فى الذكرى
الثانية للوليمة
بقلم د محمد عباس
بسم الله الرحمن
الرحيم
كنت أنوى أن أصدر في هذه الأيام كتابا آخر
أرصد فيه أحداث رواية الوليمة.. التي زلزلت العلمانيين زلزالا شديدا لأنها كشفت قرونا من تزييفهم وخداعهم وكذبهم ونفاقهم
وحررت المسألة من أسوار خلف أسوار ووضعتها فى صوتها الأولى:
إما إيمان و إما كفر..
ذلك هو أصل القضية..
والعكس صحيح..
أعنى أن ما يدعى المنافقون أنه إبداع ليس
إبداعا و أن هدفه الوحيد هو هدم الدين..
كنت أريد أن أقول أن قضية الوليمة هى فى
الحقيقة قضية لا إله إلا الله..
و أن قضية لا إله إلا الله هى قضية المرجعية
الدينية..
و أن قضية المرجعية الدينية هى السبيل
الوحيد لوقف انهيار شراذم بلاد المسلمين..
و أن وقف الانهيار هو السبيل لوقف الهزائم
ووقف تداعى الأمم علينا كما تتداعلى الأكلة على قصعتها.. لا من قلة.. بل من خسة
كخسة أولئك الذين دافعوا ويدافعون عن كل هجوم على الإسلام..
كنت أريد أن أكتب عن ذلك..
لكن تدافع الأحداث لم يترك لى أى فرصة..
***
وكنت أريد اليوم أن أكتب عن أحداث جسام..
عن هوائل نازلة ونوازل هائلة..
عن مصائب ذهبت حرت فى أسمائها.. ومصائب حلت
ما لهن أسامى..
كنت أريد أن أتحدث عن شرم الشيخ..
وكيف كانت تحت الاحتلال أسيرة شريفة لا يضيع
شرفها و إن اغتصبت..
وكيف أضحت الآن شرما للعار..
يضيع منها الشرف مهما ازدانت وتجملت و أطلقت
أبواق إعلام مأجورة مأسورة تتحدث عن شرفها وعفافها..
***
وكنت أريد أن أطلق النذير لمحاولات لا أقول
مشبوهة بل أقول مدانة تجرى تحت رايات الثقافة فى السعودية والخليج.. هذه المحاولات
تكرر معركة حدثت فى مصر منذ أكثر من قرن لنشر اللغة العامية والتخلى عن الفصحى..
نفس الأمر يجرى الآن فى الجزيرة العربية.. نفس الطريقة الشاذة المريضة التى مورست
فى مصر كثيرا وما زال اليساريون يمارسونها من الاحتفال الشديد بكل لغة تبعدنا عن
لغة القرآن.. وتشجيع الشعر النبطى ( باللغة المحلية التى لا يفهمها إلا أفراد
قبيلة أو قبيلتين)..
والهدف كان دائما إحداث الفصل بين لغتنا
ولغة القرآن..
***
وكنت أريد أن أكتب عن اعتداء ضابط أمن دولة
على خطيب مسجد فى ضاحية العجمى بالإسكندرية..
كنت أريد أن أقول لخطباء المساجد أن الأمة
فى تاريخها كانت تلجأ إلى العلماء لحمايتها.. فإذا عجزوا عن حماية أنفسهم فلا حاجة
للأمة ولا للدين إليهم..
أنتم تملكون قوة هائلة.. ولولا الحرص على
الحياة ومخافة الموت والاعتقال ما جرؤ ذلك الضابط على أن يفعل ما فعل..
إن الأمة تنظر إليكم.. فإن لم تستطيعوا
حماية أنفسكم فسوف تنصرف عنكم.. أكثر مما انصرفت..
***
كنت أريد أن أكتب عن كل ذلك..
لكننى فى نفس الوقت لم أكن أستطيع أن أترك
الذكرى الثانية لمعركة لا إله إلا الله – والمعروفة بمعركة الوليمة - تمر دون أن أكتب عنها..
***
ولا أملك إلا أن أعرض عليكم يا قراء فصولا
متفرقة كنت قد أعددتها ولم يتم صياغتها بعد و إدخالها فى نسيج الكتاب..
صفحات متفرقة دامية..
وهى كافية لكى توضح سبب هزائمنا..
فعندما تقف الدولة ضد الأمة لا بد أن
ننهزم..
وعندما تقف السلطة الرسمية ضد الدين فلابد
أن نذل بين العالمين..
فإلى وريقات من الكتاب..
***
معركة لا إله إلا الله
الفصل قبل الأخير
ليس هناك خطأ في ترتيب الفصول، فالفصل الذي أبدأ به هذا
الكتاب هو الفصل قبل الأخير من معركة هائلة اصطلح على تسميتها بمعركة الوليمة،
وهذا الفصل يتناول وفاة –أو قل استشهاد- بطل تلك المعركة..
عادل حسين..
حيث استشهد بعد اشتعال المعركة بأقل من عام قضاه
وقضيناه معه وخلفه في صراع شرس.. كانت قضيتنا فيه: "لا إله إلا الله"
وكانت قضيتهم فيه عكس قضيتنا تماما .. ومن هنا كان الصدام.
***
أضنيتنى يا عادل
حسين..
أضنانى فقدك..
فمنذ تلك اللحظة
المروعة التى جاءنى فيها صوت عامر عبد المنعم ينقل إلىّ عبر الهاتف بحزن لا يوصف
انفجار النزيف فى رأسك الحبيب، انفجرت فى رأسى مشاهد دنا لا كبقية الدنا، ورؤى لا
كبقية الرؤى، هرعت إليك، وأنبأنى قلبى رغم طمأنة الأطباء أنه الوداع الأخير ، فرحت أستعيد أيها المجاهد
الشهيد ملامح من حياتك..
هل قلت : أستعيد؟!..
لا.. بل راحت تلك
الملامح تفيض كطوفان تلطمنى أمواجه فكلما لطمتنى موجة بكيت..
والدموع العصية راحت
تتهاطل فلا أعرف كيف أوقف طوفانها..
عندما ذهبت لزيارتك
فى المستشفى، كنت قد أجريت اتصالات كى يستثنونى من منع الدخول إليك فى غرفة
العناية المركزة..
وكنت أريد أن ألثم
وجهك و أودعك الوداع الأخير..
فى اللحظة الأخيرة لم
يسمحوا لى..
وجلست مع أحبائك و
أصحابك وتلاميذك..
وامتلأت بالفخر
والعزة..
كانت القلوب تنزف لكن
الجباه كانت عالية وشامخة..
كانت الجوارح ترسف فى
أغلال صاغها الطواغيت وغلمانهم لكن الأرواح كانت محلقة فى السماء تيها وفخارا وكل واحد منهم كان يستعيد بكل العزة معاركهم بك
ومعك..
كان كل واحد منهم
عادل حسين.. وكل واحد كان فخورا بكل معركة وكأنما هو بطلها الوحيد..
نعم.. كان كل واحد
منهم ، لا يفخر برصيده فى البنك، ولا بنصيبه من السلطة، ولا بقدر ما أخذ واستولى،
بل كانوا يفخرون بقدر ما أعطوا، بقدر ما سجنوا ظلما وعدوانا، فكلما كانت مدة السجن
والاعتقال أطول كان الفخار أكثر، بقدر التنكيل الذى تعرضوا له من الطواغيت
وغلمانهم كانوا يتفاخرون..
كانوا مدرسة
عادل حسين.. مدرسة البنيان المرصوص الذى
يشد بعضه بعضا..
لا مدرسة الطاغوت..
مدرسة : " تمام يا فندم" ومدرسة
: "بناء على توجيهات سيادته" ..
كان إدراكهم لطبيعة
التناقض شاملا وواضحا.. لم أر واحدا منهم نادما على خوض أى معركة، ولا حتى على أى
جزئية فى أى معركة مما خضناها خلفك ومعك، وما من أحد منهم كان نادما على تداعيات
الأحداث، ولا حتى على تجميد الحزب و إيقاف الشعب، كان ثمة إدراك شامل لجوهر
التناقض ولطبيعة القضايا، ففى قضية الوليمة لم يكن الأمر خلافا على كتاب ولا حتى
على توجه خاطئ لجزء رسمى من الدولة، بل كانت قضية مفاصلة نكون فيها أو لا نكون،
وعندما أقول نكون فلست أقصد الحزب ولا الصحيفة بل أقصد الإيمان.. كان عادل حسين وكل
تلاميذه و أصحابه يشعرون أنها معركة
كمعركة سيدنا ومولانا أبو بكر رضى الله عنه
مع الردة .. لم تكن من أجل الزكاة بل من أجل لاإله إلا الله كانت .. وكان
كل واحد منا يردد بين ذاته قسم الخليفة
العظيم بالقتال ولو بقى يقاتلهم على حجر
بالبيداء وحده. نعم.. كان هناك اقتناع
كامل بضرورة خوض معركة الوليمة.. وكان هناك فى نفس الوقت اقتناع آخر بأن قرار
تجميد الحزب و إغلاق الصحيفة لم يكن متعلقا بأزمة الوليمة، كان القرار سابق
التجهيز، وكان معدا من قبل، وكانوا ينتظرون أى ذريعة، ولو لم تكن الوليمة لاخترعوا
أى ذريعة غيرها، كان التناقض قد بلغ منتهاه بين خيانات لا ترتدع ومعارضة حقيقية لا
ترتعد.. بين فساد مدعوم من الخارج وصحيفة ترفض الاستسلام.. وكان الطواغيت عاجزون
عن الاستمرار مع كل ما كانت الشعب تكشفه من خياناتهم.. وكان لا بد من إغلاقها..
ولكن الله جلت حكمته أن تكون الذريعة التى استندوا إليها لإغلاق الصحيفة وتجميد
الحزب هى بالذات ذريعة الدفاع عن لا إله
إلا الله كى تكون فضيحة الطواغيت شاملة
وكاملة..
كانوا مدركين لذلك..
وكانوا مدركين أيضا أنه مع تكرار أحكام الإدانة القضائية للطواغيت.. تلك الأحكام
النهائية بعودة الشعب وبعدم شرعية تجميد الحزب.. تلك الأحكام التى صدرت بقوة لم
يسبق لها مثيل فى تاريخ القضاء.. كان ثمة إدراك.. بأن شخصا ما.. فوق القانون ..
يستطيع.. لا بما يخوله القانون له من سلطات بل بقدرته على أن يدوس القانون بحذائه
هو الذى يصدر الأوامر بعدم تنفيذ أحكام القضاء.. و بأن هذا الشخص(..)..!!
كان كل من حولك
يا عادل حسين يدرك ذلك.. ولشدما كان
فخارهم بالمعركة.. وكانو جميعا يضرعون إلى الله
أن يعيدك إلينا نخوض بك ومعك المعارك.. كنت كبيرا وعلمتنا كيف نكون كبارا..
كان كل من حولك
رجالا.. حتى الأطفال قد أنضجهم النضال..
أما الطواغيت
وغلمانهم فقد كانوا أطفالا حتى ولو بلغوا أرذل العمر..
***
عندما حم قضاء الله
بدأت الذاكرة تحت وطأة الألم تخوننى كما تخون الإنسان ساقاه فيهوى..
وفصلت تماما ما بين
خبر الموت وكونك أنت يا عادل موضوعه..
ضبطت نفسى متلبسا
بخاطر ملح أخذ يجلدنى بسياط من ألم ، خاطر يقول : " هذا حدث جلل.. أمر خطير جدا.. نكبة للأمة.. علىّ إذن أن أهاتف
عادل حسين على الفور كى أخبره وأستمد منه العون والعزاء والنصح"..
لا..
لم يكن هذيانا ولا
كان ذهول الصدمة التى كنت أتوقعها..
كانت آلية نفسية
بالغة التعقيد، لم نكمل المعركة بعد، وكنت عاجزا عن تصور الساحة الفكرية والسياسية دون عادل حسين.. آلية
نفسية تشبه تلك الظاهرة العضوية المعروفة فى الطب بظاهرة " الشبح" حين
يعانى المريض آلاما مبرحة فى طرفه الذى تم للتو بتره!!.. فلأنه يرفض تصديق بتر
ذراعه تعاونه كل تلافيف النفس البشرية التى
لا يعلم خافيتها إلا الله، تعاونه تلك التلافيف بالألم العضوى المتوهم فى
العضو المبتور، لأن هذا الألم العضوى المتوهم أخف وطأة من الألم المعنوى للفقد.
***
حول المسجد الذى
أقاموا عليك الصلاة فيه كان هناك جيش كامل..!!
نعم.. هذه هى الكلمة
التى يجب أن تطلق على الحشود الهائلة التى أحاطت بالمسجد ثم بالمقابر بعد ذلك وتلك السلسلة الهائلة من الجند ما بين
المسجد والمقابر.. عشرة كيلومترات كاملة يصطف الجنود فيها وكأنهم قد اصطفوا لتشييع
ملك..
هل قلت ملكا؟!..
لا والله.. فما من
ملك ولا من رئيس ولا من أمير تطاول هامته أقل صفة من صفاتك..
***
فى المسجد، عندما أمّ
مجدى حسين صلاة الجنازة راحت الذاكرة المراوغة تعذبنى مرة أخرى، إذ ضبطت نفسى
متلبسا بالعتاب لعادل حسين، إذ دهمنى خاطر يقول: " مجدى حسين حبيب وكبير ..
لكن هذا حادث جلل يجب أن يتصدى له عادل حسين بشخصه .. وكان ينبغى أن يؤم الصلاة عادل حسين نفسه" ..
***
كان ثمة أشخاص بعينهم
بذلت الجهد كى أتحاشى رؤيتهم.. كنت أعلم أننى لو رأيتهم فسوف تشارك العين القلب فى نحيبه..
كان من هؤلاء سلمى عادل حسين.. فذلك المشهد الفاجع منذ أعوام
ما زال يزلزل وجدانى كوصمة عار لم تفلت
من الطواغيت طاغوت.. عندما تفتت أداء بعض مؤسسات الدولة لينحدر إلى مستوى أداء
العصابات وقطاع الطرق.. فألقوا القبض على عادل حسين دونما تهمة حقيقية ولو على
سبيل التلفيق المتقن، كان فى مؤتمر فى
الخارج، وكان موعد خطوبة ابنته قد حان، لكنهم أخذوه من المطار إلى السجن، وبعد
أيام أخذوه أمام النيابة، وكانت كل جبهات المعارضة قد حذرت من مؤامرة لقتله فى
السجن، كانوا قد أخذوا ملابسة، وكنا فى الشتاء، واستعار ثوبا ممزقا رثا من سجين،
ذهب به إلى النيابة، وهو هناك، والقيود فى يديه، وبجلباب صيفى ممزق استعاره من
سجين، وتحت وطأة أربعة وستين عاما، عقد فى مشهد فاجع حفل خطوبة ابنته الوحيدة.
فى فناء المقبرة،
رأيت سلماه فبكيت..
***
لله دركم آل حسين..
ثلاثة أبطال قدمتموهم تضحية وفداء.. فأى رجال أنتم.. وأى
جلادين من يحاربوكم..
أنظر إلى حالكم
فتتداعى إلى الذكرة حال المؤمنين والمجاهدين..
أولئك الذين عليهم أن
يعطوا دائما.. وألا يأخذوا أبدا.. وتراءى لى النبراس العظيم لسيد الخلق إذ تطلب
منه ابنته السيدة فاطمة الزهراء أن يعينها من بيت مال المسلمين بأجر خادمة تعينها
على عمل البيت بعد أن أصاب الأذى يديها الشريفتين من كثرة العمل.. وكان هذا الحق
حقا متاحا لعامة المسلمين على بيت المال.. لكن سيد الخلق قال قولته لفلذة كبده:
" إنما جعلتم آل البيت لتُرزؤون لا لترزءون"..
