب الثور الأبيض الذي تقرر ذبحه يوم ذبح الثور الأسود.

حذرناكم فما سمعتم ؟، وكرستم أجهزة إعلامكم كي تزين الباطل كما يزين القواد الزنى لبغى.

لقد كان توماس جيفرسون يقول : لو خيرت بين أن تكون لنا حكومة بلا صحف أو أن تكون لنا صحف بلا حكومة لما ترددت لحظة في اختيار الأخيرة، لكن جيفرسون كان يتكلم عن أجهزة إعلام حرة تسقط الحكومات وتقيمها لا عن أبواق لمن يملك الذهب والسيف . ومع عظيم احترامي لصحفنا ووسائل إعلامنا في العالم العربي فإن المطروح في الساحة الآن وأن حفل بتباين ضخم، إلا أنه التباين بين مهرج الملك، وكبير حراسه وحامل أختامه، تختلف الدرجات والمقالات أيضا لكن الغالبية خدم .

ثم تسألون ما البديل ؟؟

أن أحدا منكم لم يـقـرّ أبدا بخطئه في تقديراته لأبعاد أزمة، أو فشله في حل مشكلة، لا نطالب سوى مجرد اعتراف بخطأ، بسوء تقدير بصحة رأى الآخرين .

ومن رحمة الله بنا أن كل نبي من الأنبياء قد أخطأ فاستغفر حتى خاتم الرسل حين عبس وتولى أن جاءه الأعمى، بيد أن ذلك لم يشجع حاكما من حكامنا عبر التاريخ أن يقر بخطئه، رغم ما حاق بالأمة على أيديهم من هزائم وبلايا ورزايا، لم يفعلها أحد، رغم أن الأمة تتحرق شوقا منذ عشرات القرون أن يفعلوها، ولعل خروج الشعب المصري والعربي والإسلامي يومي 9 و 10 يونيو 1967 بعد الكارثة لم  يكن كما قال المحللون تأييدا لشخص ولا فورة عاطفية ولا عماء بصيرة ولا جنونا مؤقتا ولا تخطيطا مسبقا، لم يكن كل ذلك وإنما رد فعل شوق ألف عام إلى حاكم يقول أنه أخطأ .

يا جرح القلب الذي لم يئن أوان اندماله.

إنهم يسألون عن البديل.

والبديل، وجد دائما وجد، وما زال، وسيظل . كان فيما مضى ألا يكون ما كان.

وهو الآن ألا نَـكِـينَ ونستكين

وهو غدا أن ننفذ وعد الله.

تقول بروتوكولات حكماء صهيون :

" يجب أن يعرفوا أننا بلغنا من عظم القوة والصلابة والامتلاء بالعنف أفقا لن ننظر فيه إلى مصالحهم نظرة احترام . سنريد منهم أن يفهموا أننا لن نتنكر لآرائهم ورغباتهم فحسب، بل سنكون مستعدين في كل زمان ومكان لأن نخنق بيد جبارة أي عبارة أو إشارة إلى المعارضة . سنريد منهم أن يفهموا أننا استحوذنا على كل شئ أردناه . وأننا لن نسمح لهم في أي حال من الأحوال أن يشاركونا في سلطتنا، عندئذ سيغمضون عيونهم على أي شئ بدافع الخوف وسينتظرون في صبر تطورات ابعد "

انهم يقولون ذلك وانتم تسألون ما البديل ؟

البديل كلمة الله ووعده .

البديل محمد لا أبو جهل ولا أبو لهب ولا الوليد

البديل علي لا معاوية والحسين لا يزيد

البديل صلاح الدين لا العاضد احمد عرابي لا الخديوي توفيق

النحاس لا صدقي..

 حسن البنا لا الأزهر .

اللواء محمد حسني مبارك وليس الرئيس حسني مبارك .