مشهد القيود فى يدى
عادل حسين فى حفل خطوبة ابنته و فلذة كبده.. ذلك المشهد الفاجع استدعى إلى الذاكرة
المنهكة المتعبة الحزينة مشهدا آخر..
بل جرحا آخر..
فمنذ شهور، وفى نفس
الوقت الذى كانت فيه الفضائيات تنقل أحداث الانتفاضة راحت تنقل أيضا أحداث انتفاضة
الانتخابات فى أشمون المصرية.. الجنود نفس الجنود.. والحجارة ذات الحجارة..
والأطفال ذات الأطفال حتى لقد كدت ألمح بينهم محمد الدرة..
المنهج أيضا كان ذات
المنهج والبيانات كانت نفس البيانات.. وكان أطفال الحجارة فى مصر هم الذين استفزوا
رجال الشرطة الأبرياء فاضطروهم إلى إطلاق الرصاص وقنابل الغاز عليهم..
وراحت عيناى تبحثان
فى خلفية الصورة عن شارون..
قبلها بشهور أخرى كان
نفس الشىء يحدث فى أزمة الوليمة.. وكان الجنود هم نفس الجنود.. والطلبة هم ذات
الطلبة.. والحجارة هى عين الحجارة.. وكان شارون مصرى يجترئ على المقدسات فلا يرده
أحد..
نفس الشىء.. والعلاقة
وثيقة بين الأحداث هنا وهناك.. والنتيجة فى النهاية واحدة..
قلت لنفسى أن الرصاص
الذى يقتلنا فى مصر والرصاص الذى يقتل الفلسطينيين واحد.. والقنابل واحدة وتدريب
الجنود واحد.. والمنهج أمريكى صليبى..
فى قاعة محكمة
الجنايات كان المستشار يحيى الرفاعى- شيخ القضاة وضمير العدالة فى مصر والذى يعمل
الآن بالمحاماة- قد جاء للدفاع عنى وعن مجدى حسين.. كنا نحاكم لأننا اعتدينا على
وزارة الثقافة فى مصر!!.. تماما كما اعتدى أطفال الحجارة فى أشمون وفلسطين على
جنود الأمن والصهاينة!!..
كانوا قد أتوا
بالأسير مجدى حسين رئيس تحرير صحيفة الشعب الأسيرة من محبسه.. كان القيد فى يديه..
والتفت إلى الجلاد الذى يصطحبه راجيا إياه أن يوسع من القيد قليلا فقد جرح يده..
ونظر إليه الجلاد نظرة رأيت فيها عينى ذئب غادر.. عينى شارون آخر.. ورفض..ونظرت
إلى الجرح.. وتأكدت أنه ينتمى بصلة قرابة وثيقة لذلك الجرح الذى رأيته فى غرة محمد
الدرة.
بعد تأجيل القضية،
اصطحب الجلاد أسيره.. ودونما اتفاق لم نتحدث - أنا والمستشار الكبير- عن جرح مجدى
حسين وجرحنا.. كنا نتحدث عن الجرح العربى.. عن الانتفاضة.. عن التخاذل والخيانة..
وعلاقة ذلك بالكتاب الخطير الذى أصدره المستشار الكبير بعنوان" استقلال
القضاء.. ومحنة الانتخابات" والصادر
عن المكتب المصرى الحديث..
كان الرجل الجليل
يحمل هم الأمة فى قلبه الكبير.. كانت ملامح وجهه تتقلص بالألم.. ورفع يده ليضعها
على صدره..
فى المساء كنت أقرأ
فى كتابه حيث كتب ينتقد الاعتداء على
الدستور وخرق القانون : "بأساليب ممقوتة.. جمّدنا حزبا وصادرنا صحفه، وحبسنا
من نشاء" .. ثم يستطرد "ولكن فى
بلاد العالم الثالث لا يسمح السلطان
لرعاياه بمجرد الأمل فى وجود إنسان غيره.." صباح اليوم التالى كنت أهاتفه كى
أطمئن عليه.. لم يكن فى منزله.. دهمته أزمة
فى القلب.. نقلوه إلى
المستشفى.. وقرروا ضرورة إجراء جراحة عاجلة فى القلب..
وكان المستشار يحيى
الرفاعى واحدا ممن أخشى لقاءهم.. بل لقد تجنبت الحديث معه منذ مرض عادل حسين..
بعد الوفاة بأيام،
هاتفته مترددا وجلا وأنا أخشى أن أكون أول من ينقل الخبر إليه..
واندفعت الكلمات
من أعماق روح شامخة وقلب مكلوم بما يحدث
للوطن:
- - لا .. لم أستطع
حضور الجناز ولا حتى العزاء فى الفقيد الكبير.. لقد قتلوه.. قتلوه بالقهر وبالفساد
.. تماما كما يفعلون فى إسرائيل حين يقتنصون أبطال الانتفاضة فيقتلونهم.. نفس الشىء يحدث هنا..
وراح يحدثنى عن
علاقته بعادل حسين.. عن عمقه الفكرى وصلابته ، عن كم الحماس الهائل الذى كان يتحدث
به، حتى لكأن داخله مرجلا يغلى بالغضب وبالحزن مما آل حالنا إليه فما كلماته سوى الذوب المنصهر للألم
والإيمان بالقدرة على النهوض من قاع المستنقع الذى دفعنا إليه الطواغيت، و عن
طاقاته الخلاقة وبطولته الفذة وسرعة بديهته.. ففى إحدى القضايا وكان وزير الداخلية
هو الطرف الآخر فيها.. وكما يليق بوقار العدالة والمحكمة وبعادل حسين وصحبه فإنهم
لم يصطحبوا من الحزب أحدا.. وفوجئوا بما
يشبه عملية احتلال لقاعة المحكمة من رجال الوزير وضباطه- كان ما يزال وزيرا- ..
وراحوا يهتفون ضد حزب العمل وصحيفة الشعب.. وفجأة.. بتوثب وطاقة شاب فى العشرين
اعتلى عادل حسين - وهو فى الخامسة والستين من عمره - المقعد الأمامى فى المحكمة
وراح يهتف ضد الفساد وبيع البلاد.. و أخذت النائحة المستأجرة بالمفاجأة ففرت من
المواجهة.
حاولت إنهاء الحديث
بأقصى سرعة خشية على رجل يمثل ضمير العدالة الباقى من فرط الانفعال ..
فقد كنت أبكى..
وكان الرجل الجليل
والضمير الفذ والقلب الكبير على الطرف
الآخر من الهاتف يبكى..
***
كنت أهرب أيضا من
لقاء الأستاذ محفوظ عزام.. رأيته ينتحب.. وبكيت..
فى الانتخابات
الماضية كان ترشيح مجدى حسين وهو سجين مواجهة سافرة للطواغيت.. وكان جزءا من ملحمة
الصراع الشريفة الهائلة التى مثلت أزمة الوليمة ذروتها..وراح عادل حسين يقود
المعركة بروح بطل شهيد.. و أدرك الطواغيت
خطورة انتصار مجدى حسين .. فراحوا فى سابقة لم تحدث فى العالم يلقون القبض على كل
من يشارك فى الجولات الانتخابية مع الدكتورة نجلاء القليوبى زوجته ووكيلته.. قبضوا
على ابن الأستاذ محفوظ عزام فى المساء و
أودعوه السجن.. وعندما علم الأستاذ محفوظ باعتقال ابنه كان أول شىء فعله .. أن
أرسل ابنه الثانى كى يكمل الجولة الانتخابية بدلا من أخيه المعتقل..
أى رجال كانوا حولك
يا عادل حسين..
وأى نظام يحارب مثل
هؤلاء الرجال..؟..
لله دركم.. أى رجال
أنتم..
***
كنت أحاذر الالتقاء
أيضا بعامر عبد المنعم..
عقل ذكى وقلب تقى وروح خاشعة وثقافة عميقة ونضج يزيد عن عمره
الحقيقى عشرات الأعوام.. وكان قد خاض
المعركة التى سموها زورا معركة الوليمة بينما هى فى الحقيقة معركة لا إله
إلا اللله.. خاض المعركة ليتحول من صحافى قدير إلى مجاهد كبير..
فى دفقة حزنه كنت أحس
و أشم قلبا يحترق وكانت تسرى إلىّ عبر الهاتف لوعة صوته.. لوعة اليتم..
كنت أحس أنه ينظر إلى
الجميع بعتاب عاجز حتى ليكاد يصرخ فينا أنه أولى بالعزاء منا جميعا.. وأن حقه فى
ذلك لا يقل أبدا عن حق أبناء عادل حسين..
لم أسمع أبدا صوتا
يحتوى على هذا الألم كله.. كنت أقود السيارة.. وجاءنى صوته عبر الهاتف المحمول
ينقل إلى ترتيبات الجنازة.. و من مجرد رنة الحزن فى صوته وقبل أن أستوعب فحوى ما
يقول انحرفت بالسيارة حين أجهشت بالبكاء..
***
هل يمكن أن نتحدث عن
الحزب الذى كان عادل حسين أقوى دعائمه كحزب سياسى..
لشدما نظلم عادل حسين
وحزب العمل لو فعلنا ذلك ..
فالحديث عن حزب سياسى
يستلزم أن يكون فى الجانب الآخر حزب حقيقى
وليس قراصنة..
فالأحزاب تتنافس أو
حتى تتصارع فيما بينها ويكون موضوع الصراع ما يراه حزب منهما خيرا لكن حزبا آخر
يرى أن هناك خيرا أكثر منه. الوضع فى عالمنا الثالث ليس كذلك.. الوضع هو معركة
شرسة بين فئتين، فئة القراصنة التى استولت على البلاد عنوة وتستنزفها حتى الرمق
الأخير غير آبهة بما يحدث لهذه البلاد بعد ذلك فأرصدتهم فى بنوك الخارج وقصورهم
كما قبورهم هناك،وفئة أخرى تحاول إنقاذ
الوطن. فئة لا تنافس على صندوق الانتخابات بل على تزويره وفئة أخرى تحاول أن يكون
مفهوم الانتخابات كمفهومه فى باقى بلاد الدنيا، فئة تقدم للناس الغذاء المسموم
وفئة تفضح ذلك وتشهر به.. فئة توالى أعداء الدين والوطن وتبرم اتفاقات الخنوع والتفريط
سرا وفئة تجاهد كى لا يباع الوطن.. فئة تنشر الفاحشة بين المؤمنين وفئة تأبى ذلك..
وكل هذا ليس صراعا بين أحزاب..
نعم لم يكن عادل حسين يخوض معاركه من أجل حزب العمل ولا من أجل
صحيفة الشعب بل من أجل الأمة والوطن والدين.. من أجل لا إله إلا الله..
***
فى الليل، فى صوان
العزاء كنت أجلس، أذوب مع آيات القرآن، وكان قلب مصر وضميرها حاضرين وكانا
يبكيان..
وضبطت عينىّ تبحثان
وسط الزحام عن عادل حسين .. وضبطت أذنى وسط الضجيج تبحثان عن رنين صوته.. ما من
اجتماع قبل ذلك إلا وكان هو شمسه وقطبه ترنو إليه الأبصار وتهفو له القلوب وتنصت
له الآذان..
كنت مطرقا وقد حنى
الحزن هامتى، وكل حين أرفع رأسى، فتفاجئنى من بين الجموع لمحة ويحذبنى مشهد فكأنه هو وكأننى أراه، هذه
مشية عادل حسين، هذا ظهره، هذا عنقه فأكاد أركض خلفه، أتشبث به قبل أن ينسرب منى
مرة أخرى، و أبثه همى وشكاتى و أهمس له بالفاجعة التى ألمت بنا : " عادل حسين مات"..!!..
كان الدكتور محمد
عمارة يؤبنه.. وكان يسرد كيف بدأ الثلاثة المعروفون وسط المفكرين " برهبان
الفكر " جهادهم الفكرى: عادل حسين وطارق البشرى ومحمد عمارة.. تصورت للحظة أن المستشار طارق البشرى سيتحدث بعده ثم تكون الخاتمة لعادل حسين نفسه.
لكن عادل حسين لم
يتحدث.. ولن يتحدث بعد الآن أبدا.. ومحمد عمارة يخبرنا أنه مات شهيدا ويروى
لنا كيف أبنه الشيخ يوسف القرضاوى فى مسجد
عمر فى قطر وهو يبكى.. وكيف أقام صلاة الجنازة على روحه الطاهرة هناك..
***
ثمة ألم خاص يمزق
شغاف القلب ويتسلل وئدا كشظية غادرة تشق طريقها بين العظم واللحم ..
لقد بدأنا معركة
الوليمة وهى بعد لما تنته..
كنا نريد يا حبيبنا
أن تكملها معنا و أن نرشف معك رحيق الانتصار..
انتصار ما من أحد منا
إلا وهو واثق منه.. ليس انتصار الآخرة فقط فذلك يقين لا ريب فيه.. وإنما انتصار
الدنيا أيضا.. فذلك وعد الله .. صدق الله وعده.. وصدق وعيده لمن يريدون للفاحشة
والكفر أن يشيعا بين المؤمنين.. لا بالعذاب الأليم فى الآخرة فقط.. بل بخزى الدنيا
أيضا..
ما من أحد منا إلا
وهو واثق أن نهاية أولئك الطواغيت الذين حاصروك يا عادل حسين بعد مواقفك العظيم فى كل معاركك عموما ومن أزمة الوليمة على وجه
الخصوص هى نهاية وشيكة نترقبها وندرك أنهم
سيكونون عبرة للأولين والآخرين ..
تنحدر الذكرى
كالسيل.. كنت قد كتبت مقال : " من يبايعنى على الموت" و أرسلته إلى
الصحيفة.. وهاتفنى عامر عبد المنعم مدير
التحرير: أنا معك فى كل ما تقول.. لكن هذا المقال خطير جدا وقد يترتب عليه تداعيات
هائلة أقلها إغلاق الشعب.. وذلك يتعدى صلاحياتى.. ودار حوار طويل بينى وبينه.. قلت
له أن الأمر الآن ليس أمر حزب ولا صحيفة.. من ناحيتى كيف أستطيع أن أواجه نفسى إذا
عجزت عن الدفاع عن قداسة اسم الله جل جلاله وعن القرآن الكريم وعن الرسول صلى الله
عليه وسلم.. كيف أستطيع بعد ذلك أن أكتب فى أى موضوع آخر.. كيف يصدقنى القراء بل
كيف أصدق أنا نفسى.. إن صحيفة الشعب هى
أعظم صحيفة إسلامية فى العالم.. وهى ليست مسئولة أمام القارئ المصرى فقط.. بل أمام
الأمة الإسلامية كلها.. و أنها إن لم تتصد لهذه الكارثة فمن سواها؟ .. هذا موقف ليس للسياسة ولا للأحزاب
دور فيه.. هذا موقف لله.. موقف أوافقك أننا أغلب الظن سوف نستشهد
فيه؟.. لكن أليس نبراسنا أن الشهادة انتصار و أنها إحدى الحسنيين.. ورد علىّ قائلا
أنه لا يختلف معى فى أى كلمة قلتها لكنه فقط يقول أن أمرا كهذا أخطر من أن يبت فيه
وحده. قلت له : فلتعرض الأمر على رئيس
التحرير بالنيابة: الأستاذ طلعت رميح.. لكنه أخبرنى أنه يحضر ندوة فى الولايات
المتحدة الأمريكية..وفى داخلى حمدت الله.. فالأستاذ طلعت رميح يمثل عقلا استراتيجيا
فذا شديد التماسك والمنطقية وهو كقائد ماهر لا يتخذ قرارا دون حسابات بالغة
التعقيد على أرض الواقع .. وتصورت أنه لو كان موجودا لما وافق على نشر المقال ربما
درءا لخطورة تداعيات هو محق تماما فى حساب مداها .. وكنت أختلف مع وجهة النظر التى تصورت أنه سيتبناها.. فقد كان الأمر بالنسبة لى
كارثة لا تصلح معها الحسابات.. وأننا إزاء موقف لا يحتمل إلا الفوز بإحدى
الحسنيين.
كان مجدى حسين رئيس
تحرير الشعب سجينا بتهمة سب يوسف والى وكانو هم يسبون الله والقرآن والرسول صلى
الله عليه وسلم..
وطلب منى الأستاذ
عامر أن أهاتف الأستاذ عادل حسين لأعرض الأمر عليه..
أشهد أمامك يا رب أنه
لم يتردد لحظة واحدة فى الانتصار للدفاع
عن قداسة اسمك وقرآنك ورسولك صلى الله عليه وسلم..
أشهد أمامك يا رب أن
المخاطر كلها كانت ماثلة أمامه وهو يتخذ القرار بالموافقة على نشر المقال و أنه بالرغم من هذه المخاطر لم يتردد
ولو لثانية واحدة..
أشهد أمامك يا رب أن
المخاطر المطروحة ليلتها كانت بالغة الوضوح أمامه.. وكان أقلها ما حدث.. فقد كان
مطروحا أن نستشهد جميعا فى سجون الطاغوت فور النشر.. ولم يكن مطروحا أمامنا أى
احتمال لفوز دنيوى.. فنحن نعرف شراسة الهجمة على الإيمان و أنهم لن يسمحوا لنا
الآن بتحقيق نصر عليهم فليس أمامنا إلا الاستشهاد.
أشهد أمامك يا رب أنه
لم يطلب منى أن أحذف حرفا واحدا مما كتبت.. بل طلب منى أن أضيف إلى عناوين المقالة لفظ: "القرآن".. وقد فعلت..
أشهد أمامك يا رب
أننى كنت أشعر عبر الهاتف بغضبته الهائلة فى سبيلك.. غضبة بطل شهيد..
أشهد أمامك يا رب
أننى فوجئت بأنه ينزل إلى الساحة بنفسه..
ويحمل هو لواء الدفاع عن دينك.. ويكرس الصحيفة بعناوينها الرئيسية ذودا عن الإيمان
بك..
***
هنيئا لك يا عادل
حسين أنك نلت شهادة ظللت عمرك تسعى إليها فشاء الله جل جلال جلاله أن تنالها فى
أعظم وأشرف و أقدس قضية..قضية الدفاع عن أصل الإيمان..
هنيئا لك .. تركت
سجنك بالدنيا إلى جنتك فى الآخرة.. وتركت أعداءك و أعداءنا فى جنتهم فى الدنيا
والتى لن يروا بعدها جنة أبدا.. إلا من
تاب و آمن وعمل صالحا .. وما أحسبهم - عبيد ذواتهم والشيطان - يفعلون..
هنيئا لك.. والعقبى
لنا أن نحشر معك ومع من أحببت و أن نكون من حزبك يوم الفصل..
هنيئا لك.. حزبا
للأبرار - لا يطاله الطاغوت - تحمل لواءه إن شاء الله يوم
القيامة..
و إنا لله وإنا إليه راجعون..
الفصل الأول
لم تبدأ أحداث ما سمى بمعركة الوليمة يوم الجمعة 28
أبريل عام 2000.. بل بدأت قبلها بمائتى عام وعامين.. مع الحملة الفرنسية على مصر..
وكانت الحملة الفرنسية حلقة من حلقات الحروب الصليبية التي لم تتوقف قط منذ مؤتة
وحتى فلسطين و أفغانستان.. و لم تكن الحملة الفرنسية في حد ذاتها مجرد بداية.. بل
كانت ذروة التغريب والتخريب.. قتلت الأبطال وحاربتهم وشردتهم وطاردتهم.. و أعلت من
شأن الخونة والجواسيس وجعلتهم أمراء وقادة.. كما كانت تلك الغزوة انعطافة خطيرة في
مسار مجتمع مسلم واجه الغزوة الباطشة بما ينبغي لمجتمع مسلم.. لكنه في هذه
المواجهة فقد صفوة شبابه وعناصره النشطة القادرة على بناء نظام والدفاع عنه بعد
ذلك.. والذي حدث أن المقاومة الإسلامية المنهكة والمستنزفة قد وقعت في خطأ تاريخى
عندما سلمت الحكم إلى محمد على.. لتبدأ الانعطافة الخطيرة في التنصل من الإسلام
كمرجعية.. ومن الانبهار بحضارة الغرب.. وهو الانبهار الذي وصل بنا في النهاية إلى
الانهيار التام.
قبل ذلك بقرون كان عدد كبير من الحكام قد تنصل من
المرجعية الإسلامية التي تشكل ضابطا ورادعا لغلواء الحكام وظلمهم وشذوذهم و
أهوائهم.. ولكن المجتمعات الإسلامية ذاتها حافظت على تلك المرجعية محاصِرة فساد
الحكم في دوائر كانت تتسع أو تضيق.. وليظل الإسلام على مستوى المجتمع هو العنصر
الحاكم المهيمن.. حيث اضطر حتى الحكام المنحرفين إلى النفاق لا المواجهة.. و إلى
اصطناع فقهاء السلاطين لا مواجهة الدين..
مع محمد على بدأ التطور الخطير.. فمع عودة بعثاته
التعليمية من أوروبا وخاصة فرنسا تم اصطناع مرجعية أخرى غير الإسلام.
الغزو الإنجليزي كان حلقة أخرى من الحروب الصليبية
واصلت بنهم لا يعرف الارتواء ضرب المرجعية الدينية.. حيث نجح اللورد كرومر بالذات
في تكوين مجموعة من النخبة حوله ..ثم فرضها بوسائل مختلفة كى تسيطر على الساحة
الفكرية .. هذه النخبة خطت خطوة خطيرة في اتجاه هدم المرجعية الإسلامية.. حيث قاد
أفرادها المدعمون بالإنجليز حملة ضارية للهجوم المباشر وغير المباشر على الإسلام..
على أصوله وفروعه.. على علاقته بنظام الحكم .. وعلاقته بالمرأة .. والقانون..
والمجتمع.. وعن كونه سبب تخلف الأمة..ومن المحزن أن هذه النخبة هي التي تقود
الحركة الفكرية في الشارع المصري حتى اليوم.. والمحزن أكثر أن قيادة هذه النخبة قد
انتقلت دون مقاومة كبيرة من الشارع المصري إلى الشارع العربي.. ولتعطى في نفس
الوقت رخصة لنظم الحكم والنخب القائدة في العالم الإسلامي للتخلى عن مرجعية
الإسلام.. فليس من المنطقى – من وجهة نظرها – أن تكون أكثر تمسكا بالمرجعية
الإسلامية من العرب.
إننى أتناول هذه الفترة باختصار شديد.. و وأتعمد إغفال
ذكر الأسماء تجنبا للدخول في معارك فرعية تفقدنا السياق الرئيسى لمعركة شرسة هائلة
تعلو خطورتها عن خطورة أي فرد.. ألا وهى معركة هدم المرجعية الإسلامية.. ومن ثم
الإسلام كله.
إلا أننا برغم حرصنا على تجنب ذكر الأسماء لا نستطيع
إغفال حركتين سياسيتين كان دخولهما على الساحة - برغم عدائهما للإنجليز – مرحلة
ضرورية لضرب المرجعية الإسلامية.. مرحلة ضرورية جعلت الإنجليز يسمحون بهما في خبث
شيطاني لإنهاك المجتمع الإسلامي و إفقاده التوازن.. تلكما الحركتان هما الحركة
الشيوعية وحزب الوفد.
الحركة الشيوعية أنشأها يهود.. ولقد نجحت نجاحا كبيرا
في التغرير بجزء هام من الحركة الوطنية المصرية وفصمها عن مرجعيتها الإسلامية..
وكانت القيادات في كثير من الأحيان عارفة بما تفعل.. مرتشية وملحدة وخائنة.. كما
ظهر بوضوح عام 48 عندما قاد الشيوعيون حركة تمرد في المطارات العسكرية المصرية
لمنع تموين الجيش المصري الذي يحارب في فلسطين.. كما ظهرت نتائجه الفاجعة بعد ذلك
بخمسين عاما.. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.. عندما ارتمت قيادات هذه الحركة في
أحضان أمريكا و إسرائيل.. مسقطة بطريقة مذهلة كل دعاواها عن عدائها للاستعمار
والإمبريالية ونشدانها للعدالة الاجتماعية وتحرير الشعوب.. أسقطت كل هذا لتتبنى
عكسه تماما.. محققة بنجاح مذهل أهداف الغرض من إنشائها.. لقد أنشأها اليهود
والصهاينة.. تحت بصر الإنجليز الصليبيين.. وكان الظاهر والخادع أن هذه الحركة تمثل
معارضة شرسة لقوى الاستعمار وعلى رأسه الإنجليز.. ولكن النظرة الشيطانية
البعيدة كانت تدرك أن الشيوعية والصهيونية
مجرد نتوءات من الحضارة الغربية والتي تهدف إلى هدم عدوها الرئيسى: الإسلام.. ذلك
هو العدو الرئيسي الذي يجب هدمه بأى طريقه.. وبكل طريقه.. مهما بدت هذه الطرق
متناقضة أحيانا.. إلا أن النظرة الشيطانية البعيدة كانت تدرك أن هذه الطرق
المتباينة ستجتمع في النهاية مهما كان تعارضها.. و أن مجهودها كله مهما بدا الأمر
غير ذلك إنما هو موجه لهدم الإسلام.
كان القادة يعرفون ما يفعلون.. وكانوا يغررون بأعضاء
أحزابهم وبأمتهم.. وليس أدل على ذلك من أن أكبر رأس باقية في مصر منهم اليوم كان
عميلا للمخابرات السوفيتية يتلقى منهم الرشاوى التي أعلنتها تلك المخابرات نفسها
بعد انهيار الاتحاد السوفيتى.
الحركة الثانية التي كانت تمثل اختراقا أشد خطورة
للمرجعية الإسلامية كان ظهور حزب الوفد.. وهو حزب أكن كثيرا من الاحترام لبعض
قياداته كما أكن كثيرا من الود لكثير من جماهيره التي لم تفطن إلى ما أريد بها
ومنها. كان المخطط الشيطاني يدرك أن الحركة الشيوعية قادرة على الهدم لكنها في
مجتمع إسلامي غير قادرة على الإطلاق على تقديم بناء بديل.. كانت جماهير الوفد
وقياداته هي القادرة على تقديم ذلك البناء البديل. وكان الوفد أول حزب علمانى يقصى
المرجعية الإسلامية جهارا نهارا.
يقول الأستاذ محمد قطب فى كتابه : واقعنا المعاصر
:
ومع ذلك فلم يكن الأمر سهلا. فقد أثار كتاب ((تحرير
المرأة)) معارضة عنيفة جعلت قاسم أمين ينزوي في بيته خوفا أو يأسا، ويعزم على نفض
يده من الموضوع كله. ولكن سعد زغلول شجعه، وقال له: امض في طريقك وسوف أحميك! ·
وفي وسط هذه
المظاهرات الجادة قامت مظاهرة النسوة، وعلى رأسها صفية هانم زغلول زوجة سعد زغلول،
وتجمع النسوة أما ثكنات قصر النيل، وهتفن ضد الاحتلال. ثم. بتدبير سابق، ودون
مقدمات ظاهرة، خلعن الحجاب، وألقين به في الأرض، وسكبن عليه البترول، وأشعلن فيه
النار. وتحررت المرأة!!!. ويعجب الإنسان الآن للمسرحية وخلوها من المنطق.
إننى حريص على مشاعر الوفديين.. و أدرك أن
الغالية العظمى من قياداتهم وجماهيرهم لم تفطن إلى حقيقة الأمر.. خُدعوا.. وكانت
الخديعة ماكرة وشيطانية حتى انطلى الأمر عليهم.. خاصة وأن المجتمع كله كان قد فقد
الرؤية الشاملة التى ترى الصراع بين الحضارة الإسلامية والحضارة المسيحية اليهودية
من منظور شامل.
لن نركز على أن سعد زغلول كان مدمنا للخمر والقمار
فكثير من حكام المسلمين كان يفعل نفس الشئ.. لكننا نلفت النظر فقط إلى ذلك.. و إلى
افتقاد المرجعية الإسلامية فيه.. ولن نركز على دوره ودور أسرته وزوجته وعلاقتهما
بدوائر الحكم ولا عن دور الشقيق فتحى زغلول بمحكمة دنشواى.. لكننا نشير فقط إلى أن
سعد زغلول كان من مدرسة اللورد كرومر..وأنه كان يحمل في مشاعره ازدراء للشعب
وللأمة.. ازدراء صليبى مقيت طالما حملته النخبة قبل ذلك وبعده .. ولا يمنعنا هذا
من الإقرار والاعتراف بتطور حقيقي نقله تماما
وغيره إبان وبعد ثورة 1919..
مع مصطفى النحاس يبدو الأمر أشد صعوبة منه مع سعد
زغلول.. فالرجل كما قيل عنه تمتع بشجاعة الأبطال وطهارة الأطفال.. وقيل أنه كان
متدينا.. ومع ذلك اعتبر كمال أتاتورك – الخائن الأعظم والكافر الأكبر في القرن العشرين– مثله الأعلى.
وكانت خطورة حزب الوفد أنه في مجمله لم يكن عميلا ولا
خائنا كأحزاب واتجاهات أخرى أسقطتها الأمة من حسابها على الفور واقتصر دورها على
الهدم دون القدرة على تقديم بناء بديل.
***
نفس الشيء ينطبق على ثورة 23 يوليو التي لم تكن عميلة
ولا خائنة، بل كانت فرصة أهدرت، لأنها افتقدت النظرة الشاملة لأبعاد الصراع الذي
لم يسفر عن وجهه الحقيقي إلا في بدايات القرن إلحادي والعشرين رغم أنه بدأ منذ يوم
مؤتة!!..
بل إننا نستطيع أن نقول أن جمال عبد الناصر قد كبح،
وقلل من جموح عداء الحركة القومية للدين، مما جعل مفهوم الحركة القومية في مصر
يختلف عنها في الشام والعراق، لكي تكون أكثر تصالحا مع الإسلام.. ولكن ما وقع فيه
من خطأ فادح، أنه لم يدرك أن الحركة القومية كلها إنما هي حركة ضد الدين نشأت في
أوربا مناقضة للكنيسة ثم زرعتها أمريكا في لبنان في العقد الرابع من القرن التاسع
عشر عندما أنشأت الكلية الأمريكية في بيروت، وكان كل تلاميذها الذين تكفلوا بعد
ذلك بنشر الفكر القومى من المسيحيين. وكان تركيز القوميين على ثلاث عواصم:
إسلامبول: لنشر القومية الطورانية.. ومكة لنشر فكرة القومية العربية.. والقاهرة
لنشر فكرة القومية الفرعونية(!!).. كما امتد نشاط القوميين الصليبيين إلى
البلقان..وكان الهدف المعلن هو التحرير والتنوير وكان الهدف المبطن هو القضاء على
الدولة الإسلامية الكبري والمزيد من التفتيت تمهيدا لغزو العالم العربي كله.. وهو
ما حدث بالفعل .. حين تفككت الدولة الإسلامية الكبري إلى أكثر من ثلاثين دولة.. ثم
تم تفتيت العالم العربي إلى أكثر من عشرين دولة.. ثم تم احتلال الجميع.
لم يفطن جمال عبد الناصر إلى ذلك .. مما أوقعه في الخطأ
القاتل الذي قضى على تجربته قضاء مبرما مكررا في مأساة فاجعة تجربة محمد على. لم
يفطن إلى النظرة الشاملة التي تجعله يدرك أن الصراع ليس بين مصر وانجلترا.. ولا
بين العرب و إسرائيل.. و إنما هو صراع بين الإسلام من ناحية وبين المسيحية الصهيونية من ناحية أخرى.. كانت حربا
عالمية استعد لها استعداد دولة من دول العالم الثالث تحارب دولة أخرى من دول
العالم الثالث ومن ثم كان لابد لهزيمته – وهزيمتنا معه- أن تكون كاسحة فادحة.