مهما ادلهمت الدنيا وعم اليأس وأرعبكم بوش وأذل أعناقكم الحرص , ومهما كذبتمونا فإننا  سنتلو قول الله جل جلالة:

* حتى إذا استيئس الرسل وظنوا انهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء و لا  يردّ  بأسنا  عن القوم المجرمين ** سورة يوسف 110

تقرير عربي عن الفتنة الأمريكية[12]

بقلم: فهمي هويدى

وقعنا جميعا في شباك كذبة كبرى . فقد قدمت مختلف الصحف ووكالات الأنباء صورة لما حدث في " كاليفورنيا" لم تتسم بالإثارة والمبالغة فقط، ولكنها أيضا كانت مغلوطة تماما، علي الأقل فهذا ما وقفت عليه عندما بذلت جهداُ شخصيا، مباشراُ ومكثفا، لتحري الحقيقة من منابعها الأصلية ومصادرها المسئولة والمطلعة . معتمداُ علي رصيدي كصحفي عربي مخضرم ومدرب علي تغطية أمثال تلك الفتن والمؤامرات التي تمر بها الأوطان . حتى صار بوسعي – ولا فخر – أن أحدد مرتكبي ومحركي أية مؤامرة حتى قبل أن تقع .

  لقد أسفرت المحاولة التي قمت بها عن مفاجآت كثيرة، غابت عن تقارير مختلف وسائل الإعلام، الأمر الذي يجعلني أزعم بأنني أنفرد هنا بإعلانها لأول مرة.

  هاكم الحقيقة التي لم تقل…

لقد أثيرت الجماهير بأكذوبة صغيرة عبأتها بالغلط وحفزتها للغضب بغير مبرر . فقد قام شخص مجهول بتصوير حادث عادي جدا هو مثابة "اشتباك " بين أربعة من رجال الشرطة وبين سائق سيارة زنجي، صحيح أن الشريط سجل علي الشرطة أنهم اعتدوا بالضرب علي سائق سيارة لكن أحدا لم يفكر لحظة في السبب الذي دعا الشرطة إلي ضرب السائق فضلا عن أن أحدا لم يتساءل عن هوية ذلك المجهول الذي قام بتصوير الواقعة وتسريب الشريط إلي وسائل الإعلام بعد ذلك .

  لقد أثبتت الاعترافات أن ثمة اتفاقا مسبقا بين السائق الزنجي والمصور المجهول وأن السائق وثيق الصلة بجماعة أصولية نشيطة بين الزنوج وتنسب نفسها اسم جماعة " البلاليين " وهي تستقطب الذين يتحولون إلي الإسلام، وتجندهم لتنفيذ مخططاتها الإرهابية ويمثل السود تربة خصبة لممارسة تلك الأنشطة بحكم تدني ظروفهم الاقتصادية وشعورهم العميق بالاضطهاد الأمر الذي يجعلهم أكثر استجابة للتطرف .

  قال لي مصدر أمني أن المباحث الفيدرالية تتتبع تحركات زعماء "البلاليين " وتعرف أن لهم صلة ببعض الجماعات والدول في الشرق الأوسط، أما المصور فهو شخص معروف بتردده في أوقات مختلفة علي أحد معاقل الأصولية في لوس أنجلوس الذي يتخفي تحت أسم " المركز الإسلامي "، ويديره ثلاثة من العرب كانوا من أرباب السوابق السياسية في بلادهم وقد تسللوا إلي الولايات المتحدة واحدا تلو الآخر قبل أكثر من عشر سنوات، وحصلوا علي الجنسية الأمريكية . وبدءوا في بث أنشطتهم بأنحاء ولاية كاليفورنيا .

  السائق هو المعتدي    

 تبين من عمليات مراقبة المركز الإسلامي أن السائق والمصور كانا يحضران إليه في أوقات متقاربة ويدخلان من بابين مختلفين، ومن الثابت أنهما لم يدخلا في الإسلام حتى هذه اللحظة، ومن ثم فلم يصبحا إرهابيين تماما، غير أن الأصوليين اختاروهما بعناية لتنفيذ مخططاتهم الموضوعة لإبعاد الشبهة عنهم . أما تجنيد الاثنين فقد تم بحيلة سهلة وماكرة إذا استغل الأصوليين كونهم من مدمني المخدرات فدأبوا علي توفير ما يحتاجانه منها لفترة من الزمن وعندما نجحوا في السيطرة عليهما تماما انتقلوا بهما إلي طور التوجيه والاستخدام.

  لقد ثبت من الاعترافات والتحريات أن السائق الأسود بادر بالتحرش برجال الشرطة عامدا وحاول الاعتداء عليهم وكان طبيعيا أن يمنعوه ويردعوه.

  زميله المصور كان يراقب المشهد كله ولم يركز إلا علي لقطة " رد الشرطة لعدوان السائق، التي استغرقت 81 ثانية . الأمر الذي يوحي مباشرة أن الشرطة هي الطرف المعتدي، بينما الحقيقة التي لم تعلن في خضم الإثارة الإعلامية أن الشرطة كانت في حالة دفاع عن النفس في مواجهة رجل مخدر وقوي البنية ثم أنها استخدمت القوة لردعه في الحدود التي يسمح بها القانون.    

لم يدرك رجال الشرطة أنهم وقعوا في كمين منصوب لهم، لأن ذلك الشريط الذي صور لهم سلم إلي قيادة المجموعة الأصولية التي سربته بدورها إلي محطات التليفزيون مما آثار الصحافة والرأي العام بصورة مبالغ فيها طيلة الأشهر الماضية .

  كان تعميم الشرطة خطوة مهمة حقا في التدبير المرسوم إلا أن نتائج المحاكمة التي نصبت لرجال الشرطة كانت بمثابة هدية من السماء استثمرها الأصوليون علي نحو عجل بتنفيذ حلقات أخري في مخططهم . فعندما وضعت المعلومات الحقيقية أمام هيئة المحلفين كان من الطبيعي أن يصدر القضاء النزيه حكمه ببراءة رجال الشرطة إحقاقا للحق والعدل .

  ما كاد حكم البراءة يعلن حتى بث " البلاليون" رجالهم وسط تجمعات السود لتحريضها وأثارتها.

  انطلقت جماهير السود الغاضبة علي النحو الذي تناقلته وعرضته وكالات الأنباء غير أن ما لم تذكره الوكالات والتقارير التي أفاضت في غضب الزنوج وفقرهم وسخطهم أن عناصر البلاليين حركت الموقف كله، وكانت هي التي ترشد الجماهير إلي الأهداف التى تقصدها، وكان بينها بعض البقالات الكبيرة التى تبيع الخمور، وبعض الملاهي الليلية وفي أحد الأشرطة التي تم التقاطها من جانب الشرطة شوهد أحد الملتحين بين المتظاهرين، ورصد رجل يرتدي جلبابا ويرطن بالعربية كان يرقب العملية من نافذة  بناية عالية .

  مؤامرة علي الغرب 

  لم يخف علي أجهزة الأمن  الهدف البعيد للمخطط، وحيث اكتفي الإعلام برصد الجانب المثير في الحدث فان المخابرات المركزية والمباحث الفيدرالية كانتا على وعى بأن المسألة أكبر  من المظاهر والحرائق ومدركة أن الهدف المرحلي هو تشويه إنجازات الرئيس جورج بوش وإسقاطه من انتخابات الرياسة المقبلة مع التشكيك في نزاهة القضاء الأمريكي رمز العدل في المجتمع وتلطيخ سمعة رجال الشرطة الذين هم درع الأمن والأمان في البلاد

"لقد أصبحت الولايات المتحدة مستهدفة  منذ أصبحت زعيمة العالم وقائدة نظامه الجديد" هكذا قال مسئول في الحزب الجمهوري طلب عدم ذكر اسمه وأضاف أن المعلومات التى وفرتها المخابرات المركزية ووضعتها أمام الرئيس بوش في الساعات الأولى لوقوع الاضطرابات في لوس أنجلوس تشير بجلاء إلي أن المخطط المرسوم يستهدف في نهاية المطاف تقويض بنيان العالم الغربي . وما زعزعة الاستقرار على ذلك النحو في الولايات المتحدة إلا حلقة في تنفيذ ذلك المخطط الجهنمي .