انتهى.. وانتهت محاولته لصبغ القومية بطلاء ظاهرى لا
يتناقض مع الإسلام .. وسقطت القشرة.. وبقيت القومية عنصر هدم مهما بدت في بعض
المراحل غير ذلك. انتهى وبقيت آثار حربه الحمقاء للاتجاه الإسلامي. نفس الخطأ
يتكرر.. وكما استخدم محمد على لضرب الحركة الوهابية في الحجاز ونجد استخدم جمال
عبد الناصر في ضرب حركة الإخوان المسلمين في مصر..ثم انتهى كلاهما بالهزيمة
الشاملة.
ثم جاء السادات
بعد عبد الناصر.. وبرغم أنه بدا في الظاهر كما لوكان يسير عكس اتجاه عبد الناصر
تماما .. إلا أنهما كانا كشخصين يسيران داخل قطار في اتجاه معاكس.. لكن حركة
القطار نفسها لم تتغبر.. وكانت حركة القطار في اتجاه ضد الإسلام.. حتى ما ظهر
أحيانا من توافق بين السادات والاتجاه الإسلامي لم يكن في الحقيقة سوى استغلال
الإسلام كعنصر حشد وتأثير في أمة مسلمة.. عنصر حشد وتأثير وليس عقيدة إيمان وجهاد.
وبعدهما – عبد الناصر والسادات - استمر القطار في نفس الاتجاه و إن ازدادت سرعته
وساءت الأمور بداخله كما لم يحدث من قبل أبدا. كانت دعاوى عبد الناصر عن عداء
الصهيونية والاستعمار قد سقطت.. وكانت دعاوي السادات عن الإسلام بينما يستعمله
كعنصر حشد للاستسلام قد سقطت.. ثم سقطت فكرة القومية نفسها لتنحسر الآمال منحصرة
في الدولة القطرية التي فشلت هي الأخري ولم يبق ما يستر عورة الأنظمة في مصر
والعالم العربي والإسلامى سوى قوتين: قوة الشرطة المجيشة وقوة المثقفين.. ولم يكن
جهد كليهما سوى التلفيق والتزوير والخداع والتضليل.. كانوا عصابة وكان الإسلام هو
القاضى فتركز كل جهد العصابة على استبعاد القاضى.
إننى أؤكد للقارئ أنني لا أقصد على الإطلاق الدخول في
معارك حزبية.. وما ذكرت هذه الأحداث إلا لكي أوضح للقارئ كيف ترفع أدنى الغايات
أنبل الشعارات.. وكيف يتم اختراق الأحزاب والمجتمعات والأمم لكي يتم توظيفها بعد
ذلك في هدم كيانها الذاتى.. وفى تدمير نفسها.. كما أؤكد أن كل الحركات الإسلامية
قد اخترقت هي الأخرى بشكل أو بآخر. و أن أخطر أنواع الاختراق لها ولغيرها لم تكن
ذلك النوع المباشر.. كان الأخطر هو ذلك النوع غير المباشر الذي يحدد الاتجاه من
بعيد ثم يترك لتلك الحركات أوسع مدى للحركة.. بحيث لا يدرك أي واحد فيها الاتجاه
النهائي الذي تسير إليه.. تماما كما يستطيع شخص واحد – قد لا يعرفه أحد- إلى توجيه
مظاهرة حاشدة إلى اتجاه معين يكمن فيه هلاكها.. وكل مادون ذلك مسموح به داخل
المظاهرة.. الهتافات والشعارات والشجب والتنديد وحتى التخريب.. لأن كل ذلك – وتلك مأساة – يساهم بالدور الأكبر في خداع
الحشود الحاشدة في تلك المظاهرة وفى إلهائها عن الهاوية التي تتجه إليها. حين تظن
هذه الحشود أنها فاعلة بينما هي مفعول بها.
هذا الشخص الخائن، الذي يقود ذلك الحشد إلى حتفه، هو
نتاج الغرس المر لحملة نابليون ومدرسة كرومر، وهو إن استتر حال كونه رجل مخابرات
في السى آى إيه أو الموساد.. أو حاكما عميلا.. إلا أنه يكون ظاهرا للعيان ككاتب
ومثقف.
ثمة اختراق آخر حدث كتجاوب مع الاختراق الخارجى أحيانا
ومستقلا عنه في أحيان أخري، ذلك أن اتساع الرقعة التي سيطر عليها الإسلام في عصر
القوة، وتعدد الأعراق والأجناس قد أدى إلى تداخل الثقافات التي شكلت بدورها بيئة
مثالية للاختراق، أما في فترات الضعف فقد كان الاختراق مباشرا من الخارج، وأضيف
إليه عامل آخر داخلي لكنه يختلف عن العامل الأول في أنه كان نتيجة الضعف لا القوة،
والجهل لا العلم، وكانت الاختراقات كلها تسعى إلى هدف رئيسي: هو " توثين
الإسلام " لا يكاد يهم فيه إلا الشكل الذي تداخلت معه بدع غريبة عن الإسلام، أما
المضمون: العقيدة والإيمان والتوحيد والجهاد في سبيل الله لأداء رسالة عالمية فقد
تم إهمالها جميعا تحت وطأة وهم أن الشريعة لم تعد في خطر، ومن ثم نشأ الاهتمام
المبالغ فيه بالفقه المتغير على حساب الشريعة الثابته. وموضوع " توثين
الإسلام " يحتاج إلى بحث مستقل لذلك
نكتفى بهذه الإشارة السريعة إليه. وفى هذه الإشارة السريعة لا ننسى أن الأمر قد
تطور بعد ذلك أو طور في المخابرات الأمريكية لصياغة ما اصطلح على تسميته بالإسلام العيسوى[1][1] .
وإزاء الضربات الهائلة من الخارج والداخل راح المجتمع
الإسلامي يتفكك ويتحلل. وتضافر المخطط الأجنبى مع عوامل الضعف الداخلى في تحقيق
نجاح هائل للوسائل الخارجية التي اتبعت لهدم الإسلام وهى: الاستشراق والتبشير ثم
الاستعمار.. وفى تضافر العوامل الداخلية معها وهى التعليم والإعلام والثقافة.
ولقد أفضت في الحديث عن هذه العوامل في كتب سابقة [2][2].
وفى إطار عملية الانهيار تلك تحولت الجماعات لتقوم بعكس
وظيفتها..ولتتحول من خنجر في يد الأمة يدافع عنها إلى خنجر في قلبها يطعنها.
ولقد أبدع الدكتور عبد الوهاب المسيري[3][3] في وصف تلك الجماعات التي سماها «الجماعات
الوظيفية» وهو مصطلح قام بوضعه: " استناداً
إلى مصطلحات قريبة في علم الاجتماع، لوصف مجموعات بشرية تستجلبها المجتمعات
الإنسانية من خارجها، في معظم الأحيان، أو تجندها من بين أعضاء المجتمع أنفسهم من
بين الأقليات الإثنية أو الدينية، أو حتى من بعض القرى أو العائلات. ثم يوكل
لأعضاء هذه المجموعات البشرية أو الجماعات الوظيفية وظائف شتى لا يمكن لغالبية
أعضاء المجتمع الاضطلاع بها لأسباب مختلفة من بينها رغبة المجتمع في الحفاظ على
تراحمه وقداسته، ولذا يوكل لأعضاء الجماعات الوظيفية بعض الوظائف المشينة (الربا ـ
البغاء) أو المتميِّزة (القضاء ـ الترجمة ـ الطب) التي تتطلب الحياد
والتعاقدية". (…) .. "كما أنه قد يوكل لأعضاء الجماعات الوظيفية الوظائف
ذات الحساسية الخاصة وذات الطابع الأمني (حرس الملك ـ طبيبه ـ السفراء ـ الجواسيس).."
(…) .. " لا نعني أن هذه عملية واعية يقوم بها أعضاء مجتمع ما، فهي في واقع
الأمر عملية غير واعية كما هو الحال مع معظم الظواهر الاجتماعية. وكثيراً ما تكون
هذه العملية غير مفهومة لمن يقومون بها، سواء أكان المجتمع المضيف أم الجماعة الوظيفية.
بل إن هذه العملية الاجتماعية قد تتم رغم الرفض الواعي لها من قبَل المجتمع
والجماعة. وكل ما نرمي إليه هنا هو أن نشير مجرد إشارة إلى أن هذه عملية اجتماعية مركبة إلى أقصى حد تتداخـل
فيها الأسـباب بالنتائج، ونحـاول فهـم بعض جوانبها وتفسيرها قدر استطاعتنا. ولكننا،
لقصور لغتنا البشرية، نضطر إلى الإشارة إلى المجتمع وأعضائه كما لو كان ذاتاً
واعية ينجز عملياته بشكل واع. ويتوارث أعضاء الجماعة الوظيفية الخبرات في مجال
تخصصهم الوظيفي عبر الأجيال ويحتكرونها، بل يتوحدون بها، وفي نهاية الأمر يكتسـبون
هـويتهم ورؤيتهم لأنفسـهم منها بحيث يتم تعريف الإنسان من خلال الوظيفة وحسب لا من
خلال إنسانيته الكاملة، فيصبح عضو الجماعة الوظيفية إنساناً ذا بُعد واحد يمكن
اختزال إنسانيته إلى هذا البُعد أو المبدأ الواحد، وهو وظيفته.
ويمكن القول بأن القطاعات العسكرية في كثير من
دول العالم الثالث يُعاد إنتاجها على هيئة جماعات وظيفية ُجنِّد أعضاؤها من داخل
المجتمع. ويتم عزل هذه الجماعات عن طريق المزايا والرموز المختلفة، بل يتم أحياناً
عزل هذه الجماعات داخل أحياء سكنية متميزة تتمتع بعدد من الخدمات، وقد تُخصَّص
مستشفيات ومدارس مقصورة على أعضائها وعلى أولادهم. وبعد إنجاز عملية العزل، يصبح
للقطاع العسكري وقيادته "مصالح" مختلفة عن مصالح المجتمع، ومن ثم يكون بوسع
هذه الجماعات أن تنظر لهذا القطاع بشكل محايد، ويكون بوسع القوى الأجنبية أو النخب
الحاكمة أن تُوظِّف هذه الجماعات لصالحها. كما يمكن لهذه الجماعات أن تسيطر على
المجتمع وتديره لصالحها وتصبح مثل المرتزقة والمتعاقدين الغرباء رغم أن خطابها
السياسي قد يكون قومياً وثورياً واشتراكياً. "
ويواصل الدكتور المسيري تطبيق نظريته الفذة على قطاع
المثقفين فيقرر أن بعض قطاعات النخب الحاكمة والمثقفين في العالم الثالث قد تتحول
إلى جماعات وظيفية (عميلة) تعمل لصالح الإمبريالية أو النظام العالمي الإمبريالي
الجديد. فهؤلاء يمكن استيعابهم من خلال الشبكة الاقتصادية والثقافية الضخمة (شركات
متعددة الجنسيات ـ مؤسسات بحوث ـ مؤتمرات علمية ـ مشاريع بحثية مشتركة... إلخ).
وهذه القطاعات يتم عزلها عن مجتمعاتها بحيث تصبح غريبة، فتكون داخلها ولكنها ليست
منها. ويمكن أن تكون العزلة فعلية كأن يعيش أعضاء هذه القطاعات في منازل توجد على
أطراف المدينة أو في أحياء خاصة ذات طُرُز معمارية معينة (عادةً غربية) أو يرتدون
أزياء غربية ويتحدثون بالإنجليزية أو العربية المطعمة بالإنجليزية. كما أن شبكة
المصالح العالمية تستوعبهم فتصبح مصالحهم الاقتصادية مرتبطة بالآلة العالمية
وباستمرارها وباستمرار مؤسساتها الثقافية. ولكن العزلة يمكن أن تتم بشكل أكثر
تبلوراً وتركيباً فتأخذ طابعاً نفسياً فيحس المثقف بالعزلة عن مجتمعه وبعدم التجذر
فيه وبالغربة عنه، ويحس عضو النخبة السياسية بعدم الانتماء لبلده، كما أنهما
ينظران إلى أهليهما نظرة دونية حيث يشعران بتخلف المجتمع الذي يعيشان فيه وبحاجته
إليهما (مركب الشعب المختار). كما أنهما يمارسان هذا الشعور عادةً بسبب إيمانهما
بأيديولوجيا تُجسِّد نماذج معرفية وأخلاقية مستوردة متحيِّزة ضد واقعهما. ورغم
أنهما قد يتحدثان بلغة بلدهما، إلا أن خطابهما السياسي يبدأ في التحول التدريجي
حتى لا يفهمه سواهما ويصبح أداة للعزلة عن الجماهير لا للتواصل معها.
ولا شك في أن أعضاء هذه الجماعة يتسمون بحركية شديدة.
كل هذا يجعلهم كيانات مجردة وأدوات قمع في نظر مجتمـعاتهم، تماماً كما أنهـم لا
ينظرون إلى مجتمعـاتهم باعتبـارها كيانات حية ينتمون إليها. فهم ينظرون إلى الفلاح
الذي يرتدي جلبابه، مثلاً، باعتباره عبئاً لابد من التخلص منه ومشكلة تحتاج للحل.
وهؤلاء المثقفون يشبهون في كثير من الأحيان يهود البلاط الذين كانوا يشكلون جماعة
وظيفية تقف بين عالمين (عالم اليهود وعالم الأغيار) جماعة تتعامل مع كليهما بكفاءة
دون أن تنتمي لأي منهما. ولذا، فإن أعضاء هذه الجماعة يعيشون في عدم طمأنينة،
يحاولون إرضاء أسيادهم قدر استطاعتهم عن طريق الخضوع لقوانينه، ولكنهم في الوقت
نفسه لا يمكنهم الانضمام له تماماً لأن وظيفتهم تتطلب منهم أن يطوروا مجتمعاتهم
حتى يمكن إدخالها إلى النظام العالمي. ولكن شرعيتهم وقوتهم تظلان مستندتين إلى
القوة الإمبريالية. وقد وصف أحد علماء الاجتماع يهود البلاط بأنهم "مخصيون لم
يتم خصيهم" وهو وصف دال أيضاً لأعضاء النخب الثقافية والسياسية في العالم
الثالث الذين تم إعادة إنتاجهم على هيئة جماعة وظيفية عميلة تخدم النظام
الإمبريالي العالمي الجديد. ونحن نرى أن النظام العالمي الجديد ينطلق من إدراك
الدول الغربية صعوبة المواجهة العسكرية والأيديولوجية الواضحة مع شعوب العالم
الثالث (وخصوصاً الشعوب الإسلامية)، وإدراكها أيضاً ظهور نخبة ثقافية محلية على
استعداد كامل للتعاون معها والقيام على خدمتها، فقررت أن تلجأ إلى التفكيك الداخلي
(من خلال النخبة المحلية العميلة) بدلاً من المواجهة المباشرة من خلال الجيوش
وآليات الحرب التقليدية الأخرى.
***
انتهى الآن ذلك الاستطراد التاريخى الطويل منذ حملة
نابليون.. كما انتهى التأصيل النظري للدكتور المسيرى.. وقد كان ذلك ضروريا لرسم
الإطار العام الذي جرت فيه أحداث معركة الوليمة.
***
لم تبدأ أحداث معركة الوليمة كما قلنا يوم 28 أبريل عام
2000 بنشر مقالى: " من يبايعنى على الموت " في صحيفة الشعب المصرية.