عدت إلى مصادري في المباحث الفيدارلية للتحقق من حجم المسألة فذكر لي مسئول كنت قد لقيته من قبل : ألم أقل لك أن الموضوع أخطر مما يتصور الجميع، وأن الإعلام تصرف بنزق ولا مسئولية، حتى اشترك بصورة غير مباشرة في تشويه سمعة الولايات المتحدة وخدمة المتآمرين عليها.

سقت كل ما استطعت من حجج لإقناعه بالحديث فصمت لحظة ثم قال: كل ما أستطيع أن أبوح به أن تقريرا من ألف وسبعمائة صفحة قدم إلى الرئيس بوش يشرح تفاصيل المخطط كاملة.

أضاف أن خلاصة التقرير ربما توزع قريبا على أعضاء لجنة الأمن القومي في الكونجرس وهى تنتهي إلى أنه بعد سقوط الشيوعية فإن هدف الأصولية الراهن هو إسقاط الرأسمالية الغربية عن طريق هدم قلاعها تدريجيا لتخلو الساحة للأصوليين ويصبح بوسعهم الهيمنة على مقدرات العالم وحكمه .

في خلاصة التقرير أيضا أنه تبين من تبادل المعلومات حول تحركات قيادة الأصوليين والإرهابيين أن واحدا من زعمائهم قدم  خصيصا من إحدى العواصم العربية إلى الولايات المتحدة قبل سنتين ليقوم بالتنسيق بين الجماعات الأصولية التى زرعت في مختلف أنحاء البلاد . في الوقت ذاته فان زعيما أصوليا آخر استقر في لندن ليقوم بذات المهمة . وقد تعمدت قيادة شبكة الإرهاب الأصولية الدولية أن يكون تونسيا هذه المرة . وبهذا التوزيع تحكم خطة زعزعة الاستقرار في العالم الغربي تمهيدا لتقويضه. الأول يعمد إلى تحريض وإثارة السود في أمريكا والثاني يؤدى المهمة ذاتها  بين الهنود والباكستانيين في إنجلترا. وإن اتباعه قادرون على إثارة الإضرابات في فرنسا خلال الوجود الكبير لأبناء المغرب العربي هناك . وإذا انهار النظام في إنجلترا وفرنسا فسيأتي الدور على ألمانيا، التى نعلم أن تشكيلا أصوليا ينظم في داخلها الآن قواعده من الإرهابيين الأتراك .

نظر الرجل إلى ساعته وقال: إنى مضطر للانصراف لحضور مؤتمر صحفي للمتحدث باسم البيت الأبيض ثم سألني : ألن تحضر المؤتمر؟ .

كنت عازما على الحضور بطبيعة الحال، لكن الوقت سرقنى . ركضت ناحية البيت الأبيض وأخذت مكاني في  مقدمة حشد الصحفيين الكبير الذين سجلوا كل ما قيل كما لاحظت، لكن ما نشرته الصحف جاء مغايرا تماما لوقائع ما جرى، ولذا فان الأمانة والدقة تقتضيان ذكر ما حدث بقدر من التفصيل .

ألقى المتحدث باسم البيت الأبيض بيانا قصيرا قال فيه : أن الرئيس جورج بوش صدم عندما سمع بالاضطرابات التى حدثت في بعض المدن الأمريكية وأن صدمته كانت أكبر عندما علم أن بعض العناصر المشبوهة اندست بين الجماهير وأرادت أن تشوه صفحة الإنجازات الرائعة التى تحققت خلال سنوات حكمه والتي توجت بالانتصار الذي حدث في حرب الخليج.