فمنذ بداية كتابتى في الشعب ( 1990) كنت أتناول الموضوع ذاته على مستويات مختلفة
.. ومنذ عام 1998 بدأت في سلسلة من المقالات بعنوان الوعي "ينزف من ثقوب
الذاكرة" كان كل مقال منها يشغل صفحة أو أكثر في صحيفة الشعب.. وقد طالت هذه
المقالات إلى إحدى وخمسين مقالة.. تخللتها مقالات أخرى تعالج الهم ذاته.. وتحذر
بالنص : من الاعتداء على "قداسة القرآن الكريم" ومن ازدراء الإسلام
والمسلمين ومن الاختراق الثقافى حين وصفت المثقفين والنقاد بأنهم مجوس هذه الأمة.
وبداية من عام 2000 بدأت كتابة نص أدبى بعنوان "بروتوكولات حكماء العرب"
.. وكنت أتناول فيه نفس القضية في إطار أدبى. وفى 28 أبريل قطعت الحلقة الحادية
عشرة منه كى أكتب ذلك المقال الذي فجر أزمة الوليمة. وكنت أعتزم كتابة مقال واحد
فقط أعود بعدها إلى استئناف : " بروتوكولات حكماء العرب" لكن المقادير
قضت بغير ذلك.
في نفس الاتجاه كانت كتيبة الشعب المجاهدة تخوض
معاركها.. حيث خاضت في عام 1998 معركة شرسة مع قطاعات – أو قطعان – المثقفين
المستغربين الذين بلغ بهم الأمر الاحتفال بذكرى الحملة الفرنسية على مصر كبداية
لعصر التنوير.
وفي النصف الثاني من عام 1999 كانت الشعب تخوض معركة
شرسة مع وزير الثقافة بسبب الاحتفال بالألفية الثالثة عند الهرم بطقوس يهودية
ماسونية أخرجها مخرج يهودي وهى المعركة التي عُرفت بمعركة الهريّم الذهبى.
وفى يناير عام 2000 بدأ الأستاذ مجدى حسين رئيس تحرير
الصحيفة تناول مطبوعات وزارة الثقافة المسيئة للإسلام ومنها كتاب : الجنوسة في
الإسلام.
والكتاب طبع للمرة الأولى في أكتوبر من عام 1999 ليوزع
مجانا على هامش احتفالية أقامتها وزارة الثقافة المصرية تحت عنوان 100 عام على
تحرير المرأة احتفلت فيها بصدور كتاب "تحرير المرأة" لواحد من النخبة
المثقفة التي رباها اللورد كرومر وهو قاسم أمين الذي يعتبره التزويريون – وليس
التنويريون- بداية لمشروع النهضة الحديث.
والكتاب لمؤلفة مغربية تدعى ليلى أحمد سطرته باللغة
الفرنسية لتتناول فيه مفاهيمها حول معالجة الإسلام لقضايا المرأة بما فيها قضاياها
الجنسية، وقد تنبه مجمع البحوث الإسلامية مؤخرا- بعد عامين من كتابة مجدى حسين عنه
فطالب بحظر توزيع الكتاب ومعاقبة المسئولين عن نشره باعتبار أنه يمس الثوابت
الإسلامية.
ومحور الكتاب الأساسي كما يقول الدكتور المطعني يدور
حول تصوير الإسلام على أنه دين من وضع البشر وليس دينا سماويا أنزل من عند الله عز
وجل، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل إن الكتاب ردد بعض الافتراءات التي يروج لها
المستشرقون ضد الإسلام حيث يؤكد أن الإسلام كدين لم يأت بحضارة جديدة إنما هو مزيج
مشوش من حضارات الشعوب القديمة إضافة إلى التشكيك في سماوية القرآن وإرجاع كل ما
هو موجود في المصحف الآن إلى مصدر واحد وهو الروايات الشفوية للشعوب غير الموثوق
بها، كما تشير الكاتبة أيضا إلى أنه لو كان القرآن وحيا من عند الله فإن كثرة
التناقض الموجود به حسبما ورد في كتابها ينزع منه الثقة وهو السبب في كثرة
الاختلافات المذهبية بين المسلمين في العقيدة والفقه والتفسير وكذلك إصرار الكاتبة
على تسمية الفتوحات الإسلامية غزوا وازدراء النبي صلى الله عليه وسلم حيث ورد ذكره
باسمه المجرد "محمد أكثر من 300 مرة دون أن تعطيه حقه من التكريم، ومع وجود
كل هذه المثالب فأعتقد أن الحل الهادئ والسليم الوحيد هو المطالبة بحظر الكتاب دون
التطرق إلى الحكم على صاحبته بإيمان أو كفر.
كان مجدى حسين قد تناول الكتاب في يناير عام 2000، ولست
أنسي كم اقشعر جسدى وقف شعر رأسى و أنا أقرأ في نهاية مقاله ذاك تحذيرا لنظام
الحكم ولوزارة الثقافة وقطعان التنويريين من أن جوهر الإسلام وأصوله هو الذي يهاجم
الآن ثم يقسم أنه لو استلزم الأمر أن ننزل
إلى الشوارع لنقاتل أئمة الكفر بأيدينا العزلاء وصدورنا العارية لفعلنا..
ولم يتنبه الأزهر إلى الكتاب إلا بعدها بعامين، بل بدا
كما لو أنه يعتذر عن إصدار قرار بمصادرة الكتاب حيث يقول الدكتور المطعنى الذي كلف
بكتابة التقرير: " أنه لا يتحمل مسئولية الطريقة التي وصل بها الكتاب إلى
الأزهر ولكن تتحملها السلطات التي قامت بتقديمه" [4][4].
إننى أنبه القارئ إلى أن الموضوع لم يطرح على الأزهر
إلا بعد الصحوة التي أشعلتها معركة الوليمة .. كما أنبه القارئ إلى مدى السذاجة
والمغالطة التي يتبعها التزويريون في الدفاع عن مواقفهم.. بل إن الأمر يتجاوز
السذاجة والمغالطة إلى الكذب والتزوير المتعمد.. إلى " الاستعباط والاستهبال
"!!..
المسئولون عن المجلس الأعلى للثقافة – وليس هناك مجلس
أوطى منه !- والذين دأبوا على اتهام المسلمين بتبنى فكر المؤامرة بسبب عجزهم عن
التكيف مع الواقع ومواجهته كانوا هم الذين يتبنون فكرة المؤامرة هذه المرة،
فقرروا أن هناك مؤامرة وراء إعادة فتح
القضية بعد مرور عامين، وقال الدكتور جابر عصفور الأمين العام للمجلس الأعلى
للثقافة أن مجلسه يتعرض لحملة تكفيرية منظمة تهدف إلى منعه من نشر ثقافة الاستنارة
والمجتمع المدني.
وقال الدكتور عصفور إن معدّ التقرير -وهو الدكتور عبد
العظيم المطعني- قام بقراءة كتاب "المرأة والجنوسة في الإسلام" على
طريقة "لا تقربوا الصلاة"[5][5] لأن الكتاب يحتوي -على الرغم من ملحوظات معد
التقرير- على العديد من المواقف التي تدافع من خلالها المؤلفة عن الإسلام ضد
مغالطات وافتراءات المستشرقين وتؤكد على دوره العظيم في تطوير أحوال المرأة، وإذا
كانت هناك بعض العبارات التي تختلف فيها وجهات النظر بين معد التقرير وبين المؤلفة
فهذا لا يعني أن الكتاب يسئ إلى الدين الإسلامي ويشوه صورته.
والأمر الذي يؤكد نظرية المؤامرة من وجهة نظر الدكتور
جابر عصفور هو أن المجلس لم يطبع من هذا الكتاب أكثر من 800 نسخة قام بتوزيعها على
الحاضرات في المؤتمر من المهتمات بقضايا المرأة فكيف وصلت منه نسخ إلى مجمع البحوث
الإسلامية قيل إنها جمعت من الأسواق رغم أن الكتاب لم يطرح للبيع، ولماذا تثار هذه
الضجة حول كتاب نفد من مخازن المجلس منذ أكثر من سنتين؟ ولماذا لا يطبق علماء
الأزهر الذين يكتبون هذه التقارير القاعدة الموروثة عن الإمام مالك التي تقول
"إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من 99 وجها ويحتمل الإيمان من وجه واحد
يعامل على أنه مؤمن"؟.
وما أريد أن أقوله هنا أن الدكتور جابر عصفور يغالط وهو
يعلم أنه يغالط، بل إن واحدا من زملائه في لجنة الإفك التي أقرت رواية الوليمة لا
يكف عن القول: " لو فُهِمتُ قُتِلتُ" وهو يعنى أنه في الواقع كافر ولو
فهم الناس كفره لأقاموا عليه حد الردة.
***
الدكتورة هبة رؤوف -مدرس مساعد العلوم السياسية بجامعة
القاهرة وصاحبة الاتجاه الإسلامي تكتب قائلة:".. مشكلتنا مع أصحاب الخطاب
النسوي المتمركز حول الأنثى، والذي يرفض المطلق ويعتنق المذهب الوضعي/النسبي هو
أنه لا يواجهنا مواجهة الفرسان وجهًا لوجه، بل يلجأ للمراوغة، فيُظهر غير ما
يُبطن، وتخونه الكلمات أحيانًا فتبدو من الأفواه ما تخفى الصدور، ويبسط الحديث ضد
الأسرة والشريعة والقيم المطلقة، فإذا ثار الجمهور ضدهن تراجعن ليؤكدن أنهن يطلبن
ذلك "بما يتوافق مع الشريعة"، ويطالبن بفهم "مستنير" للشرع
الحنيف.
وتمضي الدكتور هبة رؤوف قائلة: "إن لدى الإسلاميين
مساحة واسعة من سعة الصدر والأفق، ونحن نؤمن بحق الاختلاف وحرية الرأي في مجتمع
إسلامي يقبل التنوع والتعدد، شريطة أن تكون المعركة شريفة فيها مواجهة الفرسان،
وأن تُتاح للجميع نفس مساحات الكلام والدعم المعنوي والمادي.[6][6]
لقد أوردت هنا حكاية كتاب الجنوسة في الإسلام كاملة،
منوها إلى أن تناول مجدى حسين لهذا الكتاب في عام يناير 2000 لم يحرك عند
التزويريين في وزارة الثقافة ضميرا ولا مراجعة، ولم يكن مجدى حسين خفيض الصوت وهو
يتكلم عن الكتاب، بل هدد بالنزول إلى الشارع للقتال بصدور عارية وبالأيدى المجردة،
ومع ذلك لم يرد عليه أحد، وبعد ذلك ، في معركة الوليمة، سيدعون كذبا وبهتانا أننا
لو تناولنا الأمر بطريقة هادئة لاستجابوا لنا.
في مارس 2000 قرأت فى صحيفة الأسبوع عن رواية الوليمة،
هاجمها البعض و أيدها البعض الآخر، كما لو أن القضية هي قضية خلاف نقدى وليست قضية
إيمان أو كفر.
ولقد ذهلت عندما قرأت المقتطفات التي أوردتها الصحيفة
من الرواية، فاتصلت بالصديق محمود بكري مدير التحرير، الذي أخبرنى أن ما قرأته لم
يكن المقال الأول عن الموضوع، فرجوت منه أن يرسل لى الرواية وما كتب عنها في صحيفته.
أثناء قراءة الرواية شعرت بما لم أشعر به في حياتى..
وكان قراري الأول الذي أفضيت به إلى
أصدقاء حميمين – لا يعملون في الشعب – فأخبرتهم بما قر عليه قراري.. وكان القرار
أن أموت!!.. نعم أن أموت.. ففي غمرة الانفعال قررت أن ألبس كفنا وأتوجه لصلاة
الجمعة في الأزهر ثم أصعد على المنبر لأصرخ في الناس : " من يبايعنى على
الموت " ثم أسرد عليهم ما ورد في الرواية الكافرة و أطلب ممن يبايعنى على
الموت أن يلبس كفنا ويصاحبنى إلى رئاسة الجمهورية لنفترش الأرض هناك فإما أن
يستجاب لنا بالدفاع عن الله والقرآن
والرسول صلى الله عليه وسلم و إما أن
يقتلونا.
راجعنى الأصدقاء كثيرا فيما انتويته[7][7].. فقد كانوا يخشون علىّ مما يحمله
قراري ذاك من مغبة المواجهة العنيفة مع السلطة.. والتي ستنتهى في ظنهم بموتى..
وقلت لهم أنني أرحب بهذا الموت.. وكانت حجتهم التي أقنعتنى أن الخطر لن يقتصر علىّ
فقط بل سيشمل أيضا القضية كلها..- وكما قلت لم يكن منهم أحد ينتمى إلى صحيفة الشعب
أو حزب العمل- وقر قرارنا في النهاية أن أكتب مقالا..
وفكرت قبل كتابة المقال في أنه يوجد شخص واحد في هذا
العالم يجب علىّ أن أستأذنه، وهى أمى، وكانت على مشارف الثمانين، وقلت لها أنني
سأكتب مقالا خطيرا قد يترتب عليه استشهادى، وروعها الأمر، فلما قصصت عليها تفاصيله
هتفت: امض على بركة الله.
وحتى ذلك الوقت لم يكن أي من العاملين بالصحيفة على علم
بالموضوع، فعادل حسين مشغول جدا و أنا أشفق على وقته من التفاصيل، ومجدى حسين كان
قد غُدر به فدخل إلى السجن في بداية شهر أبريل، ومحمد القدوسي – مدير التحرير
آنذاك – كان قد ابتعد وشاب علاقتنا بعض فتور. ولم أخبر حتى عامر عبد المنعم – نائب
رئيس التحرير الآن – وإنما فوجئ بالمقال فكان منه ما رويته في أول فصل في هذا
الكتاب..
وفى 28 أبريل عام 2000 نشرت الشعب مقال : "من
يبايعنى على الموت".
***
لا إلـه إلا الله ..
بكيت..
جرح قلبى كما لم يجرح من قبل..
لم يكن طول الجرح بالمسافة بل بالزمن.. جرح طوله ألف وخمسمائة
عام..
صرخت: تبت أيديكم .. أيما كنتم ..
وأينما كنتم.. وأيما أنتم .. وأيا كان من وراءكم.. يا كلاب النار يا حطب جهنم..
تبت أيديكم.. وتبت أيدى من يسكت عنكم
بعد اليوم..
لا إلـه إلا الله..
بكيت يا قراء .. صرخت..
وصلت الإهانة إلى نخاعى فزلزلت عظامى ..
فذابت دموعا..
تمنيت لو أننى مت قبل هذا اليوم وكنت
نسيا منسيا..
تمنيت ألا يأتى الله بى يوم القيامة على
هذه النوازل الـهائلة ولو كشاهد.. لأن الشاهد هنا أسوأ من ديوث.. ومثل تلك النوازل
لا ينجو منها من يشهد عليها بل من يستشهد فيها .. أو ينتصر..
اختنقت..
لا إلـه إلا الله..
لم أشعر بمثل هذا الشعور طيلة حياتى..
وكما يحدث لأفراد العائلة يجتمعون عند
المصاب الجلل راحت آلامى يستدعى بعضها بعضا.. ينادى بعضها بعضا.. فلا أملك من
العزاء إلا:
لا إلـه إلا الله..
رحت أستعيد الآلام ألما بعد ألم..
وكارثة بعد كارثة.. وداهية بعد داهية.. ومصيبة بعد مصيبة .. ورحت أقول لنفسى أن
أشد آلامنا وأعظم كوارثنا وأدهى دواهينا وأنكى مصائبنا لم تأت من أعدائنا.. بل
جاءت على أيدى ولاة أمورنا..
فاض بى الألم.. وأنا أهتز وأترنح كالمذبوح ..
لا إلـه إلا الله..
أمسكت بالـهاتف واتصلت بصديق كى أبثه
همى..
ما أن بدأت الحديث حتى أبعدت المسماع عن
فمى على الفور.. فقد كنت أنتحب.. وكنت أشعر بالخزى من نفسى .. ومن أمتى .. و
بالخجل مـن الله..
استطعت بعد جهد جهيد أن أقرأ للصديق بعض
الجمل التى انصبت على جسدى كالنار .. كرصاص منصهر.. طفحت من كتاب داعر فاسق فاجر كافر ..
طبعته لنا ونشرته بيننا وزارة الثقافة المصرية.. وليس
الإسرائيلية ولا الأمريكية..
لا إلـه إلا الله..
كانت الكلمات التى نشرتها وزارة الثقافة
المصرية تقول: …
… .. .. ..
لا أستطيع أن أكتب تلك الكلمات فلا إلـه إلا الله…. لا أستطيع أن أنقل ذلك الفسوق ولا إلـه إلا الله..
لا إلـه إلا الله..
آآآآآآآآآآآآه يا قراء..
حرون هو القلم فى يدى..
تتأبى الكلمات على بيانى..
وتستعصى الحروف على لسانى..
وقلبى لا يطاوعنى أن أنقل لكم
الكلمات الفاسقة الداعرة الكافرة التى أوردها كتاب فاسق داعر كافر.. نشرته هيئة لابد
أن تكون لابد أن تكون فاسقة داعرة كافرة تحت رئاسة مسئول لابد أن يكون داعرا فاسقا
كافرا..
آآآآه..
لا إلـه إلا الله..
لو أنصفت يا قلم لانكسرت..
ولو أحسست يا ورق لاحترقت..
فهل تريدون الآن أن تعانوا ما عانيته يا
قراء..
إليكم ما طبعته ونشرته وزارة الثقافة
المصرية:
" وهؤلاء يهمشون التاريخ ويعيدونه
مليون عام إلى الوراء، فى عصر الذرة والفضاء والعقل المتفجر يحكموننا بقوانين
إلـهة البدو وتعاليم القرآن..خـراء "..[9][9]
آآآآه..
إلـهة البدو..؟؟!!
القـرآن..
خـراء..
لا إلـه إلا الله .. لا إلـه إلا الله
.. لا إلـه إلا الله .. لا إلـه إلا الله.. لا إلـه إلا الله.. لا إلـه إلا الله
.. لا إلـه إلا الله ..
يا ليت أمى لم تلدنى..
لو أن صاعقة من السماء انقضت على أم
رأسى لما شعرت بمثل هذا اللهيب اللافح فى رأسى..
لهيب..
لا لهيب الشمس فى الصحراء .. بل لهيب
قلب الشمس حيث كل شىء ذوب منصهر..
شعرت بالدوار يا قراء..
غامت عينى.. وغامت الدنيا..
صرخت فى نفسى: كيف يا صفيق قرأتها فلم تمت الفور.. كيف؟!..
كيف يا صدئ الروح قرأتها فلم ينفجر
النزيف فى رأسك على الفور.. كيف.؟![10][10]
وصرخت:..
لا إلـه إلا الله..
تراءى لى الرسول صلى الله عليه وسلم
ينظرنى معاتبا يوم القيامة فصرخت من الخجل..
تراءى لى أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ رضى
الله عنهم أجمعين فصرخت من الخجل..
تراءى لى الحسين سيد الشهداء.. إذ يبذل
روحه وأرواح جميع أهل بيته.. أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم.. يبذلون
أرواحهم كى تكون كلمة الله هى العليا.. فصرخت من الخجل..
تراءى لى الزبير بن العوام يهتف صارخا فى حروب الردة :
من يبايعنى على الموت..
تراءى لى حمزة بن عبد المطلب.. وعبد
الله بن الزبير.. ومصعب بن عمير.. وزيد بن حارثة.. وجعفر بن أبى طالب.. وعبد الله
بن رواحة.. وسعد بن معاذ.. وسعد بن عبيد.. وعكرمة بن عمرو بن هشام يصرخ فى اليرموك
: من يبايعنى على الموت..[11][11]
تراءى لى الإمام أحمد بن حنبل..
تراءى لى ملايين وملاين من الشهداء
والصابرين.. بذلوا حياتهم واحتسبوا صبرهم لتقديس اسم الله ورفع كلمته.. ثم يأتى
الشيطان ليكتب ما يسميه كتابا تعتبره وزارة الثقافة المصرية - وهى الأخرى شيطان-
أدبا فتنشره على الناس كى تنورهم..
وزارة الثقافة المصرية فى بلد الأزهر
وصلاح الدين وقطز وخالد الإسلامبولى تنشر
يا قراء كتابا يدعى أنه رواية يقول أن القرآن خـراء.. ثم لا يلبث أن يقول:
إخرأ بربك...
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه..
لا إلـه إلا الله..
لا إلـه إلا الله..
لا إلـه إلا الله..
لا إلـه إلا هو الرحمن الرحيم الملك
القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارىء المصور الغفار
القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل
السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي
الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود
المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدى المعيد
المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الأحد الصمد القادر المقتدر
المقدم المؤخر الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعال البر التواب المنتقم
العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع
الضار النافع النور إلـهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور..
لا إلـه إلا الله..
لا إلـه إلا الله..
لا إلـه إلا الله..
أول مرة ألقى مثل هذا الألم فى حياتى ..
أبدا..
ولا حتى هزيمة 67..
ولا حتى قتل الشهيد سيد قطب..
ولا حتى استدراجنا كقطيع من الخراف إلى
مقتلة الخليج .. حين اندفع بالشرك والغباوة والخيانة والجهل والنفاق نصفنا يقتل
نصفنا .. كقطيع .. قطيع من الخراف يندفع
إلى المجزرة وهو فرح بها نشوان..
ولا حتى عندما حمل السادات كفننا
وكرامتنا وتاريخنا ليذهب مذموما مدحورا إلى القدس..
ولا حتى يوم اجتمع ثلاثة آلاف من جنود
الشيطان ليقتلوا سعد إدريس حلاوة لأنه اعترض على أن يدنس علم الصهاينة الكلاب أرض
مصر.. وعندما اختاروا بالرغم منا أن تكون سفارتهم فى الجيزة لا فى القاهرة.. على
الضفة الغربية للنيل.. لأن أساطيرهم الفاجرة
تقول لهم أن أرضهم من النيل إلى
الفرات.. فكيف تكون لهم سفارة فى القاهرة .. والقاهرة أرضهم.. واختاروها – رغم
دواعى الأمن – أمام أضخم تجمع شبابى فى الوطن.. أمام جامعة القاهرة.. كى يروضوا
أبناءنا على رؤية العلم كما يروض العبيد..
ولا حتى يوم استشهاد خالد الإسلامبولى
بالإعدام..[12][12]
ولا حتى مع الذبح اليومى الذى نشارك فيه
للعراق..
ولا حتى مع انهيار الآمال أملا بعد
أمل..
و حتى مع تراكم الآلام ألما بعد ألم..
ولا حتى يوم موت أبى..
..
أبدا..
لم أشعر بمثل هذا الألم..
القرآن..
خـراء...
عندما وقعت عينى على الكلمات الفاجرة
الكافرة أحسست أنى تدنست..
لا دنس الجسد.. بل دنسا يتسلل إلى
خلايانا خلية خلية.. يختلط بالذرات.. ويتسلل إلى القلب .. ويدمغ الروح بخاتم جهنم
..
دنس كالنار ترعى الـهشيم فتأكله..
دنس كإشعاعات الذرة تخترق الخلايا
فتدمرها خلية خلية..
دنس يكتب على وجه الشيطان الأخرس فينا :
آيس من رحمة الله..
دنس لا يدنس فردا بل يدنس أمة..
دنس لا يدنس يوما بل يدنس عصرا..
دنس لا يمحوه اغتسال بالماء..
ولا كل أمواه الدنيا..
دنس لا يمحوه إلا الدم..[13][13]
دنس لا يمحو عاره وذنبه عنا إلا أن نموت
شهداء ونحن نزيله.. نموت شهداء.. مدركين أن استشهادنا ذاك لا يمنحنا الحسنات بل
يمحو عنا بعض السيئات.. أقصى آمالنا
بالاستشهاد أن يعفو الله عنا.. وألا يسألنا يوم القيامة: لماذا انتظرنا كل هذا
الانتظار قبل أن نستشهد..
شعرت بالدوار..
ملاذنا الأخير ينتهك ويهان..
فلا كتبت لى الحياة ولا لكم يا قراء إذا
لم ندافع عن ملاذنا الأخير..
***
كان صديقى ما يزال على الـهاتف..
وكنت ما أزال أبكى وأنا أقرأ له مما
نشرته وزارة الثقافة المصرية.. رائدة التكفير لا التنوير..:
(.. " الله قال انكحوا ما طاب لكم. رسولنا المعظم كان
مثالنا جميعا ونحن على سنته.. لقد تزوج أكثر من عشرين امرأة بين شرعية وخليلة
ومتعة.. وكان صلوات الله عليه وسلم يقول: تناسلوا تناسلوا فإنى مفاخر بكم الأمم .
استبد الغضب بالحاج: الرسول تزوج حسب الشريعة ، أما أنتم فتريدونها شيوعية"..
ثم يدعى الكتاب الفاجر الذى لا ينشره
إلا فاجر ولا يطبعه إلا فاجر على القرآن ما ليس فيه حين يقول ساخرا من القرآن:
" والله تعالى قال فى كتابه العزيز
فإذا ابتليتم بالمعاصى فاستتروا .." وصرخ مهدى ضاحكا: يا عمى الحاج رغبنا فى الاستتار فإذا بمخابرات ربى تقرع
علينا الأبواب الموصدة " .
ثم يستطرد الكتاب الفاجر الكافر الذى
يلبس عباءة رواية وليس برواية إلا فى عقول مخصية شاذة مريضة سعت وتسعى إلى نشر الكفر والفاحشة.. يستطر مجترئا على الذات الإلـهية ليقول:
"
إن رب هذه الأرض كان يزحف وهو يتسلل من عصور الرمل والشمس ببطىء السلحفاة
" .
ويسوق فى حوار فاجر كافر:
هو من صنع ربى..
لا بد أن ربك فنان فاشل إذن..
لا إلـه إلا الله لا إلـه إلا الله لا
إلـه إلا الله لا إلـه إلا الله لا إلـه إلا الله..
ويقول الفاجر بن الفاجر الفاسق بن الفاسق الكافر بن الكافر: مؤلفا
وطابعا وناشرا ووزارة:..[14][14]
"
داخل هذه الأهواز التى خلقها الرب فى الأزمنة الموغرة فى القدم ثم نسيها
فيما بعد لتراكم مشاغله التى لا تحد فى بلاد العرب وحدها حيث الزمن يدور على عقبيه
منذ ألفى عام " .
و ..
" أقام الله مملكته الوهمية فى
فراغ السموات " ..
و ..
.. " .. الله الله يا ولد يا داود.. لقد
غفرت لك .. انكح كل صبيان بونة وأنا شفيعك يوم القيامة.."..
و ..
.. " وخلع الجلد المتخلف والبالى
الذى خاطه الإسلام فوق جلودنا القديمة.." ..
و ..
"
فله المساوية لروح الله الجامعة هبطت كالروح القدس فجمعت الجسد إلى النفس
وأعادت تكوين التنسيق الأول بعد اختلالـه" ..
وفلة هذه عـاهرة..
و..
.. " ربى خذ بيدى فى مملكتى لآخذ
بيدك فى مملكتك، ربى زدنى أرصدة فى الدنيا والمصارف لأزيدك ابتهالا فى الآخرة..
ربى لتكن منافعنا متبادلة وليتحقق القصد الذى من أجله ولدتنى فأكون طفلك البار على
هذه الأرض الفانية "..
و..
" إن حبل السرة ما يزال موصولا مع
الأزمنة الرعوية وأزمنة عبادة الله الواحد القهار فى السماء والأرض، وذلك الذى
يقول للشىء كن فيكون، ومن خلال تلك الـهشاشة الرثة " [15][15]
آآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآآه..
آه من القلب لا من الحلق..
آه ينصدع لها القلب وينحطم الفؤاد
وتنكسر الروح..
برح الخفاء يا ناس وهذا وقت المفاصلة
إما إيمان وإما كفر..
للوهلة الأولى.. والدوار يكتنفنى قلت
لنفسى اذهب إلى الأزهر على الفور واصعد منبره واصرخ:
من يبايعنى على الموت..
ثم آخذ الرهط الذى يجتمع حولى وأتوجه
بهم إلى قصر الرئيس مبارك.. عراة صدورنا نازفة قلوبنا دامعة عيوننا عزلاء
أيدينا .. نسألـه والسؤال دم: ما هى
الحدود بين الإسلام والكفر.. ما هى التخوم بين التنوير والتعهير.. ما هى الطخوم
بين تجفيف المنابع والخروج من الملة .. ما هى البيون بين أن تكون مصر قائدة
للتنوير حقا يرتضيها العرب والمسلمون وبين أن تكون قوادة للكفر والفسوق والعصيان..
نهتف فيـه:
أنت ولى الأمر.. وليس لنا أن نقيم الحد
على الفجرة الكفرة الفسقة بأيدينـا..
ثم نواصل الـهتاف:
إن لم تقم عليهم الحد .. إن لم تدافع عن القرآن
فاقتلنا.. لأننا لا نستطيع أن نواجه الله يوم القيامة وقد اخترنا الحياة بعد هذا
الكفر..[16][16]
***
تسلل إلى نفسى أمل ميت.. أن يكون ثمة
لبس قد حدث أمام صحيفة الأسبوع [17][17] عندما فجرت هذه الفضيحة منذ أسابيع قليلة.. لعل الكتاب طبع فى
إسرائيل مثلا.. وقلت لنفسى أن الإسلام يأمرنى بالتثبت.. بحثت عن الكتاب..
ووجدته..:
وليمة لأعشاب البحر.. حيدر حيدر.. سلسلة
آفاق الكتابة.. العدد 35- الـهيئة العامة لقصور الثقافة.. وعنوانها كما هو مثبت :
16 أ شارع أمين سامى- قصر العينى- القاهرة ت: 3564841-3564842-فاكس 3564202- [18][18] أما الطابع فهو: شركة الأمل للطباعة والنشر أما قائمة العار الدنـسة المكتوبة على صفحات
الكتاب الأولى فتجمع: رئيس مجلس الإدارة: على أبو شادى.. أمين عام النشر: محمد
كشيك.. رئيس التحرير إبراهيم أصلان.. الإشراف الفنى: د .محمود عبد العاطى.. مدير
التحرير حمدى أبو جليـل ..[19][19]
***
حصلت على الكتاب منذ أسبوعين.. كنت
أتصفح أوراقه السبعمائة كمن يقلب بيديه العاريتين الجمر..
وتأكدت مما قيل..
***
لا إلـه إلا الله..
كنت يا قراء أتابع الحملة الصحفية التي
بدأها المجاهد الأسير مجدى حسين ضد عملية
التكفير التى تقوم بها وزارة الثقافة مستعينة بسلطات الدولة.. وعزمت على المشاركة
خاصة بعد أن قرأت الفواجع الرهيبة التى فضحها كتاب كاريمان حمزة: "لله يا
زمرى"[20][20].. وقلت لنفسى أننى سأكمل سلسلة المقالات التى أكتبها الآن :
" بروتوكولات حكماء العرب" فى أسبوعين أو ثلاثة ثم أبدأ على الفور فى
ولوج المعركة..
كنت أظننى محتاجا لقراءة الرموز بين
السطور كى أكشف الشرك الخفـى..
حتى جاء هذا الكتاب وفجرت صحيفة الأسبوع
قضيته..
لا لإلـه إلا الله..
ليس الشرك الخفى بل الكفر البواح..
لا إلـه إلا الله..
هذا هو التنوير الذى يدفعونك إليه يا
أمة..
برح الخفاء..
هو التكفير لا التنوير..
هو الخيانة لله ولرسوله.. هو الخيانة
للأمة وللوطن..
هى العمالة الصريحة المباشرة لأمريكا
وإسرائيل..