أضاف المتحدث أن الرئيس تلقى معلومات كافية عن القوى التى حركت تلك الاضطرابات وأهدافها الخطيرة التى هي جزء من مؤامرة كبرى سيعلن عنها في الوقت المناسب. وإذ يعبر الرئيس عنه ثقته المطلقة في القضاء الأمريكي العادل وعن شكره وتقديره للجهود التى يبذلها رجال الشرطة فإنه يعلن بوضوح أنه لن يسمح بأي تهديد للديمقراطية من جانب القوى الفاشية والعناصر المغامرة . 

أخيرا قال المتحدث أن الرئيس بوش تلقى عديدا من الاتصالات الهاتفية من جانب إخوانه رؤساء دول التحالف الغربي ومن الزعماء العرب. وقد طمأنهم جميعا إلي ثبات واستقرار الأوضاع في الولايات المتحدة، وشكر لهم مشاعرهم الحميمة.

شكر من السود!

 بعد البيان توالت أسئلة الصحفيين علي النحو التالي:

  س- لماذا لم تتحدث عن اعتداء الشرطة علي السائق الزنجي ولا عن حكم المحكمة في القضية؟  

  ج- لا نريد أن نقع في فخ الإثارة، فالحادث عادي وأمثال تلك الاشتباكات تحدث في أي مكان ولا داعي للتشكيك في الدور العظيم الذي تقوم به الشرطة في حماية أمن واستقرار المجتمع . أما بالنسبة لحكم المحكمة، فقدسية القضاء ونزاهته المشهودة تمنعنا من أي تعقيب علي الحكم، وأحب أن أقرر بوضوح  أنه مادامت الشرطة في خدمة الشعب ومادامت سيادة القانون قائمة، فليطمئن بال الجميع وليناموا قريري الأعين.

   س- ماذا تعني الإشارة إلي دور القوي الفاشية والعناصر المغامرة فيما جرى ؟

  ج- لست في حل من ذكر التفاصيل . لكن فقط أحب أن أنبه إلي أن أمن الولايات المتحدة مستهدف ومصير العالم الغربي مهدد من جانب قوي وجماعات سياسية نشيطة في العديد من مختلف أنحاء العالم الآن.

س- هل صحيح أن الرئيس بحث المشكلة مع ممثلي جماعات السود في اجتماعاتهم به مؤخرا؟

ج- هناك حكومة وسلطة هي التي تبحث وتقرر. والمناقشة التي جرت في اجتماع الرئيس بممثلي السود لم تتطرق إلي أية حلول لأية قضية مثارة . لقد طلبوا مقابلة الرئيس والاعتذار له عما بدر من العناصر المتطرفة والمشبوهة التي حرضت السود.

س- رأيكم فيما قاله جيسي جاكسون" الزعيم الأسود من أن بوش لا يصلح رئيسا لأنه لم يحقق السلام للشعب الأمريكي ؟

ج- لم أسمع بهذا الكلام وما أعرفه أن جاكسون أرسل برقية تأييدا  للموقف الحازم الذي أتخذه الرئيس من المتطرفين والإرهابيين.

س- ترددت أنباء عن استقالة قائد الشرطة في لوس أنجلوس والقاضي الذي نطق بالحكم .

ج- هي مجرد مصادفة فقد جاء دور كل منهما في الترقية . حيث سيعين قائد الشرطة مساعدا لوزير الداخلية أما القاضي فقد آثر أن يقبل منصب المستشار القانوني لشركة جنرال موتورز.

س- هل هناك قوي أجنبية تدخلت في إثارة الاضطرابات؟

ج- كان هناك شخص ملتح بين المتظاهرين في " اتلانتا" كما أظهرت الصور رجلا ارتدي جلبابا كان يراقب الحرائق في " دالاس" آما في لوس أنجلوس نفسها فقد عثر في أحد الشوارع علي غطاء  للرأس مطابق لما يستخدمه المجاهدون الأفغان.

                                    *  *  *

 في اليوم التالي للمؤتمر الصحفي كان العنوان الرئيس لأكبر صحيفة في واشنطن هو : الذين هزموا الإمبراطورية السوفيتية يحاولون زعزعة النظام الغربي .