هى تزيين الباطل كما يزين القواد الزنا
لبغى..
هو التسلل إلى عقول أبنائنا لإخراجهم من
الإسلام تماما كما قال زويمـر..
هو نشر الإباحية والسفالة والشذوذ وقتل
روح الأمة..
وكل الكوارث التى قادتنا إليها وزارة
الثقافة وكل الفضائح حلقات فى سلسلة التكفير والتعهير يا أمة..
***
إن العار لا يلحق بوزارة الثقافة فقط..
فتضامن المسئولية الوزارية يجعل مجلس الوزراء كله مسئولا وكل وزير مسئول.. ورئيس
الوزراء مسئول .. و..
ترى ماذا كانوا يفعلون بى لو أننى قلت
أن كلينتون أو باراك أو حتى أحد الوزراء
خـراء..
هل كنت أجد من يدافع عنى لو أننى قلت
اخرأ برئيس الوزراء..
لكن الفاجر يكتب والفاجر ينشر أن
"القرآن خــراء " .. و "خرا بربك" .. ثم يجد من يدافع عنه..
أما من وزير يستقيل؟!..[21][21]
***
لا إلـه إلا الله..
إننى أناشد الرئيس مبارك.. باسم
الله.. باسم رسول الله صلى الله عليه وسلم..
باسم الأمة .. أن يدافع عن القرآن.. لأنه بمثل هذا الدفاع لا يدافع عن الدين فقط بل يدافع عن تاريخه
وتاريخنا..
إن الوزارة التى سمحت لمثل هذا الكتاب
أن يصدر لابد أن تنسف نسفا بكل هيئاتها ومؤسساتها.. ولن ترضى الأمة منك بأقل من
ذلك..
وليست الإقالة فقط هى ما نطلبه منك..
وإن لم تكن المحاكم العسكرية لمحاكمة من
خانوا الله والرسول والأمة والوطن فلمن تكون..
***
لا إلـه إلا الله..
يا جلالة ملوك وفخامة رؤساء الدول
الإسلامية.. لطالما تعاونتم على الإثم والعدوان.. فتعاونوا ولو مرة للدفاع عن
القرآن.. اطلبوا الرئيس مبارك اليوم.. قولوا له أن ما نشرته وزارة الثقافة المصرية
لم يذبح المسلمين فى مصر فقط بل فى العالم الإسلامى كله.. من لم يفعل منكم ذلك
فليأت الله يوم القيامة والقرآن خصمه..[22][22]
***
لا إلـه إلا الله..
إن كل سفير مسلم[23][23].. وكل دبلوماسى يغار على الإسلام ويغضب للقرآن عليه اليوم أن يبلغ
ملكه أو رئيسه بهذا النداء وأن يستحثه للاستجابة له.. من لم يفعل منكم ذلك فليأت
الله يوم القيامة والقرآن خصمه..
***
لا إلـه إلا الله..
إن كل كاتب وكل مفكر عليه أن يرفع الآن
صوته دفاعا عن القـرآن..[24][24]
كنا نختلف ونتفق ونتشاجر ونتنابز
بالألقاب..
لكن عندما يكون الأمر أمر القرآن
فلنتفق..
من كان منكم يحب الله والرسول فليدافع
عن القرآن..
من كان منكم يحب الأمة فليدافع عن
القرآن..
من كان منكم يحب الوطن فليدافع عن
القرآن..
من كان منكم يحب نفسه فليحمها من النار
بالدفاع عن القرآن..
من كان منكم مذنبا فليكفر عن ذنوبه
بالدفاع عن القرآن..
من كان قد انخدع منكم بالتنوير وظن أنه
تنوير لا كفر بواح فليكتشف الحقيقة وليكتب وليتكلم..
من كان منكم قد تدنس فليتطهر..
أناديكم جميعا..
وأطالبكم جميعا أن تدافعوا عن القرآن..
ومن لم يفعل منكم ذلك فليأت الله يوم القيامة
والقرآن خصمه..
***
يا شيخ الأزهر[25][25]..
يا شيخ الأزهر..
يا شيخ الأزهر ..
لا إلـه إلا الله..
***
يا فضيلة المفتى.. أنت تعرف أن الأمة
تحترمك مستعيدة أن أفضل السلاطين من صاحب العلماء وأسوأ العلماء من صاحب
السلاطين.. والأمة تراك يا فضيلة المفتى حتى الآن – ولا نزكيك على الله- بعيدا عن
السلاطين قريبا لشرع الله..
إن هذه الصفحة تنظر يوم الجمعة القادمة
فتواك فيما حدث..
فتواك فى الوزير الذى سمح به وروجه..
فتواك فى رئيس الوزراء إن صمت..
فتواك فى النظام كله إن لم يرجع إلى
الله..
فإن حيل بينك وبين الفتوى فإن هذه الصفحة
تنتظر كى تنشر يوم الجمعة القادمة استقالتك.. فو الله لأن يسب القرآن ويهان فى بلد
ليس فيها من يفتى للإسلام والمسلمين لأفضل
من أن يحدث هذا تحت ظلال وصور تهيئ للناس
أن الكفرة مسلمون..
أعيذك من أن يخفى خلفك الكافر كفره..
استقل..
وليأتوا إن أصروا على الكفر والفسوق
والعصيان بحاخام من اليهود وليصدر القرار – لا من أعلى بل من أسفل سافلين - بأن يحل مكانك مفتيا للمسلمين.. فذلك أفضل من
أن تختلط الأمور..
افعل ذلك يا فضيلة المفتى..دافع عن
القرآن.. فإنك إن لم تفعله تأت الله يوم القيامة والقرآن خصمك..
***
يا شيوخ الأزهر ويا طلبة جامعة الأزهر[26][26]..
لا إلـه إلا الله..
يا طلبة العلم..
يا كل الناس..
يا أمة.. إنه الله الذى لا إلـه إلا هو
.. وإنه القرآن .. إنه ملاذك الأخير وقدس أقداسك الأخير.. لم يتركوا لك حرما إلا
لوثوه ولا وطنا إلا اغتصبوه ولا كنزا إلا انتهبوه.. فإن سكت فأولى لك فأولى ثم
أولى لك فأولى أن تتوقفى عن الصلاة.. وعن الإسلام كله..
دافعى عن القرآن يا أمة..
إلا تفعلى تكن فتنة فى الأرض وفساد
كبير..
***
لا إلـه إلا الله..
يا خطباء المساجد..[27][27]
لا إلـه إلا الله..
***
لا إلـه إلا الله..
يا كل قاض وكل محام..[28][28]
فلتثبتوا غدا فى مضابط المحاكم احتجاجكم
ورفضكم.. ولتطلبوا من ولى الأمر القصاص للقرآن..
إن لم تفعلوا فلتأتوا الله يوم القيامة
والقرآن خصمكم..
***
لا إلـه إلا الله..
يا كل حزب سياسى وكل نقابة وكل هيئة..[29][29]
فلتصدروا بيانا تعترضون فيه عما لحق
بالدين والقرآن.. فلتكتبوا إلى الرئيس مناشدين أن يستعمل صلاحياته على الفور ..
إن لم تفعلوا فلتأتوا الله يوم القيامة
والقرآن خصمكم..
***
لا إلـه إلا الله ..
يا كل صحيفة وكل مجلة وكل كاتب وكل
كاتبة فى مصر..[30][30]
دافعوا عن القرآن..
اكتبـوا..
أو فاكسروا أقلامكم..
إن لم تفعلوا فلتأتوا الله يوم القيامة
والقرآن خصمكم..
***
لا إلـه إلا الله..
يا ضباط مباحث أمن الدولة[31][31].. تعلمون والله أننى أبغضكم فى الله.. لكننى لا أيأس من ذبالة خير
فيكم.. أو أنكم عندما تكتشفون هول ما فعلتموه وأن جل ما فعلتموه كان لكى تمكنوا فى الأرض لمن يقول أن القرآن
خـراء.. عندما تكتشفون ذلك فقد تدركون هول
ما تورطتم فيه..
أناشدكم.. كفروا عن بعض ذنوبكم ..
لقد دستم على القانون كثيرا من أجل
النظام..
فنفذوا القانون اليوم من أجل القرآن..
ارفعوا إلى الرئيس اليوم تقريرا بأن مثل
هذا العفن والكفر وازدراء كتاب الله هو الذى يهدد الأمن القومى والسلام الاجتماعى
وهو الذى يثير الفتنة.. بل ويهدد النظام ذاته..
ارفعوا إلى الرئيس أيضا تقريرا بالأمور
المشينة المخزية التى تورط فيها المسئولون عن نشر هذا الكتاب فى مصر.. وأظن أن هذه
الأمور المخزية مسجلة عندكم صوتا وصورة..
من لم يفعل ذلك فليأت الله يوم القيامة
والقرآن خصمه..
***
لا إلـه إلا الله..
يا كل امرأة [32][32] فى هذا الوطن.. أما كانت أم زوجة أم ابنة.. فلترفعى اليوم صوتك
أمام زوجك أو أبيك أو ابنك.. ولتطلبى منه أن يدافع عن القرآن.. فالقرآن ليس
خـراء..
***
لا إلـه إلا الله..
يا كل هيئة ومؤسسة وصحيفة فى العالم
الإسلامى[33][33].. اكتبوا أنهم فى بلد الأزهر ينشرون أن القرآن خـراء..
***
لا إلـه إلا الله..
إلى الجاليات الإسلامية فى الخارج[34][34].. اذهبوا إلى السفارة المصرية فى بلادكم أو اكتبوا لها..
فإنه القـرآن..
***
لا إلـه إلا الله..
يا شيخ يوسف القرضاوى[35][35].. إن الأمة الإسلامية تضعك – شئت أم أبيت – على رأس العلماء
المجاهدين المجددين على مستوى العالم الإسلامى بأسره، وترى فيك – شئت أم أبيت –
واحدا ممن يبعثهم الله لتجديد شباب هذا الدين.. يرون ذلك فيك..
رغم أن سلطات بلدك نفسها أنكرتك.. بل واعتبرتك إرهابيا.. فالإسلام بالنسبة لهم هو
الإرهاب.. والقرآن هو المستهدف.. والذين أنكروك هم الذين ينشرون أن القرآن خـراء.. وأنت تعلم أن الأزهر قد
اخْتُرٍق.. وأن المقاومة فيه إما محاصرة وإما مقموعة وإما مفصولة.. أصبحنا بلا
دفاع.. والأمة ترى فيك بديلا.. الأمة ترى
فيك ذلك فلا تخذلها.. وهذه معركة مفروضة عليك .. ولعل القتال يكتب فيها عليك وهو
كره لك.. ولعلنا مثلك.. كنا نتمنى أن نموت قبل أن تفرض علينا هذه المعركة.. أما
وقد فرضت فنحن نتمنى أن نموت فيها.. فلا تخذل الأمة.. دافع عن القرآن بما أنت له
أهل.. إن الأمة تنتظر فتواك فى كل مسئول عن نشر هذا الكتاب فى بلد الأزهر..كل
مسئول.. من الخفير.. إلى الوزير.. إلى الأمير..
لا ..
ليس فتواك فقط..
بل إن الأمة تنتظر منك حملة شاملة على
مستوى الـهيئات الإسلامية فى العالم الإسلامى كله..
أصرخ فيك..
أنت بعيد عن مصر بعد أن أنكروك.. أنكروك
فاحتضنك العالم الإسلامى قرة عين ومهجة
قلب وفلذة كبد وومضة عقل.. لكنك بعيد عن مصر.. ولعلك تظن أنها مازالت بخير..
أهتف فيك: مصر لم تعد بخير.. مصر لم تعد
بخير.. مصر لم تعد بخيـر..
فالنجدة النجدة والغوث الغوث..
فإنه القـرآن..
***
لا إلـه إلا الله..
إلى السيدة سوزان مبارك..
أناشدك مرتيـن..
مرة باعتبارك زوجة لأكبر مسئول فى
البلاد.. ومرة باعتبارك المسئولة عن سلسلة مكتبة الأسرة.. التى أخشى أن يتسلل
إليها مثل هؤلاء المشركين الذين نشروا – بحجة التنوير- أن القرآن خـراء..
ولا إلـه إلا الله..
***
لا إلـه إلا الله..
إلى كل قارئ لهذه الصرخة..
ألا قد بلغت والله يشهد..
فهل بلغت أنت أيها القارئ؟!
هل بلغت؟! هلا بلغت.. وكم بلغت؟!..
عشرة..؟! مائة…؟! ألف..؟! وهل هذا هو قصارى جهدك فى الدفاع عن القرآن؟!..
لا إلـه إلا الله..
***
اغضبى يا مصر..
اغضبى يا أمة..
اصرخى: لا إلـه إلا الله..
***
إلى كل من يستطيع الحديث مع الرئيس
اليوم فى هذا الأمر ثم لا يتحدث فليأت الله يوم القيامة والقرآن خصمه..
***
يا سيادة الرئيس..
أطفئ الفتنـة..
واعلم هدانا وهداك الله أن ما ظهر أمامك
الآن إنما هو رأس الدنس.. وكل ما تحته دنس..
واعلم هدانا وهداك الله أننا كنا صادقين
حينما حذرنا من أن ما يدعون أنه التنوير إنما هو التكفير والكفر بعينه..
واعلم هدانا وهداك الله أنهم لم يقصدوا
أبدا الإرهاب بل قصدوا الإسلام دائما..
واعلم هدانا وهداك الله.. أن تجفيف
المنابع كان المقصود به الخروج من الإسلام والخروج على الإسلام..
واعلم هدانا وهداك الله أن الأمر ليس
أمر وزير فاسق أو وزارة فاجرة بل هو منهج مشرك تسلل إلى النظام مسئوليتك أمام الله
أن تزيله وأن تحاربه حتى لو استشهدت دونه.. منهج مشرك لا يقتصر على وزارة ولا يقوم
به مجرد أفراد..
واعلم هدانا وهداك الله أن مثل هذا المنهج
الفاجر هو الذى يغيب فى السجون والمعتقلات عشرات الآلاف من شباب لم يأخذوا عليهم
سوى أن الإسلام دينهم والقرآن كتابهم.. بينما يرى ذلك المنهج الخائن الفاجر الكافر
العميل أن القرآن خـراء.. وذلك ما ينقمونه عليهم..
واعلم هدانا وهداك الله أن أسوأ ما تفعل
أن تكتفى بإقالة وزير أو تنحية مسئول..
فالخطب أطم والمصيبة أعم..
قل لى يا سيادة الرئيس : هل ترضى لعهدك
– دون العهود جميعا – أن تصمه هذه الوصمة.. فالقرآن لم يتعرض لمثل ما يتعرض له
الآن.. أبدا .. ولا حتى فى عهد كرومر.. بل وحتى الفراعنة كانوا يقدسون كتب الدين..
قل لى يا سيادة الرئيس: هل كانت الدولة
تسكت لو أن من كتب هذا الكتاب أو طبعه أو نشره ووزعه كان قد وضع الإنجيل أو
التوراة مكان القرآن؟!.. ما كانت الدولة لتسكت.. وما كنا نحن أيضا سنسكت..
يا سيادة الرئيس: إنك مسئول عن هذه
الفئة المنحرفة الشاذة .. مسئول أمام الأمة وأمام التاريخ وأمام الله.. إن القانون
فى بريطانيا يحمى الإنجيل والتوراة.. واخوتنا المسلمون هناك يجاهدون لمد مظلة
الحماية إلى القرآن.. فهل ترضى لنفسك أن نجاهد أمامك لسن قانون يحمى القرآن؟!..
يا سيادة الرئيس إنك كادح إلى ربك كدحا
فملاقيه.. وإنى والله لمشفق عليك من أن تلقاه وهذه الفعلة الشنعاء فى كتابك.. توضع
فى ميزانك.. وما أثقلها .. ما أثقلها.. ما أثقلها..
وإننى أناشدك يا سيادة الرئيس - أبيت
اللعن -أن تطفئ لهيب الفتنة ببيـان يصدر عن الرئاسة اليوم.. بيان استغفار إلى الله
.. واعتذار إلى الأمـة..
افعل ذلك يا سيادة الرئيس نشفع لك – نحن
الأمة التى وضع الله شفاعته فيها - عند الله يوم القيامة..
لا إلـه إلا الله..
فإن لم تفعل يا سيادة الرئيس..
فإننى أرجوك:
مر رجالك بقتلى.. قتلة غلام أهل
الأخدود..[36][36]
الزلزال
صبيحة نشر المقال في صحيفة الشعب كنت
أنتظر رجال الأمن.. وكان تقديري أنهم قد يلقون القبض على كتيبة الشعب المجاهدة
كلها.. وكنت أقول لنفسى أنني لن أصبر على أي إهانة منهم.. سأردها على الفور.. و أن
هذا سيترتب عليه أنني سألاقى ربى خلال ذلك الأسبوع.
ومضت ساعات ولم يأت رجال الأمن.. وبدأ
بصيص من الأمل يتسلل إلىّ في أن يكون في قمة السلطة رجل رشيد يعترف بأن الدولة
أخطأت.. رجل لم يكن يخطر على باله أن قطعان المثقفين قد بلغ بهم الأمر كل هذا
المدى.. رجل رشيد طلب من أجهزة الدولة أن تحارب التطرف لا أن تحارب الإسلام.. و أن
هذا الرجل الرشيد بعد أن يتأكد من صدق ما أوردته الشعب لا بد أنه ستخذ قرارات
حاسمة.
سبب
نشر المقال هزة عنيفة في الشارع
المصري..
وقد فوجئت أنا نفسى بالمساحة التي خصصها
عادل حسين للمقال في صدر الصفحة الأولى فقد كانت كل مانشيتات الصفحة عن المقال.
مع القراء الذين يعرفوننا كان رد الفعل
هو إحساس بالصدمة البالغة والغضب العنيف.
ومع الآخرين كان هناك إحساس بعدم
التصديق.. والجماهير التي عودتها صحف الإثارة أن الكذب كثير وطلب التصديق أكثر شكت
في إمكانية أن يكون الأمر قد وصل بوزارة الثقافة إلى هذا الحد.. وظنت أن في الأمر
مبالغة منا.. بل وأعلن البعض أننا نختلق.
وبلغ الارتباك الذي ساد وزارة الثقافة
حدا جعلهم يفكرون في إنكار قيامهم بالنشر وادعاء أن جهة مجهولة طبعت الرواية
ونسبتها إلى وزارة الثقافة.
وقد أوردت أخبار الأدب[37][37] ذلك بالتفصيل فى مقال: وائل عبد الفتاح عن تصريح وزير الثقافة
المنشور فى الأهرام فى 30/4/2000م وهو أن إلـهدف من اللجنة العلمية التى شكلها:
"التحقيق فى ظهور طبعة لبنانية من من رواية وليمة لأعشاب البحر للسورى حيدر حيدر منسوبة لوزارة الثقافة"..
ويستطرد الكاتب أنه يبدو أن الوزير وجدها " واسعة " فغير أقوإلـه بعد
ذلك.
نفس الخبر نشرته بتفصيل أكثر صحيفة آفاق عربية[38][38] تحت عنوان وزارة الثقافة تزعم أن جهة مجهولة نشرت الرواية
المجهولة ونسبتها إليها.
عندما مرت الأيام الأولى تراجع هاجس المواجهة الأمنية من
الدولة لنا.. وبدا أن الدولة وقد أدركت خطورة الأمر قررت بدهاء أن تتعامل مع
القضية ليس كقضية إيمان أو كفر بل كمعركة ثقافية بين المثقفين تقف فيها على الحياد
المزعوم و أن تكلف ميليشياتها الثقافية بمهمة مواجهتنا.
وبدأت أعد الحلقة التالية من : " بروتوكولات حكماء
العرب"..
قلت لنفسى أنني قد أديت واجبى وانتهى الأمر..
واتصل بى الأستاذ عامر عبد المنعم ليخبرنى أنهم قرروا عقد ندوة
فكرية في مقر حزب العمل يوم الجمعة التالى سيدعون إليه عيون الثقافة الحقيقية – لا
ثقافة العمالة والتزوير والتخريب - في مصر
كى يدلوا بدلوهم في الأمر.
وواصل عامر عبد المنعم:
-
-
بالطبع ستأتى..
وفوجئ بإجابتى:
-
-
لا.. لن آتى..
فقال بدهشة:
-
-
كيف.. و أنت "عريس" هذا الاحتفال..!!..
و أحسست بقلبى يخفق في عنف.. بل في رعب.. فقلت له:
-
-
أخشى يا أخى أن يقابلنى الناس هناك بشكر أو تمجيد ينتقص من
أجرى يوم القيامة.. هذا أمر قصدت به وجه الله خالصا ولا أريد أن أسمع كلمة شكر
واحدة.. أخشى أن يقال لى يوم القيامة: قصدت الدنيا فاذهبوا به إلى النار.
ولم يعلق بكلمة واحدة.. فهز قلبى..!! .. إذ أنه يتمتع بتلك
الحساسية الفائقة التي جعلته يؤمن على الفور بصدق ما أقوله له.. كما من عليه الله
بالتقوى التي جعلته يدرك داخله أنني على صواب.
يوم الأحد 30-4-2000 اتصل بى مندوب قناة الجزيرة في القاهرة كى
يسجل معى حديثا عن المقال.. واعتذرت له كما سبق أن اعتذرت في مناسبات سابقة
للعديدين منهم الدكتور فيصل القاسم والأستاذ أحمد منصور المذيعين اللامعين بقناة
الجزيرة. كنت عزوفا عن أجهزة الإعلام لأسباب تتعلق بالزهد في الشهرة، ولأسباب أعمق
تتعلق بشكوك عميقة في دور الإعلام نفسه.
يوم الإثنين 31-4-2000
اتصلت بالأستاذ عادل حسين و أخبرته بأننى سأعود إلى النص الأدبى الذي كنت
أكتبه.. ولم يبد اعتراضا.
مساء الإثنين حدثت واقعة لم تحدث من قبل أبدا حتى أنني
اعتبرتها إشارة إلهية لى بالمواصلة لا بالانقطاع.. والواقعة باختصار أن صديقا
زارنى فجلسنا نتحاور في هم الأمة حتى الصباح.. وكان مرتبطا بموعد في الصباح الباكر
ولم أجد من يقوم بمهمة توصيله إلى محطة القطارات ( اتصلت بشابين من شباب العائلة
كى يقوما بذلك لكنني لم أجدهما).. و ذهبت معه إلى محطة القطار.. وفى طريق عودتى
مررت على بائع للصحف لم أشتر منه قبل ذلك أبدا.. وبعد أن اشتريت الصحف – ومنها شعب
الثلاثاء- أخذت أتصفح الكتب المعروضة لديه فإذا بمفاجأة مذهلة.. كتاب لوزارة
الثقافة أيضا بعنوان: شعر الحداثة في مصر"..
ظهر الثلاثاء اتصل بى الأستاذ عادل حسين ليقول لى أن وزارة
الثقافة تناور و أن المثقفين بدءوا في شن حملة ضارية ضدنا. وبأسلوبه الرقيق الآسر
قال:
-
-
أظن أنه قد يكون من المناسب أن تواصل.
وقلت له:
-
-
كنت سأبادرك أنا بالحديث كى أطلب منك أن أواصل.. لقد وجدت
كتابا أخر لوزارة الثقافة لا يقل كفرا وفحشا عن رواية الوليمة..
ويوم الجمعة 5 مايو عام 2000 نشرت المقال الثانى..
***
الجريمة مستمرة يا ناس فلا إلـه إلا الله..
الجريمة
مستمرة..
وسوف
تخطئون خطأ مروعا إذا ظننتم أنه مجرد كتاب داعر فاجر كافر أفلت .. وأن الأمر قد لا
يتكرر مرة أخرى..
ليس
مجرد الكتاب بل إنه المنهج.. منهج متعمد مقصود.. منهج أخطبوطى ينفذ بالضبط تعاليم المستشرقين
والمبشرين والاستعمار فى صورته الحديثة.. منهج يدرك أن أخطر ما فى الإسلام والقرآن
هو ذلك الإيمان اليقينى الذى يجعل من المسلمين بشرا يمكن أن يتفوقوا حتى على
الملائكة ويجعل من المنافقين أشبه بالخنازير والقردة.. وتلك هى النقطة التى تثير
عجب وحنق المنافقين عندما يلاحظون
استعلاءنا عليهم مهما أدبرت عنا الدنيا وأقبلت عليهم.. استعلاء البشر على
الخنازير.. ولقد أدرك الغرب منذ قرون أنه هزم فى المواجهة المسلحة مع الحضارة الإسلامية..
وأنه لا سبيل أمامه إلا إفراغ الإسلام من محتواه.. ولقد استعان على ذلك حينا
بالاستعمار حتى اطمأن إلى أنه ربى بيننا نخبة فاسدة مفسدة فتركها لتنوب عنه.. وهم
منا لكن قلوبهم قلوب ذئاب..
ليس
مجرد كتاب يا أمة..
الجريمة
مستمرة ولا إلـه إلا الله..
الجريمة
مستمرة.. والثقافة فى بلدنا تهدف إلى ثلاثة أشياء لا تنسوها:
أن
تكون حرية التفكير مرادفة للكفر..
وأن
تكون حقوق المرأة مرادفة للعهر..
وأنه بعد نشر الكفر والعهر سيكون المجتمع الإسلامى
قد غرق فى غيبوبة فقد معها كل مناعة.. ليسهل التطبيع بعد ذلك مع إسرائيل والانسحاق
أمام الغرب..
لا
تنسوا يا قراء الاختراق الذى حدث للثقافة فى بلادنا فعكس اتجاهها ليتلخص فى تلك النقاط : التكفير.. والتعهير.. والتطبيع..
ولكى
يصل الاختراق الثقافى إلى مبتغاه كان عليه أن يميط القداسة عن القرآن والأحاديث النبوية
الشريفة والتراث.. وأن يستعمل الألفاظ
التى أحاطتها هالات القداسة استعمالا فاجرا يميط عنها القداسة..
***
لا
إلـه إلا الله
الجريمة
مستمرة يا ناس.. وسأعرض عليكم على الفور نماذج لا تقل سفالة وبشاعة عما عرضت عليكم
فى المقالة الماضية.. فلنتناول معا كتابا أخرجته وزارة الثقافة أيضا – الـهيئة العامة
لقصور الثقافة- كتابات نقدية- العدد 97 – ديسمبر 99- والكتاب[41][41] معروض عند باعة الصحف
وإن كنت أحسب أن السيد الوزير الذى يطلقون عليه "زين الرجال" سوف يأمر بسحبه غدا قبل انتشار الفضيحة.. عنوان
الكتاب: شعر الحداثة فى مصر- وقائمة العار للهيئة المشرفة عليه هى ذات قائمة العار
التى نشرناها فى الأسبوع الماضى ( وعلى رأسها أيضا : على أبو شادى)..
ولقد
وفر علينا إدوارد الخراط مئونة البحث فى عشرات من إصدارات وزارة الثقافة المصرية لعشرات
الشعراء المصريين- وأغلبهم والله ليسوا شعراء وليسوا بشرا- حين استعرضها فى هذا
الكتاب: 700 صفحة تقريبا .. وسعره خمسة جنيهات.. وتذكروا يا قراء أن هذه الكتب هى
التى يخرءونها – إذا صح التعبير- لتشكيل وجدان الأمة..
فلندلف
معا إلى كلمات السفالة والشذوذ والكفر البواح.. فلندلف دامعين إلى السخرية من
الذات الإلـهية والمرسلين.. فلندلف إلى محاكاة هازلة هازئة كمحاكاة مسيلمة
الكذاب.. فلندلف إلى خيوط الشبكة التى يصطادون بها الأمة.. إلا أننى أجد لزاما
علىّ أن أنبه القراء أن ما سيقرؤونه على الفور بالغ الفحش وأن يبعدوه عن أيدى أبنائهم..
فلنقـرأ:
"
وكأن الله سيعمل منذ اختفت الأرض جميعا
تحت
رؤوس الناس
جليسا
للأطفال
يعلمهم
آداب الحب
وفقه
اللغة "..
ص255
لا
إلـه إلا الله..
ولنقـرأ:
"فهل
يكون لى أن أسمى الأفق ثوبا ضيقا، (.) والشعر شركا شائكا والمآذن حرابا سامة حتى مطلع
الفجر".
ويضيف
المؤلف[42][42] : "فضلا عن النص القرآنى العظيم
بطبيعة الحال : "أخرق الأرض ، وأبلغ الجبال طولا"
ويكرر
الخطأ مرتين وهو يضع الآية بين علامات التنصيص .. وصحة الآية:
{وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ
لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً {37} الإسراء..}
والمؤلف
رغم حساسية وضعه كغير مسلم يستشهد بالقرآن لا يأبه بتحقيق الآية .. لا يأبه بأحد ولا لأحد.. ولا أبو شادى ولا كشيك ولا محمود عبد العاطى ولا مجدى توفيق ولا محمود
حامد .. ولا أى من المشرفين على السلسلة المنكودة.. ولا وزارة الثقافة كلها..
ولنواصل القراءة:
"نلف
على الأعضاء الخرقة
تشعلها
الأعضاء فنخرج نحو النار
ونشهد
أنا كنا اثنين
وصرنا
خيطا لا يتفرق فى خيطين
ونشهد
أن الله تجلى فينا
فانفرطت
أشجار العاشق والمعشوق
الخالق
والمخلوق
وباحت
كل الناس لكل الناس .."
لا
إلـه إلا الله..
هل
تدرك أيها القارئ ذلك المزج الوثنى بين الله تقدست أسماؤه وبين الجنس العاهر..[i][a]
ويمتدح
الناقد الحداثى ذلك العهر بقوله:
"المزج
من ناحية أخرى بين الفعل الميتافيزيقى والفعل الشبقى الفيزيقى .."..
ولنواصل
القراءة يا قراء:
"العضو
الناشز تحت فضاء البطن جميل ..
هذا
ما سواه الأب الله.."[ii][b]
لا
إلـه إلا الله
هذا
ليس أدبا وليس شعرا يا قراء.. هذا فعل لواطيين مخمورين..
لا
إلـه إلا الله.. لكن فلنواصل قراءة الكفر العاهر والعهر الكافر:
"يمتلك
غرابة أن يتدخل فى ملكوت الله " ..
ص
256
و:
"
حينئذ سوف ترتعشين
وتبتهجين
وتنالين
رائحة الرب "
تجسيد
فى الإسلام يا قراء فلا إلـه إلا الله.. ليس كمثله شئ لا إلـه إلا الله ..
و
:
"
دم من سرير الفضاء
ينـز..
وتهبط
منه الأساور
تهبط
رائحة الله "..
و:
"
ماذا لو صارحت الله
بأن
الوردة ليست تصلح لى ".
ص
256
يعلم
الجهر وما يخفى ولا إلـه إلا الله..
و
:
"الناس
هنا يقصون الله..
عن
الحجرات الدافئة المسكونة"..
ص:
257
و
:
"
واتخذى من كلمات الله غطاء مثل البحر إذا ما نفد البحر فليست تنفد فاتخذت "
"يأتيهن
النبق من السدر المخضود.. أفرد جسمى فوق فراش من عهم منفوش .."
..
ص261
و:
"
فـالـتـحـمت..
واتكأ
عليها كوع الله..
وأحدث
ثقبا..
يكفى
أن يدخله الرجل..
فتحمل
عنه الوحدانية..
كل
شظايا الكون " ...
ص250
و:
"من
قال الله أتى من ضلفة نافذتى