  وكان من أكثر المقالات إثارة للانتباه ما كتبه أستاذ في جامعة هوبكنز وهو أحد أبرز المثقفين المتخصصين في العلوم الاجتماعية ودعا فيه إلي استئصال التطرف من جذوره عن طريق تجفيف منابعه الكامنة وسط تجمعات السود،  ودعا إلي توسيع نطاق تحويلهم إلي جنس أبيض بعدما نجحت التجربة مع المغني الشهير مايكل جاكسون الذي غير من لون بشرته بعد علاج طويل،  فنجا بنفسه من المصير المحزن الذي وقع فيه البعض ويهدد الآخرين من بني جنسه .

ليست هذه نهاية المطاف بطبيعة الحال، لأن البيان المنتظر للرئيس جورج بوش سيكشف الحقيقة كلها أمام الكافة لكني أردت أن أسجل هذا السبق علي وجه السرعة بعدما لاحظت أن الأمر التبس علي الجميع وأن الأمة العربية كانت ضحية تلك الكذبة الكبرى التي تورط فيها الإعلام اللاهث وراء الإثارة بأي ثمن.

ألا قد بلغت اللهم فاشهد!  

 


 

قائمة المحتويات

الموضوع                                                             رقم الصفحة

الجزء الأول

بدلا من المقدمة ……………………………… 5

المواطن منصور إبراهيم عبد اللطيف ……...……  7

من مواطن مصري للرئيس مبارك"1" …………... 8

المواطن ممدوح على يوسف وصفوت عبد الغنى …  23

من مواطن مصري للرئيس مبارك "2" …………  25

المواطن :د.فرج فودة ………………………   43

من مواطن مصري للرئيس مبارك"3" …………  46

المواطن : واحد مصري لا يتمنى أن يكون مصريا !! 64

من مواطن مصري للرئيس مبارك "4"……….…65

المواطن عبد المنعم الجابرى ………………… 81

المواطن : دكتور سعد الحلوانى ……………… 83

من مواطن مصري للرئيس مبارك "5" ….…… 85 

المواطن: ناجى أسعد……………………… 107

المواطنون: أبناء بور سعيد ………………… 109

يا ولاد الكلب …………………………… 111 

المواطن أحمد مصطفى أحمد سليمان …………130   

كأنهم يقولون : قل هو الرئيس أحد … الرئيس الصمد … 132

المواطن يوسف أبو رية …………… 149

الجلد بالسياط، والجلد بالكلمات .. رسالة إلى خالد محمد خالد…… 151

المواطن حسن أبو باشا …………… 164

ما بين معسكر دافيد وحظيرة مدريد ……… 167

تقرير عربي حول الفتنة الأمريكية : للأستاذ فهمي هويدى.. 178


 

رقم الإبداع /7138/93

1.S.BN:977-5427-01-0


التجهيزات الفنية بالشركة العربية للطباعة والنشر والتوزيع

339 شارع بور سعيد – السيدة زينب

ت: 3908978 - 3927371



1- راجع قائمة المحتويات لقراءة المقال كاملا.

[2] - هذا قول مرجوح.

2- على القارئ الذى يقرأ الآن أن يلاحظ أن هذه المقالة نشرت فى الشعب قبل عشرة أعوام، لم تكن كل الحقائق قد اكتشفت، ولا الرؤى تبلورت، وكان هناك مساحة واسعة من المجاملة لائتلاف القلوب، ولبعض المعادلة للاتهامات الخطيرة التى احتوت عليها بقية المقالات.

[4] - اكتمل نشر المقالات فى آخر شهر مايو عام 92،  فى المقالة الخامسة والأخيرة ناشدت الرئيس ألا يرشح نفسه مرة أخرى، وكان الاستفتاء على الرئاسة مقررا فى نهاية عام 93، وردا على مناشدتى انفجرت المبايعات فى الصحف الحكومية والعميلة والمنافقة ، انفجرت، وظلت تبايع عاما ونصف عام!!.. رغم أن النتيجة معروفة قبلها بأعوام..

[5] - فى مجلس تحرير صحيفة الشعب اعترض الكثيرون على العنوان على رأسهم المستشار محفوظ عزام، قال أن الإسلام عفيف فى ألفاظه ولا يجوز استخدام مثل هذه الألفاظ فيه رغم أنه يدرك ويقدر حسن نوايا الكاتب، ، وطلب مجلس التحرير منه قراءة المقال واقتراح عنوان له، دخل إلى مكتبه ساعة قرأ فيه المقال ثم خرج وقد غسلت الدموع عينيه، فبادروه بالتساؤل: ما رأيك؟ هل يصلح العنوان، فأجابهم باسما والدموع تملأ عينبه: بالطبع لا يصلح.. فليسوا أولاد كلب واحد.. إنهم أولاد ستين كلب..!!

 

ونشر العنوان كما هو..ن على رأسهم المستشار محفوظ عزام، قال أن الإسلام عفيف فى ألفاظه ولا يجوز است

[6] - المقصود مصطفى كمال حلمى.

[7] - كان ابراهيم سعدة قد شن هجوما سا حقا على نور الشريف وعلى الفيلم وجند لذلك المؤسسة الصحافية التى استأمنته الحكومة عليها . هجوما ما زلت محتارا في فهم دوافعه.

[8] - لقد تغبرت وجهة نظرى الآن، ليس في الفكرة النظرية التى ما زالت صحيحة، و إنما في تطبيقاتها العملية ، خاصة بعد اتضاح المؤامرة يوما بعد يوم، والذى تتركز أهم غاياته على الاجتراء على الدين والقيم،  وبعد الانهيار الكبير للفكر القومى، الذي هجره أفضل من فيه، وبقى فيه الأفاقون والمنافقون.

[9] - المقصود فضيلة الشيخ الشعراوى عندما قال عن السادات: والذى نفسي بيده، لوكان لي من الأمر شئ لرفعته إلى مصاف من لا يُسأل عما يفعل. وحتى الآن لم يتغير اعتراضى على قول شيخنا الجليل، لكن الذي تغير هو قدرتى على استيعاب أن يكون للشيخ  الجليل أخطاء ، و أن هذه الأخطاء لا تقلل من قدره.

[10] - نشرت الشعب رد السيد حسن أبو باشا بالكامل، ولم تختصره كما اختصرته الأخبار، ثم أن كاتب المقال لم يعمد إلى تكرار الادعاء الخبيث .. على لسان شاب غرير … إلخ لأن الذي كرر الإدعاء الخبيث هو الأستاذ خالد محمد خالد .. لكن دأب كل المسئولين في بلادنا هو المراهنة على ضعف ذاكرة القارئ، الذي يقرأ عادة الرد على المقال، دون أن يكون المقال المردود عليه أمامه

 

1- لعل القارئ قد لاحظ الآن . ما ورد في المقال الذي يعترض عليه السيد حسن أبو باشا، من أننا قد نقرر أنه لم يمزق المصحف ولم يدسه، لكنه تجاهل ذلك، كما تجاهل أيضا أي حديث وكل حديث، من قريب أو من بعيد، بالتصريح أو الرمز أو الإشارة عن دوره في التعذيب، وهو كما لاحظ القارئ موضوع المقال الرئيسي .. وربما الوحيد…

 

[12]- بعد نشر هذا المقال، أصيب فهمي هويدى – كما نشر بعد ذلك – بنوع من الصدمة، حين فوجئ بالأغلبية الساحقة تأخذ السخرية الفاجعة في مقاله مأخذ الجد، ليس في مصر فقط، ولا على مستوى العالم العربي وحده، بل في أوروبا وأمريكا واستراليا، حتى أن إحدى المجلات التى تصدر من لندن بالعربية أوقفت عجلات المطابع، واتصلت به تطلب مزيدا من التفاصيل عن الموضوع، الذي قرر مجلس تحرير المجلة أن يكون موضوع الغلاف !!